أرىٰ أن أسعَد النّاسِ وأكثرُهم حظًّا في الدُّنيا هُوَ أبو بكرٍ الصديق -رَضيَ اللّٰه عنه-، إذ جاوَر النَّبيّ، وَصاحَبَهُ، وَرافقه، وَكان أقرب وأحب الناس إليه -صلوات اللّٰه وسلامُهُ عَليه-.

أوّل من آمن بِه من الرجال، وهو بِذلك نعم الرفيق، يَكفي أن يؤمن بك شخصٌ واحدٌ وسط تكذيب العالم أجمع، إيمانه سيجعلك تأمَن به وتختاره دائمًا لرفقتك.

ذُكِرفي القُرآن "إذ يَقول لصاحبه لا تحزن" فهو الصاحب المعنيّ، صاحب رسول اللّٰه، والمولىٰ -جلّ في عُلاهُ- هوَ مَن يُخبر بذلك وَيُقِرُّه في كتابه العزيز، حَتّىٰ يُخَلد ذكره للأبد بين العالمين أنّه -ويالفخره- هو صاحبه.

بُشِّرَ بالجنّةِ، وأي سعادة بعدها؟ لا أتخيل كَيف يشعر المرء منهم بعدها حقيقةً، فمُرادُ كل واحدٍ منّا فقط إشارةٌ لمآله ومصيره ونطمع أن يُنعم اللّٰه علينا بِالفردوس، لكنّها تبقىٰ آمالٌ، وَفتن الدنيا شديدةٌ. يُبشرك اللّٰه ورسوله أنّك آمنٌ من النار، لَك في الجنّة منزلٌ ومكانٌ، فتجتهد أقصى اجتهادك، وهو مُحببٌ إليك بمشقته، وتهون في ناظرك الدنيا بما حَوَت وأنت تعلم أن الدار الآخرة خير، ولنعم دار المُتقين!

وأعلَمُ أنّ الخير لبني الإنسان الآن هو عدم إخبارهم بنزلهم، فلربما يدعوهم ذلك ليأسٍ شديدٍ، أو لإسرافٍ بعد اطمئنان، وربما العكس، لكن نفس الإنسان ضعيفة، لا يليق بها إلا النظام الذي نظمه الله.

زوّج ابنته عائشة للرسول -صلّىٰ اللّٰه عليه وَسلّم- فلم يكتف بمرافقته، بل ناسبه كذلك.

عندنا في أقوامنا يُقال: "لا تُناسب حبيبًا، ولا تُشاركه" فإن في ذلك سببًا لِانقطاع أحبال المودة لما يكون من خلافاتٍ في الزواج وأموره، والشراكة وما يقتضي لها.

أمّا مع الرسول فالوضعُ مُختَلفٌ، فلقد زاد بذلك أبو بكر قربه من الرسول، فأصبح حماه، ورفيقه، والجميل أن أعانته ابنته علىٰ تلك المودة، فلقد كانت نِعم الفتاة والزوجة.

رَوىٰ أحاديثه، وهو راوٍ موثوقٌ من روايته، فإنّي أقرأُ الحديث "عن أبي بكر رضي الله عنه، أن الرسول صلى الله عليه وسلم قال" فَأُحِبّ الحديث، وفي نفسي إيمانٌ أنه حديثٌ صادق لا يحتمل الكذب أو التشكيك في صحته.

إنّه الصِّديق، للمُبالغة والدلالة على صدقه الدائم، أعونهم للرسول، وألزمهم له، وأعملهم بِسُنّته، ومواقفه معه لا حصر لها، كُلّها جَميلةٌ تُحَرِّكُ فِي النَّفسِ شيئًا من الحنين لوجود رفقاء مثله في الوقت الحالي.

نعم نَحنُ لسنا كمُحمّد، لكن كُلّنا بحاجة إلىٰ أبي بكرٍ في حَياتنا، يُؤمِنُ بِنا وإن كفر الجميع، يَكون عَونًا، وسَنَدًا، ورفيقًا مُخلِصًا لا يَرحل، ولا يَترك، ولا يَخذل، ولا يتخلّىٰ، نحتاجُ ذلك الرفيق الذي نُقِرُّ في أنفُسنا أنّه هو اختيارنا الصائب، فيَكون معنا كما كان الصديق مع رفيقه، ونأنس به، ونأتمنه، ولا نخاف الحياة في حضرته ووجوده، وتُظلم دنيانا إن غاب عنّا.

كَان لِمحمدٍ -صلوات اللّٰه عليه- صحابةٌ لا حصر لهم، واتسع قلبه لحُبّ أُمته كلها، لكن أبا بكرٍ واحد، لم يدنُ منه أصحابه كما فعل هو.

وكذلك المرء منّا، يَجد حوله من الأصحاب الكثير، وكلٌّ يَحِنُّ إلىٰ أبي بِكرِه!

وَكَما كَان أبو بكر دائم الإيمان بمحمد، لم تكن علاقتهما قائمة على بذل طرفٍ للآخر وحسب، بل قامت كما أسوى العلاقات وأدومها علىٰ أخذٍ وعطاءٍ.

كُلّنا نعلم بالقصة الّتي يرويها القُرآن، وتعلّمناها في السيرة، وقت هجرة الرسول -صلى الله عليه وسلم- إلىٰ يثرب، رافق أبا بكرٍ، ولاحقهما كفار قريش من أهل مكة يُريدون قتل النبيّ، حتّىٰ وقفوا عند الغار وهم يَجوبون بحثًا، ويتلفتون يمنة ويسرة.

فخاف أبو بكر، كما نخاف، واحتاج -كنحن- لطمئنة رفيق، وأيّ رفيق كَمُحمد؟

فقال: لَوْ أَنَّ أَحَدَهُمْ نَظَرَ تَحْتَ قَدَمَيْهِ لأَبْصَرَنَا.

وليس سوء ظنٍّ بالله، لكنها الفطرة، أنت مُعرضٌ لخطر الموت، ويفصلك عنه اعوجاج رأس لينظر لأسفل فقط.

فَرد عليه النبيّ‏: مَا ظَنُّكَ يَا ‏ أَبَا بَكْرٍ ‏بِاثْنَيْنِ اللَّهُ ثَالِثُهُمَا؟

يَعلم اللّٰه كَيف حال النبيّ حينها، لكنّه بتثبيت من اللّٰه كان مُطمئنًا، فبث في روحِ صديقه من سكينته لِيُطمئنه، ويهدئ من روعه، ويخفف عنه ما بِقلبه مِن خوفٍ.

رُغم شدة المَوقف إلا أنّ النّبي لم يفزع، ويُفزع معه رفيقه، بل كان أمانًا له، ومِعوانًا علىٰ الصبر والثبات.

وروىٰ لنا اللّٰه في كتابه: "إذ هُما في الغار إذ يقول لصاحبه لا تحزن إنّ اللّٰه مَعنا فأنزل اللّٰه سكينته عَليه وأيّده بجنودٍ لم تروها"

قال: "معنا" أي أنا وأنت، سويًّا، لم يقل معك، أو معي، لم يختص أحدًا دون الآخر، وفي ذلك طمأنةٌ أُخرىٰ.

بعض المواقف نحتاج فيها أن نَشعر بالأمان، نُخَبّر أن كل شيءٍ سَيكون بخير، لا بأس.. فَيذهب عنّا الرّوع، نحتاجُ فقط أن يُربت على كتفنا صديقٌ ويقول: "لا تَحزن إنّ اللّٰه معنا"

يُذكرنا أن تلك الأيام على مرارتها سَتمُرّ، بعون اللّٰه وحوله وقوّته، ثُم مع مساندته وأنَّه أبدًا لن يخذل، ولن يرحل، ولن يتخلىٰ أو يخون. فيُعيننا بذلك على الحياة، لا يعينها علينا، ولا يعنينا بعد ذلك إن اشتدت الكربات ما دام "اللّٰه معنا"، أنا وأنت سويًّا نخوض الأيام بصعوبة معاركها، بليلها الطويل، ونهارها الشاق، والله ثالثنا يُهوّن علينا ما نُلاقيه في الدنيا.

رُبما كَفىٰ أبو بكر أن يشعر في حضرة رفيقه بالأمان الدائم الذي جعله يبذل كل ما بذل، إن تغاضينا عن أنه النبي، وذاك صاحبه، ونظرنا للعلاقة بشكل عامٍ سنجد أنها مثالية بكلّ الأشكال والمقاييس، صَديقٌ يؤمن، وصديقٌ يُطمئن، وكلاهما يحمل في قلبه للآخر حبًّا عظيمًا، لا تشوبه شائبة، ولا تلوّثه مشاعر البشر من غِلٍّ وَحِقدٍ وحسدٍ.

تلك علاقةُ الصداقة الأنقىٰ، الخِلّ الوفيّ صعبٌ وجوده، لا نقول غير موجودٍ، لكنّه نادرٌ بما ملأ القلوب في آننا.

نحنُ وإن وثقنا فتبقى نسبةٌ للشك أو فلنقل الحذر، وإن أمِنّا فإن الخوف يتملّكنا أحيانًا كثيرة، وإن اليَد التي تسندك اليوم رُبّما تَكسركَ غدًا، لا نُفرق بسهولة بين الصادق والمُتلوّن بألوان الغدر فتتوالىٰ الصدمات فما نلبث أن نُنهي صداقاتنا كلها، ولنا في كُل ذلك الحقّ، فَما يُلاقيه المرء من غيرهِ كافٍ لأن يُفقده قدرته على الاختلاط بالبشر أبدًا.

وتبقىٰ علاقة النبِيّ بصاحبه هي الأكمل.. ربما لكماله هو، أو لوفاء أبي بكر، أو لكل الأسباب مجتمعة فيهما مَعًا، فكان نتاج ذلك رفقة طيبة، نَروي فيها رواياتٍ لا حصر لها، وتُصبح مضرب المثل، ومُبتغىٰ الأنقياء في صداقتهم.. الّذين نأمل أن نَراهُمْ فِي حَيَاتِنا.

وأذهب في مذهبي واعتقادي إلىٰ أن رغم ندرة الخلّ الوفيّ، وقلة العلاقات الطيبة الصادقة إلّا أنّها مُمكنة الوجود، فَلَو بَدأ كُلٌّ بنفسه ينظر ماذا يفتقد ليصبح مُحمّدًا لرفيقه؟ لوجد منه رفيقه ما يدفعه ليكون أبا بكرٍ له، بلا مشقة أو تعب!