2011م .. عام ولادة الأمل..

طوفان الغضب الشعبي أصبح كالعدوى سريعة الإنتشار في أرجاء وربوع الوطن العربي.. جموع الشعوب تجتاح الشوارع وتسيطر على الميادين؛ لتعلن النهاية لحقبة الحكام التقليدين.. نهاية للظلم والفساد والطبقية..
كانت المطالب بسيطة وواضحة وأشد ما يكون من العفوية.. عفوية السجين الذي لاذ بحريتة للمرة الأولى بعد سنوات من وحشة القيود والمنع!
الأمر كان أشبة بإلقاء قنبلة ذرية مخصبة بذرات الأمل في الخلاص من حقبة الظلام والجهل، لتنتشر ويتفشىى أثرها في الدول العربية المختلفة بسلسة أحداث متصارعة تنذر بحدوث أمر جلل في المنطقة التي عانت من القيود و الكبت ما عانت!
الأجواء بصورة عامة تفوح برائحة الأمل والحرية.. رائحة ومذاق جديد على أبناء أوطاننا، لكنا والله نشهد أننا ما ذقنا ألذ منها، وما نعمت أرواحنا بأذكى من عطرها!

لكن سرعان ما أدركنا أن لكل ثمين ثمن بقدره، لن يكون الأمر بهذة السهولة واليسر، فلا شك أن الحرية أغلى ما يمكن أن يملكه إنسان ما، فضلا عن شعوب ذاقت مرارة الطغيان والقيود! ذاقت ذل الخنوع والعبودية! عاشت الجهل والظلام بكل تفاصيله!
أصبح الوعي الجمعي لهذة الشعوب يدرك قيمة وقدر الحرية.. وتعرف جيدا ما يمكن أن تنعم به في ظلها.. بلا شك هو على النقيض مما عاشوه وعاشوا ويلاته!


نور الفجر بالفعل أضحى يبدد ظلام الليل!

11فبرابر 2011م في ميدان التحرير وكافة الميادين التي احتشد بها الشعب المصري مطالبين برحيل الرئيس المخلوع "محمد حسني مبارك"..
"بيان التنحي" كان بمثابة إعلان أن هذا الشعب مازال حيا.. أن هذا الشعب له الحق أن يحيا ويحيا ليحكم ويسود، ليبني ويعمر.. لسنا أنعاما ولا بهائم، لا نروض ولا نستعبد!

في لحظة كهذة تملك الناس لذة ونشوة لم يعهدوها من قبل! مزيج من الإنتصار وحب الوطن والخوف من المجهول! في وقت وصل الإنفلات الأمني إلى ذروته في ربوع البلاد بعد انهيار رجال الشرطة؛ مما أدي إلى وجود فراغ أمني وأصبحت البلاد في حالة يرثى لها ..!
رغم ذلك، ومن زاوية أخرى كانت مجموعات اللجان الشعبية في كل مكان تحرس الشوارع وتقوم بمهام رجال الأمن، وكنا نشاهد الشباب يتقدمون تطوعا للخدمات العامة فهنا مجموعة تزين الرصيف وتجمله، وهناك مجموعة أخرى تنظف الشوارع ..إلخ من الأعمال التطوعية النبيلة! كل مقدرات البلاد ملك للشعب، وهم الشعب .. شعر هذا المقهور للمرة الأولى أنه موجود، وأنه قادر على التغيير، أنه سيدٌ ليس عبداً، له كل الحقوق، وعليه كل الواجبات.


مخطئ من يظن أن الحرية سلعة رخيصة!

لحظة إعلان التنحي.. كانت هذه اللحظة الفارقة هي بداية عهد جديد.. عهد "إرادة الشعب والجماهير" أصبحت هي مربط الفرس بين القوى المتصارعة على الحكم، بين القوى الثورية الذين قادوا الحراك في الشارع كتفا بكتف، ويدا بيد أنفسهم..!
تطرق الأمر إلى مالا يحمد عقباه بين رفقاء الدرب والثورة! تناسوا الهدف الواحد.. العيش الكريم، والحرية، والعدالة الإجتماعية!
أخذتهم لذة الإنتصار المبكر ولم يدركوا أن المعركة لم تنتهي بعد ليتطرقوا إلى ما بعد النصر، وأن هذا الأنتصار لم يكن إلا مجرد جولة قصيرة من معركة طويلة، وأن أصحاب الثورة المضادة يتربصون ويتصيدون الأخطاء والذلات.. 

رفقاء الأمس أصبحوا اليوم أعداء متصارعين على المنصب، متناسين حتى شرف المنافسة! أما القوات المسلحة المصرية فكانت في نظر الجميع الطرف المحايد.. في الواقع هي أقنعت الجميع بذلك، ربما كان الأمر حماقة من الثوار أو ربما كان حنكة ودهاء من المؤسسة العسكرية! في كلتا الحالتين الأمر لا يخلوا من غباء نخب الثورة!
أصبح الجميع يدعوا للتعويل على الجيش، واتجه كل منهم يتودد ويتقرب منه طمعا في أن يحظي بدعم المؤسسة التي كانت تتولى إدارة شئون البلاد في هذا الوقت على أمل أن يكون له النصيب الأكبر في الوصول إلى السلطة في رعونة منقطعة النظير !
الجميع تعامل مع الأمر وكأن من سيصل إلى السلطة سيظفر بالحكم الأبدي!
قصر النظر أصاب الجميع، وباتوا ينظرون إلى المكسب السريع، ولم يدركوا أن الأمر لم يستتب بعد لمن يمثلون الثورة ومطالب الشعب، حتى يتصارعون فيما بينهم على من يتقدم ليقود.. فأصبحوا يخونون بعضهم بعضا، ويتصيدون الأخطاء لبعضهم، بل وصل الامر إلى توهم الأخطاء وخلقها من اللاشئ، حتى وجدنا أنفسنا في منتصف طريق غير واضح المعالم والاتجاهات، وبدون بوصلة تهدينا في أي اتجاه نسير لنصل إلى مبتغانا!

الموضوع كان أشبة بما وصفة البعض بأنه مراهقة سياسية من جميع الأطراف والقوى الثورية!

عند وصول جماعة "الإخوان المسلمين" لسدة الحكم لم تكن طريقتهم في الحكم والإدارة هي المرجوة بعد ثورة شعبية! حيث لم يكونوا على قدر كافي من الدهاء والحنكة في التعاطي مع مجريات الأحداث مما جعل الثورة في ذاتها على حافة الهاوية!
وفي المقابل سار جمع ليس بالقليل من الذين يفترض انهم من رفقاء الثورة، سار جمع ليس بالقليل منهم في ركب الثورة المضادة بمزيج من الرعونة وطموح الوصول إلى السلطة.. حتى أعماهم هذا الطموح عن متطلبات الثورة نفسها، وأعمى بصيرتهم عن الطريق الذي سلكوه دون حاجة لذلك غير طموح الوصول للسلطة! فأصبحت بعض التهم التافهة التي لا يصدقها عاقل تهول، ويُتعامل معها على أنها حقيقة مثبتة؛ مثل تهمة التخابر التي اتهمت بها قيادات جماعة الإخوان، والرئيس الراحل "محمد مرسي".
وما يثير الاشمئزاز بحق عندما تعلم أن اتهام التخابر مع دولة عربية مثل "قطر" !
الإتهام في حد ذاتة مثير للغثيان والدهشة والضحك معاً !

يالاا سخرية القدر.. جاء اليوم الذي نرى فيه عربي يتهم عربي بالتخابر مع عربي أخر..! إنه إنتصار لإسرائيل يستحق التحية بحق!
الأمر برمته أصبح عجيبا بشكل لا يدعو للتعجب من فرط العجب!


لن أخوض في تفاصيل أكثر من ذلك، فهي كثيرة ولن يتسع المجال لذكرها.. ولكن فلنكتفي بذكر.. أن الأمور في مصر كانت عبثية، والمشهد العام لم يعد يتحلى بملامح ثورة قامت لإسقاط نظام لم يسقط بعد، اللهم إن كان فصوريا فقط!
وأدي استمرار هذا المشهد العبثي إلى هزيمة الثورة في أحد جولات المعركة التي مازلات قائمة إلى أن يشاء الله!
والأن أصبحنا عالقين في جوٍ ضوؤه خافت.. لا نعلم هل هي شقشقة النهار لتنجلي بعده ظلمة الليل.. أم هي ساعة غروب تحل علينا بالتيه والشتاش والغرق في دماسة الظلام.. !

كأحد شباب هذا الجيل الذي يعاصر هذه الفترة الصعبة، والتي بلا شك ما هو قادم من أحداثها سيكون مفصليا في تاريخ هذه الأمة الحية، في نظري أن من أهم الأسباب التي أثرت في الربيع العربي بالسلب وخاصة في مصر..

-عدم تكوين جبهة شعبية موحدة من قوى الثورة المختلفة، لتقوم بدور السلطة الإنتقالية، أو التفاوض بإسم الثورة والشعب سواء خارجيا أو مع مؤسسات الدولة داخليا.

إلا أن عدم حدوث ذلك أدي إلا أن كل فصيل وكل تيار أصبح يغرد في اتجاه، وتجلى أثر ذلك في تفتيت وتشتيت قوى الثورة، وبالتالي فتح الباب على مصراعيه أمام قوى الثورة المضادة لإستغلال الأحداث، وزرع بينهم ما زرعت من تخوين واتهامات متبادلة؛ إلى أن وصل الأمر إلى الرقص على دماء بعضهم البعض!



-جهل الشعوب العربية وخاصة الشعب المصرى _بما فيهم النخب السياسية_ بطبيعة الحياة السياسية، وما تكنه من اختلافات أيدلوچية، فضلا عن العقائدية، بين أبناء الوطن الواحد والمجتمع الواحد، وأن عليهم تقبل بعضهم البعض دون إقصاء أو تهميش.


-إنعدام ثقافة المنافسة السياسية الشريفة دون تخوين الأخر.

للأسف حتى لحظة كتابة هذة الكلمات مازالت هذه المشكلة تواجة معظم النخب السياسية المصرية باختلاف أيدلوچياتهم وتوجهاتهم، من أقصى اليمين إلى أقصى اليسار.حتى ترسخ في أذهانهم أن أية منافسة هي صراع.. ووصل الأمر بين أبناء الثورة إلى إغتيال بعضهم سياسيا.. لكن الأمر في حقيقته كان إغتيال للثورة ذاتها بيد أبناؤها أنفسهم، حينما تناسوا ميدان الصراع الحقيقي، بل وتناسوا العدو نفسه، واتخذوا من بعضهم بعضا أعداء.

كان عليهم أن يدركوا أن المنافسة السياسية في حقيقتها ما هي إلا تعاون مشترك لاختيار الأفضل والأصلح للوطن وأبنائه .