من جماليَّات سُورة يُوسُف أنَّك كُلَّما قرأتها غسلت قلبكَ من عوادم اللَّاجدوى والمُستحيل، وأرْخَت طمأنينة اليقين ظلالها، وطردت عنك الرَّوع والرَّهبة والفَزع من مقَاديرِ الله، تبدأ بحُلم وتنتهي بتمكين، لكنَّ المسافة بين الحلم وتحقيقه رحلة شاقَّة بين المُستحيل والمُمكن، تستوجب نزع الأنا وتَبِعَاتها في محطَّات صقلٍ من تجارب قاسية أعادت تشكيل النفس لتكون من مُستحقَّات الوصول.

فكيف كان حالُ قلب من نَزلَت عليه سورة يُوسُف؟ وكيف اتَّخذ بها سبيله؟ وعَلامَ وجَّهته؟ وأين استقرَّ به الحال؟

قيل فيها أنَّها نزلت عام الحُزن، أي العام الذي توفَّى فيه الله عمّ الرَّسُول -صلَّى الله عليه وسلم- أبو طالب بن عبد المطلب، وزوجته خديجة بنت خويلد -رضي الله عنها-، ولا شكَّ أنَّها رَبتَت على قلبه، وأضاءت بداخله مفاهيم التفكُّر للمرحلة القادمة، مرحلة ما بعد يُوسف، وكما هو معروف أنها السُّورة الوحيدة التي تبدأ بسردٍ دقيق وعميق في تجسيد مُشوِّق لما مرَّ به سيدنا يُوسُف -عليه السلام-.. من بدايتها حتَّى نهايتها، ولعلَّه تبع إشاراتها.

ما عُرِف عن كُتب السِّيرة أن الرَّسول -صلى الله عليه وسلَّم- اتَّخذ قرار الدَّعوة إلى الإسلام أو ما يُمهِّد لهجرةٍ أخرى إلى الطَّائف -بعد هجرة الحبشة- لعلَّه يجد فيها مِصرًا أُخرى رُبَّما، تُعزُّ العزيز وتُكرم مثواه، والمعروف آنذاك أن الطَّائف كانت من أشدِّ المدن مُنافسة لمكَّة وإن كانت كُلّ منهما تُشكِّل قوَّة اقتصادية لا يُستهان بها.. فهل جال في خاطره وهُو يغادر مكَّة حال إخوة يُوسُف الذين لا يختلفُون كثيرًا عن قومه في أذى الكَيد والتنكُّر والتخلِّي، حتَّى مع اختلاف الدَّوافع والفَرْق بين ماديَّة هذا الإخراج ومعنويَّته في قِصَّتيهُما، والتي سيذكرها الرَّسُول -صلَّى الله عليه وسلم- بعد هجرته إلى المَدينة المُنوَّرة وعودته إلى مكَّة فاتحًا مُنتصرًا "وَلَوْلاَ أَنِّي أُخْرِجْتُ مِنْكِ؛ ما خَرَجْت..".

يدَّعي إخوة يُوسُف أنهم أولُو الحقّ، وأنَّهم أحقُّ بقلب أبيهم، وأن عُذرهم مقبول وذنبهم مغفُور حتى مع شَناعَة فعلتهم، وأن التَّمكين يتلخَّص في وجهِ أبيهم، إذ سيخلُو لهم إذا ما أُزِيح يُوسُف عن الدَّرب؛ لكنَّهم ما علمُوا أن التَّمكين في القُلوب لا يرتبط شَرطيًّا مع من تُبصره الأعين، وتتحسَّسُه الأيدي، وتبيَّن أن فَقد يُوسُف ما زاده إلا تَمكينًا في قلب يعقوب..

كذلك يتطلَّب الأمر من قريش إخماد صوتِ الحقِّ الذي بدأ يُحرِّقُ جاهليَّتهم التي رأوا فيها تمكينهم اقتصاديًّا واجتماعيًّا والذي بات مهدَّدًا بالانتزاع من قبل دعوة مُحمَّد -صلَّى الله عليه وسلَّم- إلى دين يُناقض كل المفاهيم التي ورثوها عن أبائهم وأجدادهم فتخلُو مكَّة له ولمن تبعه ويسحب بساط التَّمكين من تحت أقدامهم.

وهذا يأخذنا للدَّرسِ البشريِّ الأوَّل لابني آدم الذين قربا قُربانًا، فتقبَّله الله من أحدهما ولم يتقبله من الآخر، وفيه مقياس التَّفاضل بين مشروع تَمكينٍ وآخر تتباين فيهما الدَّوافع، فالتَّمكين حَتمًا لمن كان له صلاح النِّية، وسلامة السَّريرة، والعَاقبة للمتَّقين، فهذه شَطْحَة غضب دفعت الأخ إلى قتل أخيه.. فيقول الله تعالى على لِسانه:

(لَئِنْ بَسَطْتَ إِلَيَّ يَدَكَ لِتَقْتُلَنِي مَا أَنَا بِبَاسِطٍ يَدِيَ إِلَيْكَ لِأَقْتُلَكَ ۖ إِنِّي أَخَافُ اللَّهَ رَبَّ الْعَالَمِينَ * إِنِّي أُرِيدُ أَنْ تَبُوءَ بِإِثْمِي وَإِثْمِكَ فَتَكُونَ مِنْ أَصْحَابِ النَّارِ ۚ وَذَٰلِكَ جَزَاءُ الظَّالِمِينَ)، وهذا الرَّد يعد دافعًا قويًّا لهدم كُلِّ أنا عن كل حلم تمكين نصبُو إليه.. وهو اختبار الدَّوافع والقِيم وقَلَّ من تجاوزه بنجاح.

وصل الرَّسُول صلى الله عليه وسلَّم إلى الطَّائف ومَكَثَ فيها عشرة أيَّام يدعُو قومها.. فما استجاب منهم أحد! واستمرُّوا في ضَلالهم ذاك، ثُمَّ التقى ثَلاثة من سادةِ ثقيف فكذَّبه كُلٌّ منهم بجملة لا أدري أيُّها كانت أصعب على قلبه من الأُخرى، ثم أطلقوا عليه عبيدهم وصبيتهم فجعلُوا يرمونه بالحِجَارة ويسبُّونه..

ظلمُوه إذ لم يُصدِّقوه.. وإن الظُّلم بين قصِّته وقصَّة يُوسُف -عليه السَّلام- واحد أيضًا، وإن اختلفت أسبابه، فمُرُّه أضحى مَقيتًا لا تحملُه الأنفُس فضَاقت به ذَرعًا. ولا أدري كيف مرَّ كلُّ هذا على قلبه -صلَّى الله عليه وسلَّم-، يفهم من ذلك أن لا مِصْر هُنا.. ولا عزيزًا يُحسِن إليه، ولا مَلِكًا يجعله على خزائنِ الأرض!

تتَّسع أفاق الحُزن أكثر، وتتعاظَم الخُطوب في قلبه، ولَعلَّ الجِراح فُتقَت مُجدَّدًا.. حتَّى لرُبَّما فكَّر بيوسف ويعقوب عليهما السَّلام.. فهل حُزن الظُّلم والتَّكذيب والأذَى أكبر يا يُوسُف؟ أم أن حُزن الفَقد -الذي لازال يُكابد لوعته وتتَّسع فيه فجوته- أكبر يا يعقُوب؟ فلا خَديجَة هُنا لتقول له: "والله لا يُخزيك الله أبدًا" .. رُبَّما لم يعِ أيُّ الحُزنين أعْظَم.. فَفَرَّ إلى ربِّه يناشدُه بدعاءٍ يُبكي الأعين.. ويرتدُّ صَدى أنَّتِه مُجلجِلًا ببوحِه العَميق.. ينبِس بحال قلبٍ يعتصِر أَلَمًا من عُمقِ ما مرَّ به فيقول:

"اللَّهم إليكَ أشكُو ضَعف قُوَّتي،

وقِلَّة حَيلَتي، وهَوانِي على النَّاس،

أرحَم الرَّاحمِين، أنتَ أرحَم الرَّاحمِين،

إلى من تَكلُني، إلى عدُوٍّ يتجهَّمُني، أو إلى قَرِيبٍ مَلَّكتَه أمرِي،

إن لم تَكُنْ غضبان عليَّ فلا أُبالي،

غيرَ أنَّ عافِيتَك أوسَعُ لِي،

أعُوذُ بنورِ وجْهِكَ الَّذي أشْرَقت لَهُ الظُّلُمَات، وصَلَح عليه أمرُ الدُّنيا والآخرة، أن تُنزِلَ بي غَضَبك، أو تُحلَّ عليَّ سَخَطَك،

لكَ العُتبَى حتَّى تَرْضَى، ولا حَولَ ولا قُوَّة إلا بك"

وكأنَّه جَمع فيه بين (إِنَّمَا أَشْكُو بَثِّي وَحُزْنِي إِلَى اللَّهِ وَأَعْلَمُ مِنَ اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ) وبين (رَبِّ السِّجْنُ أَحَبُّ إِلَيَّ مِمَّا يَدْعُونَنِي إِلَيْهِ ۖ )، لكنَّ طَوق النَّجاة والتَّمكين إن لم يكُنْ في الطَّائف، فهُو حتمًا في مكان آخر، كما سيتَّضِح لاحقًا. لكنَّه قادم لا مَحَالة.. والطَّائف إن لم تكُنْ نُقطة التَّمكين فهِي ولا شكّ محطة تقُود إليه.

حتَّى وإن لم يكُنْ في حساباتنا البشريَّة مفهوم أن لا شيء يُضاهي حُلمًا مثاليًّا أو أمنِية تُشعُّ إكتمالًا، لكنَّ الواقع يفرض أقدارًا نلتَمِس فيها عينَ الرَّحمة بعد حين؛ فنحمد الله على نشُوء الرَّغبة في حُلم لم تنالنا واقعيَّته؛ فتلك الرَّغبة دليل تفكُّر ووعي، ثمَّ انعدامها منه بتلك البشاعة التي تجعلُنا نرتدُّ على أعقابنا حتَّى لم يتركْ لنا ذلك مُتَّسعًا للأمل فيه مُجدَّدًا، ثُمَّ لتجلِّي البَديل أمامنا بعد انقشاع غيمة الحُلم الأوَّل وزوال سَكرَتِه، فيظهر جمال يتكشَّف لنا مع الخوض في سُطور تجربته ما كُنَّا لنطَّلِع عليه لولا أن حدث ما حدث.. فنتمتم بعد حين: لقد كانت خُطَّة الله أفضل من خُطَّتنا!

حلمٌ لم يتحقَّقْ، لكنَّ حُلمًا آخر سيُولد.. إن لم يُشبه قوَّة الطَّائف فهُو حتمًا سيُشبه المدينة المنوَّرة، صفائها ورخائها وسكينتها وروحانيَّتها ورحمتها وصدقها، وإن لم يُشبه قصر العزيز فقد يُشبه قصر الملك، قصة يُوسُف -عليه السّلام- تمر ببئرٍ وسجنٍ وتنتهِي بتمكين .. والتَّمكين آخر الأمر يُأطِّر قصَّة رسول الله -صلَّى الله عليه وسلم- مع إختلاف ماديَّة البِئر والسِّجن مرَّة أُخرى، ويُتوِّجها قولٌ واحدٌ بينهما: (لَا تَثْرِيبَ عَلَيْكُمُ الْيَوْمَ ۖ يَغْفِرُ اللَّهُ لَكُمْ ۖ )

لكأنَّها إجابة يقبض عليها عزيزُو النَّفس، الذين يُحكِمُون سيطرتهم على أنَاهُم ولا يتركُونها فريسةً للغضبِ وللموقف وللبشر لينالُوا مِنها، حتَّى إذا ما غَدت أنفسُهم مشوَّهة بها، رأوا في المرآة بشاعَة تُلاصقهم من أكثرِ الظُّروف المُحيطة بهم سوءًا وقالوا بكسرةِ خاطر لم نكنْ كذلك؛ ولكنَّ الظُّروف والنَّاس تآمروا علينا..!

يَغْفِرُ اللَّهُ لَكُم .. إذ لم تُصدِّقوا.. إذ لم تآزرُوا.. إذ أفلتتم أيدينا.. إذ آثرتم علينا.. إذ أخلفتم وعُودًا.. إذ تجاهلتم وجُودًا.. إذ قُلتُم فينا ما ليسَ فينا..

نضعُه محضَ نَزغٍ من الشَّيطان؛ ليسَ لأنَّنا لا نعرف أين يقع، وما حَاكَتْه أنفسكُم لنا بالغيب.. ولكنَّنا نجعلُه وضيعًا كي لا يَطغَى على أيِّ صفوٍ تنعَم به أنفسنا، كي لا يُفسد علينا وِدَّنا معها.. كي لا يشتِّت انتباهنا عن هدفٍ نصبُو إليه نحتاج فيه كُلَّ تركيزنا وجُلَّه ودُقَّه، نحتاج لنوايَا سليمةٍ وأهدافٍ سَاميَة ومبادئ لا تتأثَّر بمُنافسٍ، ولا تميعُ مع الظُّروف، فالأسباب نخلُقها ولا تخلقنا.. والنَّتيجَة لكلِّ ضدين فيهِ تمكينٌ يُتقبَّل من أحَدِهما ولا يُتقبَّلُ من الآخر.