عزيزتي .. 


قد كان للمرءِ أياماً يُدرِكُ فيها بأنَّهُ أثقلَ من أي شيءْ، حتىٰ تِلكَ الخُطوات التي كان دائماً يَثِبُ بها نَحو السماءِ وسُحبِها، أصبحتْ بطريقةِ ما تُزيدُهُ تَقربُّاً للأرضِ لا إلىٰ السماءْ .. 


كُنَّا دائماً نَخوضُ مَعارِكَاً أمام مرايانا ، يَتسلَّحُ كلُّ منَّا بِحُبِّ الآخر لِنُدَثِّرَ ذلَكَ القلبُ المُرتجفُ قلقاً من أن يَمضي أحدُنا ويرحلْ، تاركاً الآخر بين طَيَّاتِ أفكارِهُ وحُزنهْ .. 


كما فعلتُ أنا تمامًا، لن أَدعَ مَجالاً لتبريرِ فِعلَتيْ، ولن أَذكُرَ ما خَسِرتَهُ من أجلِ أن أمضيْ .. 


لكنني كُنتُ أَقِفُ بِقدمٍ علىٰ السلامِ وأُخرىٰ علىٰ الحربْ، بِجسديَ الذي كادَ يَنفصِلُ علىٰ الخيطِ الذي يَفصِلُ بينَهُما، رَصاصاتُ تُطلقُ من أجلِ السلامِ، أريدُ السلامَ بقدميَ اليُسرىٰ وقلبيْ، وأُريدُ الحربَ بيديَ اليُمنىٰ، لم أُرد أن أمضي لكنني فَعلتْ، أردتُ أن يَكونَ السلامُ الذي أَشعُرُ بِهِ حينَ أَلحظُ إبتسامَتَكِ لِزهرةٍ كانت قد تَفتَّحتْ أمامَكِ وكأن ربيعُها قد حانَ أمامَكِ، أو حينما تُمطِرُ السماءَ علىٰ مَنزلِنا فيَنتفضُ قَلبَكِ وإن كُان النَومُ حَليفُكِ، تُزيحينَ غِطاءَكِ وتَرفعينَ النافذةَ تُرنِّمينَ بِدعواتٍ لا يَسمعهُا سِوىٰ قَطراتُ المَطرِ وهي تَسري علىٰ وجنتيكِ، أردتُ أن يَشعُرَ الجميعُ بِهذا .. 


بأن شيئاً ما لطالما كان سببًا لوجودنا هُنا، نُحاربُ لأجلِهِ كما الأرضْ، ونموتُ لأجلِهِ كما الوطن .. 


نَحنُ هُنا علىٰ جِباهِ الحربِ نَتذكّرُ كُل شيءٍ مَررنا بِهِ يَوماً، كُلّ هَزيمةٍ لا نُريدُ تِكرارها، وكلّ إنتصارٍ نَتوقُ لِتكرارهِ، غير أن بعض الإنتصاراتِ لا تُكرر، كأن تَنظُرَ إلىٰ السماءِ وتُلوِّحُ لكَ إحدىٰ النُجومْ، تَماماً مِثلما فعلتي .. 


قد كُنّا بالأمسِ في مَعركةٍ أَصمَّنا صَوتُ رصاصها عن سَماعِ أيُ شيءٍ سِوىٰ نَبض قُلوبنا، بِهدوءٍ كاد يَغلبُ يقينيَ بأنني ما زلتُ حيًا تَحدَّثَ قلبي، كان هادئاً علىٰ غير عادة الجُنودْ، كأنَّهُ يُؤمِنُ أنَّهُ سَيظَلُّ حيّاً حتىٰ ولو أُطلِقَتَ إحدىٰ الرصاصات تِجاهَ صَدرهْ، كأنَّهُ يَعلمُ بأنَّهُ إذا ما رَحلَ فإنَّهُ قَدْ انتصرْ رُبما ليس هُنا والآن .. 


لكنَّهُ انتصرَ قبل ذلكْ ..