يقولون: الحب لا يُعلَّل إنه قائمٌ بذاته، إنما الحُب الأسباب ما فنيت!
وأقول: كل إحساس يتسوّره منطق، تجده إن فتَّشت عنه متجردًا، فالحب يُعلَّل، كما البغض نقيضه يعلَّل، ولا وجود لعلة الإرادة إلا في خيال الأدباء وغواية الشعراء، أمَّا الواقع فله كلمته العقلانية المهيمنة..

فإنّك تُحب إخوتك لعلة القرابة، ولولا أنهم إخوتك تجانست دماء بعضكم ببعض لما أحببتهم، ولولا أن صاحبك هذا طبائعه تشبهك وجوهره يتجانس مع جوهرك لما أحببته، ولولا أن ذاك رجلٌ ذو أعمالٍ صالحة وخلائق حميدة لما أحببته في الله ولو زالت علة الصلاح لزال حبّك هذا.

أما الحب الذي ترمي إليه فأول ما يبدأ يكون لعلة وبعد أن تمتزج الأنفس وتتآلف الأرواح قد يصير استمرار الحب لا يرتبط باستمرار العلة، وهذا مذهبٌ أميلُ له وأقبْلُه، فلا أحبُّ أن يدومَ بدوام علةٍ ويفنى بفنائها، وهذا المذهب واقع. ولا أقول أنه علةٌ بذاته يُستحدث من العدَم. وهذا المذهب أحسبه غير واقع إلا في قوافي الشعراء.

أي أن هذه العاطفة أول ما تولد، تنمو تستند على منطق فإن نضجت وتحكَّمت في النفس تناهت في نفس المُحب شيئًا فشيئا، حتى يكون الحب قائمًا بذاته وقد ينسى العلة المسببة له أصلًا أو يتناساها.. ولذا يُنكر العشاق الأسباب، فتجد العاشق منهم يتمكن منه الحب حتى يحمله على نكران الأسباب لأن وجود السبب عندهم يُعَد قادحٌ في العاطفة.. ولذا يُعَدُّ العشق مرضًا إن استفحل في النفس لأنه يُذهب المنطق ويصير الإنسان أسير عواطفه؛ يهيم بغير واقع ويتمناه وببساطة لا يجده فيتمكن منه العذاب كذلك وتُسلب منه حياته لأنها دنيا تقوم على قلبٍ وعقل.

إنَّ الحياة عاطفة وفِكر معًا، وحياة عاطفية فقط حياة رخوة ستدهسها مسؤوليات الدنيا ومكائد العقول، ونوبة تقلب واحدة للقلب -كدأبه- كفيلة أن تَقلِب هذه الحياة رأسًا على عقب.
وحياة أذهان فقط وتوافق فكر فقط حياة جافة صلدة لن تلبث أن تتقشف فتتشقق وتتفتت، وخطأ حسابي منطقي واحد كفيل بأن يسوقك لنتيجة صفر أو بالسلب.

والآن، هل وجود سبب للحب يقدح في العاطفة ويقلل من قيمتها في نفس المحبوب؟

إدِّعاء الحب بدون أسباب دروشة لا تنبغي أن تكون مذهبًا لمُحب، فحب الله الذي يجب ألا يدانيه أي حب عبادة لها أسبابها وهي الخوف من النار ورجاء الجنّة، ولأن الله كامل الصفات ليس كمثله شيء.
وإن كان حب الله له أسبابه ودوافعه فحب عبد من عباده أولى أن يكون لسبب، وإلا كان ضربا من جنون ودروشة مهلكة كما أسلفنا.
ولا يجب أن يكون هذا الدرب من الحب غاية للمحبوب: أن يُحَب لذاته بدون أسباب تدفعنا للميل إليه، فالنفس تبحث عن نفس تسكن إليها والعكس "لتَسْكُنوُا إليْهَا" وللسكون أسباب وظروف لا بُدَّ أن نهيأها فينا لنصلح أن نحتوي نفسًا أخرى، نفسٌ فطرها الله على الحاجة لسكن نفسي، فهلّا أيها المحبوب هيأت أسباب السكون فيك!
"هن لباسٌ لكم وأنتم لباسٌ لهن" فعلينا أن نهيئ أنفسنا كذلك كألبسة متينة كافية أنيقة نحتوى بها من نحب تجعله يهرع من برد الحياة القارسة وظروفها القاسية لدفئنا وحمايتنا.. ولا نهمل أنفسنا حد الاهتراء لأننا حينها لن نجد من يطلب دفئنا.