لأنك الله .. كتاب خَطَّهُ الأستاذ علي بن جابر الفيفي بقلبه أولا ثم بقلمه ، قام باستشعار كل حرف كان يجواره لأخيه لينتج لنا هذه المعاني التي تشكلت على هيئة سهم انطلق بانسيابية ومرونة ليستقر في أعماق القلب مباشرة ، ولكنه لم يقم بأي أذى كما يفعل أي سهم نعرفه حين ينغرس في البدن فيؤلمه ، بل ترك أثرا رائعا في الروح ، وأخذ يصلحها شيئا فشيئا كلما استرسل القارئ في قرائته لهذا الكتاب .

 قد لا نتذكر شكل الكتاب وغلافه ، وبالطبع لن نتذكر جل حروفه ، ومن المستحيل أن لا تتطاير كلماته من أعشاش ذاكرتنا ، لكن من المؤكد أنك لن تستطيع أن تنسى أو تحاول أن تتناسى ما شعر به قلبك وكيف اقشعر بدنك حينما قرأت ذاك الكتاب الذي مر على ذهنك الآن ، وما خلفه وراءه من آثار لدموع استسلمت وأنت تحمل الكتاب بين كفيك وتتعمق في بحر كلماته فشقت طريقها رغم عنك لتنهمر وتستقر على وجنتيك حتى تشاركك القراءة هي الأخرى ، وكان هذا هو ما حدث لي عندما قطعت شوطا من هذا الكتاب الرائع ، فكيف لا يستسلم شعوري ويؤسر وقد أحاطت الكلمات قلبي بحنان وتفتحت لتظهر مكنونها من مَعَانٍ ونصائح مستترة ، ثم ربتت على فؤادي بلطف ورفق ، فانقشع الظلام الحالك الذي كان يحاصره ، وتبدد الحزن الذي كان يقيده ، وتبدل الحال إلى حال أجمل اكتنفه وجعله تحت رعايته .

 أصبحت أقوم للصلاة مباشرة حينما يتسلل النداء إلى أذني ، عَلِمْتُ للطاعة والعبادة لذة حديثة العهد ، ولا أعتقد أنني سأقطع هذا الميثاق يوما ما بعدما تسبب لي براحة ما بعدها راحة ، بات شعاري أن الصلاة يجب أن يؤديها الفرد لكي تحل عليه الطمأنية ويستريح بسببها ، لا أن يؤديها ليستريح منها .

 أدركت أن الله معي في كل مكان وبأي زمان ، أنه اللطيف الذي يلطف بك ويجعل دموعك التي تساقطت بحرقة نتيجة الآلام والهموم تتساقط مجددا من السعادة والأفراح ، الصمد الذي إذا قال لشئ كن فيكون ، الجبار الذي يلملم أشلاء المكسور فيجبرها حينما يسجد إليه متضرعا ، فما شعرت بعد ذلك من ألم إلا وهرولت خاشعة مستغيثة مستنجدة به ، لأنه الله .. لا يعجزه شئ .

ختاما ، لو كان بمقدوري .. لتابعت بحروفي التي أحملها معي وبسطتها أمامي وشكلت منها الكثير والكثير من الكلمات لأواصل ما تعلمته من هذا الكتاب ، وكيف غرس بداخلي إرادة المثابرة في طريق رضا الله والتقرب منه ، ولكن كيف لهذا الوصف أن يكتب وهو شعور ينبع بداخلنا ؟ ، حتى وإن كتبتها فكيف ستشمل كل ما يجب أن يقال عنه سبحانه ؟ ، فكما يقول تعالى قُل لَّوْ كَانَ الْبَحْرُ مِدَادًا لِّكَلِمَاتِ رَبِّي لَنَفِدَ الْبَحْرُ قَبْلَ أَن تَنفَدَ كَلِمَاتُ رَبِّي وَلَوْ جِئْنَا بِمِثْلِهِ مَدَدًا )  سورة الكهف (109) ، فخلاصتي لهذا الحديث الذي قيل والذي يمكن أن يقال فإني من منظوري لأجد أن كل أسمائه وصفاته وما بداخلهم من مَعَانٍ لمحفوظة بداخل جملة واحده ( لأنك الله )