تخصص كل شركة قدرا من المال لتحقيق أهدافها التسويقية وذلك عن طريق وضع ميزانية للدعاية، وهي تقدير لنفقات الترويج للشركة ومنتجاتها عبر الدعايات والحملات الإعلانية، فتركز هذه الحملات الإعلانية المقامة على حاجة المستهلكين وجذبهم لاستهلاك منتجات الشركة أكثر وأكثر.

وبما أن ميزانية الدعاية تعد جزءا من إجمالي مبيعات الشركة أو ميزانية التسويق كونها تعتبر استثمارا في نمو الشركة، وُجد علم الاقتصاد الذي يعد علما من العلوم الاجتماعية الذي يهتم بتحليل ووصف عمليات الإنتاج Production، التبادل Exchange، التوزيع Distribution والاستهلاك للثروة Consumption ، والذي تنقسم عملية التوزيع فيه إلى توزيع وظيفي وتوزيع تسويقي، هذا الأخير هو الحركة الخاصة في المنتجات أثناء انتقالها من المُنتجين إلى المستهلكين النهائيين، ويعدُّ هذا التوزيع جزءاً من أجزاء عملية الإنتاج، والذي فيه تتمركز عملية التسويق من خلال القيام بالدعاية والترويج للشركة وللمنتجات أو الخدمات المراد بيعها.

إذن فالدعاية أداة جد مهمّة ومؤثّرة في العمليّات التّجاريّة المختلفة، فهي تشكّل وسيلة اتصال تعتمد على التأثير في الناس وكسبهم بخصوص منتج أو خدمة أو فكرة معينة؛ عن طريق استخدام إحدى وسائل الترويج المُتاحة لبناء اتصال بين المُستهلكين والمُنتجات كاعتماد بعض الكلمات أو الصور أو الرموز أو العبارات أو الخطب التي من شأنها أن تؤثر في نفوس الناس وجذب مصلحة مروجيها منهم.

لكن قبل نشأة علم الاقتصاد ووضع ضوابط وقوانين الدعاية، حصل أن قامت هناك دعاية بنكهة أدبية منذ أزيد من 1300 سنة ما زال مفعولها يسري حتى الآن؛ فيذكر أن أهل العراق آنذاك كانوا لا يطيقون اللون الأسود ويعتبرونه نذر شؤم، فيشترون من الملابس كل ألوانها إلا الأسود، وكان هناك تاجر من بغداد متخصص في بيع ملابس المحجبات كالخُمُر (جمع خمار)، فكان يبيع كل ألوان الخُمُر إلا الأسود منها، فذهب يشكو حاله لصديقه الشاعر ربيعة بن عامر التميمي، الشهير بمسكين الدَّارمي، وهو أحد سادات قبيلة بني دارم الّتي كانت تُوجد في العراق في عهد الدولة الأمويّة، فأثلج صدره برده بعد أن وعده بأن يكتب له قصيدة لن تتحجب بعدها النساء إلا باللون الأسود، فكتب القصيدة المشهورة حتى الآن:

قل للمليحة في الخمار الأسود * ماذا فعلت بناسك متعبد

قد كان شمّر للصلاة ثيابه * حتى وقفت له بباب المسجد

ردي عليه صلاته وصيامه * لا تقتليه بحق دين محمد

فشاعت القصيدة في المدينة، فلم يبق في المدينة فتاة أو سيّدة، إلّا اشترت لها خماراً أسود. فلمّا أنفذ التاجر ما كان معه رَجعَ الدارمي إلى تَعَبُّدِه وعمد إلى ثياب نُسكِه فلبسها.

وبالتالي فقد استطاع الشاعر الدارمي أن ينجح في الترويج لسلعة التاجر دون علم منه بعلم الاقتصاد والتسويق والدعاية الذي تصل ميزانية بعض الشركات له إلى 90 % الآن وتصرف عنه ملايين الدولارات، ودليل نجاحه في ذلك ليس فقط أن نفذت سلعة التاجر من الخُمُر الأسود آنذاك بل ما زال الخمار الأسود حتى الآن هو أكثر ما تتحجب به النساء.


اقرأ أيضا:

إلى مغتصبي وقاتلي!

نبذة من سيرة المخترع والعالم المغربي رشيد اليزمي

الجراء البشرية: بشر يتخلون عن حياتهم الاعتيادية ليعيشوا كالكلاب!

من هو العالم العربي منصف السلاوي الذي كلفه ترامب بتطوير لقاح كورونا؟