‏لم يشأ أبي أن ألتحق بالجيشِ كما هو حال أقراني في القرية وكان معارضاً بشدة ، ليس لكوني أحمل شهادة البكالوريوس بالتربية فقط ، ولا لأني ابنهم الوحيد بعد سنين الإنتظار .

 بل لأمورٍ عدة ومنها أنه كان يحلم في أن أعمل عملاً انسانياً في مؤسسة خيرية أو دار للرعاية ، مع هذا كانت الحرب جائعة جداً تلتهم أصدقائي واحداً تلوا الآخر وكنت أشرف على توديعهم بدموعٍ كاملة الندم ، حتى أتى اليوم الذي طلبت فيه وزارة العمل والشؤون الاجتماعية موظفين جدد .              تقدمت وقبلت أوراقي حيث تمت مباشرتي في دار الأيتام الوحيدة في المحافظة ، أبي كان سعيد في هذا العمل وأنا أيضاً ، و بعد أسبوع كنت أرى امرأة متوسطة العمر تأتي كل يوم وتجلس أمام الساحة أو الحديقة المخصصة في الدار لنزهة الاطفال ، كانت تبتسم رغم حزن الكحل الذي يسيل من عينها  وتراقب في نظراتها عن كثب طفلاً أبكم منطوي على نفسه تأخذه العزلة حيث الشرود .

قررت في سري الإقتراب من هذا الطفل والعناية به بشكلٍ خاص ، فتحتُ سِجِل التحاقهِ لهذا الدار وجدتهُ يتيم الأبوين .

 أمهُ توفيت أثناء الولادة وأبوهُ استشهد بعد ساعات من إخباره بولادة هذا الطفل ، ست سنوات مضت على ولادة القدر وهو لم ينطق شيئاً ، لقد ولد أخرس ،قررتُ بعدها الذهاب لتلك المرأة ، وحينما سألتها قالت ، ربما يدرك الحب أنني عاقر لا أنجب النهايات فلم يجمعني به كي لا يصاب القلب بالخيبة فأنجب الوطن طفلاً أخرس لا يفضح أحلامنا .

لؤي كوزال .