لا شك في أن الورقة الشخصية التي تُعبِّئُها الأطرُ التربويةُ – التابعةُ لوزارة التربية الوطنية و التكوين المهني و التعليم العالي و البحث العلمي (بمغربنا الحبيب) – حققتِ الرقمَ القياسيَّ في "الغباء" و تستحقُّ الدخولَ في موسوعة "غينيس" للأرقام القياسية !

في بداية كل مَوْسمٍ دراسي تُقدِّمُ إدارةُ كلِّ مُؤسسة تَربَوية لِأُطُرِها ورقة لتعبئة معلوماتهم الشخصية في أربع أو خمس نسخ ! رغم التقدم التكنولوجي و تَوَجُّهِ الدَّولة إلى سياسة "الرَّقْمَنَة" (أي استعمال تقنيات التحول الرقمي في الخدمات التي تقدمها القطاعات الحكومية) منذ سنوات، أستغربُ منَ اللجوءِ إلى "ورقة" لتسجيل المعلومات الخاصة بالموظفين و التي يَجدُرُ بها أن تكونَ مُخزنَة في قاعدة بيانات خاصة بالإدارة و خاضِعةٍ لِلتَّحْيِينِ المُستمر. يَضطرُّ الموظفُ لكتابة نفس المعلومات في كل عام و كَأَنَّ الإدارةَ المُستقبلةَ ستتعرفُ عليه للمرة الأولى! و الأكثر غرابةً هو أن نجدَ موظفا وَهَنَ عظمُهُ و اشتعَلَ رأسُهُ شيبا مُنكَبّاً على ملءِ تلك المعلومات و كأنَّه عُيِّنَ حديثاً!

و من الأمور التي قد يؤدي التفكيرُ بها إلى حَدِّ الجنونِ هي عدمُ تَحْيِينِ الكثيرِ منَ أسماءِ المَهَمَّات و الشهادات والتخصصات التي أَكلَ عليها الدَّهرُ و شربَ و لا تزال تُتَدَاوَلُ في تلك "الورقة الغبية"، فمنها ما انقرض (مثل: مَهَمَّة "المُحَضِّرِ" الذي كان يسهرُ على المختبرات و يُحَضِّرُ المعدات التجريبية اللازمة للمُدَرِّسِين... الخ) و منها ما هو سائرٌ في طريق الانقراضِ إنْ لمْ تكنْ قد انقرضتْ بالفعل (مثل: إطارِ المُعلمين و أساتذة السلك الأول و الثاني و مَهَمَّة "القَيِّمِ على الخزانة"... الخ). في المقابل هناك تغييراتٌ طَالَتْ أسماءً أخرى مُنذ ما يزيدُ عن سِتَّةَ عشْرَةَ سنة و لم يَتِمُّ إدراجُها بعدُ في الورقة (مثل: تخصص "العلوم الطبيعية" الذي أصبح يسمى "علوم الحياة و الأرض") و هناك تخصصات أهَمُّ من تلك المذكورة في "الورقة العجيبة" لكنها لم تُدَوَّنْ عليها بل تَدْخُلُ فقط في خانة "تخصصات أخرى" (مثل: تخصص "الترجمة" الذي أصبح في ازدياد مفارنة مع تخصص "التحضير" الذي يَجدرُ به الدخول في إطار "تخصصات أخرى" نظرا لِقِلَّتِهِ !!).

أتساءلُ عن مدى وعيِ الوزارةِ الوَصِيَّةِ بوضعيةِ تلك "الورقة الغبية" غيرِ المُحَيَّنَةِ و عن "العراقيل" التي قد تَحُولُ دون تَحْيِينِها !! بل و تَجَاوُزِها باعتبار أن معظم المعلومات الواردة فيها هي متوفرة لدى الإدارة خصوصا تلك التي لا تَتَغَيَّرُ (فما الحاجةُ لِمَلْءِ خانةٍ خاصّةٍ بالجنسية و بالجنس و بتاريخ التوظيف !). في المقابل هناك فقط بضع معلومات قد تتغير بعد سنة أو ثلاث (مثل: الرُّتْبَة و آخر نقطة تفتيش)...

أقولُ قولي هذا و كُلِّي رجاءٌ في حلول موسم دراسي ينتهي فيه كابوسُ تلكَ الورقة الكسولة و لا يضطرُّ فيهِ الموظفُ إلا إلى إمضاء محضر الدخول فقط...