أنواع الحيل الدفاعية

 ١- التبرير

يعد التبرير من الحيل الدفاعية شائعة الاستخدام بين الأفراد، ويلجأ الفرد إلى اختلاق أسباب وأعذار تبدو مقنعة في حين أنها ليست هي الأسباب الحقيقية وراء ما يصدر منه من سلوك خاطئ أو ما يتبناه من قناعات وآراء أو عواطف.
فيبرر بعض الآباء عقابهم العنيف لأطفالهم بأنه في صالحهم ومن أجل تربيتهم، والأحباء يبررون سلوك محبيهم بأسباب مقبولة حتى وإن كان السلوك خاطئ؛ فيبرر التبذير على أنه كرم والتنازل عن الحقوق بأنه تسامح، كما يبرر الفرد تواكله على أنه توكل وقناعة، ويبرر الطالب رسوبه بأنه نتاج خلاف بينه وبين المدرس وهكذا.
والتبرير ليس كذبا؛ فالكاذب يدرك حقيقة سلوكه الخاطئ ويحاول بكذبه خداع الغير، أما التبرير فهي محاولة لا شعورية لخداع الضمير ومخادعة الذات.
وقد تتطور حيلة التبرير لما يطلق عليه أسلوب " الليمون الحلو" فتجد من يقبل الواقع المر ويرضى به مبرراً ذلك بأنه قدر لا مفر منه، ورافضاً بذل أي جهد ليغير به ما بنفسه من فتور للهمة والكسل حتى يغير واقعه المر!
فالتبرير إذاً حيلة يخدع بها الفرد نفسه ويتبرأ بها من عيوبه كي يريح ضميره من الإحساس بالعجز والفشل والشعور بالذنب، والإسراف في التبرير يؤدي إلى نشوء بعض الأعراض التي تشترك في الأمراض العقلية مثل الضلالات والاعتقادات الباطلة ويرجع هذا إلى أن الفرد قد اعتاد تبرير عيوبه وأخطائه وبذل الجهد في البرهنة على أنها ليست عيوباً وأخطاءً بالفعل.

٢- الإسقاط
يختلف الإسقاط عن التبرير في أن التبرير يعد اعتذار ودفاع، لكن الإسقاط هو إتهام واعتداء، ويعد الإسقاط من الحيل الدفاعية الانسحابية التي تؤدي إلى نشوء العدوان على الغير كما يعتبر أساس للهلوسة السمعية والبصرية التي يعاني منها المرضى العقليين، ويتخذ الإسقاط مظهرين:

الأول: هو أن ينسب الفرد عيوبه إلى الغير في محاولة منه لتخفيف الشعور بالخجل والذنب!، فنرى الكاذب المخادع والأناني والمتعصب ينسب هذه الصفات إلى الغير ولا يعلم بوجودها في نفسه.
فقد ترى زميلاً لك في العمل يشكو إليك ويغالي في شكواه من زوجته أو أولاده ويتهمهم بالإهمال في واجباتهم، وتتعجب أنت من شكواه منهم في حين أنك تعلم مدى إهماله في العمل.. فتلك محاولة لإسقاط إهماله على الغير لكي يتجنب رؤية ذاته ويخفف من شعوره بالذنب.
وقد نرى من لديهم أخطاء أخلاقية يهتمون بأخبار الجرائم والفضائح وتصيد الأخطاء ونشرها، ونلاحظ أنهم يهتمون على وسائل التواصل الاجتماعي بنشر فضائح المشاهير؛ فشعورهم بأن الآخرين يذنبون ويخطئون يخفف من شعورهم بالذنب تجاه أخطائهم.

والنوع الثاني من الإسقاط: هو إلقاء اللوم على الغير وعلى الظروف أو على اعتقاد ما كالحسد، وذلك للتحايل على الشعور بالفشل وسوء التخطيط، فيبدأ بإلقاء اللوم مثلاً على المواصلات والزحام المروري في حالة التأخير عن موعد ما؛ واللوم على سوء الحظ في حالة الفشل في مشروع ما، وإلقاء اللوم على مدى إغراء امرأة وطريقة ملبسها في حالة عدم القدرة على التحكم في الذات وضبط النفس.

٣- أحلام اليقظة
يلجأ الكثيرين إلى أحلام اليقظة هروباً من الملل، فهي حالة من التفكير بعيداً عن الواقع غير مقيدة بمنطق أو ضوابط اجتماعية، حيث يهرب بها الفرد من واقعه ويحيا فيها خيالاً عاطفياً وانفعالياً يصعب تحقيقه في الواقع.
ويطور الفرد من هذه الحيلة لتجنب القلق الناجم عن الرغبات والاحتياجات المكبوتة والمحبطة؛ فالضعيف يحلم بالقوة والفقير يحلم بالثروة والمراهقون يحلمون بفتاة وفارس الأحلام.
وهي حيلة غير ضارة إذا كانت بمقدار، وهي نشاط ذهني عادي في الطفولة والمراهقة؛ لكنها إذا ما تمكنت من الفرد تكون دليلاً على عدم اكتمال الشخصية ومؤشر على وجود أزمة نفسية.
كما أن اللجوء إلى أحلام اليقظة كثيراً والإسراف بالأحلام قد يؤدى إلى التباس الواقع بالخيال فلا يستطيع الفرد التفريق بينهما، أو على الأقل تكون بديلاً يلجأ إليه لتعفيه من مواجهة مشكلاته وتنفيذ طموحاته التي يحلم بها.

٤- الكبت
هو من أهم آليات الدفاع النفسي والتي يلجأ إليها الفرد للتخفيف من القلق، وهو الاستبعاد الإرادي للدوافع والانفعالات ومنعها من التعبير عن نفسها.
وترجع المدرسة التحليلية الكبت إلى مرحلة الطفولة؛ فالطفل قليل الحيلة ولا يستطيع التفكير للخروج من موقف صعب، ولا يستطيع الانتظار حتى تلبى حاجاته، فيلجأ إلى كبتها، ولا يقتصر الكبت على الدوافع المكروهة أو على كبت الذكريات الأليمة فقط؛ وإنما يتم كبت بعض الدوافع الطبيعية السليمة لوجود رابط بينها وبين المشاعر المكبوتة، فنرى من لا يحب لفظ ما أو لازمة لفظية ويتجنبها لأنها كانت تصاحب أبيه أو مدرسه الذي كان يعنفه في الصغر ولا يقوى على الدفاع عن نفسه.
ونرى مثلاً فتاة لا تثق في الرجال ومعرضة عن الزواج لأن أبيها كان يعدها ولا يفي بوعوده معها، وتسمى بظاهرة "تعميم الكبت"، فالكبت حيلة لاشعورية لها فوائدها ولها أضرار أكيدة على الفرد، فهي تمزق الشخصية وتستهلك من طاقة الفرد ومن روحه.

٥- الاحتماء بالمرض الجسدي
يعد الاحتماء بالمرض الجسدي حيلة دفاعية متعددة الجوانب فهي حيلة هروبية وتبريرية واستعطافية في آن واحد!.
فإن عجز الفرد عن بلوغ هدفه بعد بذل الجهد فهو بطريقة لا شعورية اعتادها الجسد يصطنع المرض كي يستدر عطف من حوله ويهرب من لوم نفسه ولوم الناس والإسقاط عليهم.
وتتكون هذه الحيلة من عهد الطفولة لما يتبعها من عطف الأهل والمبالغة بالاهتمام بالطفل المريض؛ فيختزنها العقل ويلجأ إليها كي تريحه من مواجهة المواقف الضاغطة وتعفيه من تحمل المسؤولية وتجلب إليه تعاطف من حوله.
فالطالب الذى لم ينتهِ من مراجعة مادة ما قد يصاب بصداع شديد وألم في عينيه ليلة الامتحان، أو أن يصاب المطرب متوسط الأداء بالتهاب في الحلق قبيل لقاء تلفزيوني سيطلب منه فيه الغناء بدون آلات تحسين الصوت.
وقد تطول فترة المرض أو فترة النقاهة لدى شخص يرى أن الألم الجسدي والمرضي أقل ضرراً وأكثر احتمالاً لديه من مواجهة الواقع المؤلم.