( الخوف _ معذرة _ أعيدوا قراءتها مرة ثانية . بما شعرتم ؟ ما أول شئ خطر ببالكم ؟ كم عدد الأشياء التى تخافوها ؟
أظن أن لا حصر لها .
لا شك بأن الخوف شعور موجع و مؤذٍ و مميت و قاتل و هالك .. و بإمكانك التكملة بكل الصفات البشعة التى تخطر ببالك أو التى تعرفها ، دون وجود أى إفراط أو تمادٍ فى وصفه . و تكمن خطورته فى كونه من المشاعر الأساسية الفطرية التى نشعر بها جميعاً ، و بصورة متكررة  . لا يستطيع أحد الإفلات منه ، ربما يستطيع التخلص منه لبعض الوقت ، و لكن لا يستطيع أحد نفى ذلك بطريقة مطلقة .
و هذا طبيعى لكون الخوف جزء من إنسانيتنا ، و لكن فى حالتنا هذه لم يعد الخوف طبيعياً .
فقد أصبح الخوف يختلف عن الماضى كثيراً . زمان .. و ليت الزمان يعود ، كان الخوف شعور طبيعى يشعر به الجميع بدرجات طبيعية أيضاً ، أما الآن .. و ما أسوء الآن ، أصبح الخوف فى كل مكان و فى كل آن ، و أحتل الخوف مواضع الإطمئنان ، و أصبحنا لا نشعر بالإطمئنان سوى فى دقائق قلائل نتشممها من حين لآخر .
فى زمننا هذا ، باتت هذه المخاوف تحاصرنا بالقدر الذى دفع ببعض الأشخاص إلى قتل أنفسهم ؛ للتخلص منها دون النظر إلى حُرمة فعل ذلك . 

أصبحنا و أمسينا نخاف كل شئ _ على سبيل المثال لا الحصر _ أصبحنا نخاف الحياة كما يُفزعنا الموت ، و نخشى الموت رغم كرهنا للحياة . نخاف المستقبل كما نخشى من تكرار الماضى و مآسيه  . نخاف الفرح كما يؤلمنا الحزن ، نخاف الوعى كما ننبذ الجهل ، نخاف القدر و المرض ، نخاف الفشل و نتقاعس نحو النجاح ، نخاف الحب و عدم القبول ، نخاف من حب من لا يستطيع أن يُحبنا و نخاف من ظلم من يُحبنا و لا نستطيع نحن أن نتبادله ذات الشعور . نخاف اللقاء كما يرهقنا البعد ، نخاف الإحتياج و الإفتقاد ، نخاف النهايات رغم حبنا لبداياتها ، نخاف البوح و يوجعنا الكتمان ، نخاف الزواج و نكره العزوبية ، نخاف سوء الظن ، و نخاف أيضاً أن نحسن الظن بأشخاص ليسوا كذلك . نخاف الخصام و لا نقدر على الإعتذار ، نخاف العفوية و نكره التصنّع ، نخاف الحرية و نرفض العبودية _ لغير الله _ فطرةً ، نخاف الظلم رغم سكوتنا عنه . نخاف الفعل و رد الفعل ، نخاف المعروف و المجهول . و نخاف من بعض النظرات أيضا ما بين إعجاب و شهوة و إستحقار و حقد . و نخاف من مجرد حلم ما بين أحلامنا التى لا نستطيع تحقيقها ، و تحقق الكوابيس التى لطالما أرهقتنا و أذهبت نومنا ، و نخاف من تجربة كل جديد ، و نخاف العادى و اللاشئ أيضاً . و نخاف .. و نخاف .. و نخاف .. أكملوا إلى ما لا نهاية لخوفكم ، أكملوا دون إنكار لمخاوفكم .
فكما أن الإعتراف بالمرض هو أول طريق الشفاء ، فالإعتراف بالخوف أيضا هو أول طريق التحرر منه .
و لا أعنى أن تخبروا أحد بمخاوفكم و لكن أقصد مصارحة النفس لكى تستطيعوا مقاومة كل هذه المخاوف و مواجهتها .

و سأخصص بقية حديثى هنا عن موطنى الحبيب الغالى و الذى كان من المعروف و المشهود بأنه _ موطن الأمن و الأمان _ و أعلم أنه من المؤسف قول ( كان ) و لكنى اضطررت لقول ذلك آسفة .
نعم .. من المؤسف أن يتبدل بداخلك شعور الأمان بالخوف ، و أنت فى موطن أمانك الوحيد .
و لكن فى موطن أمانى الوحيد ، لم يعد هناك مكان أمان واحد . و هذا الخوف لم يصيبنى أنا فقط و لكن أصاب الجميع دون إستثناء .
هنا _ فى موطن الأمن و الأمان _ أياً كان عمرك طفلا كنت أو شابا ، كهلا كنت أو شيخا ، و أيا كان جنسك ذكرا أو أنثى ، أبيضا كنت أو أسود ، جميلا أو قبيحا ، طيبا أو شريرا . و أيا كان منصبك أيضا حاكما أو محكوم ، ظالم كنت أو مظلوم . ستصيبك لعنة الخوف التى أصابت جميع من يسكنه دون إستثناء لأحد .
أتذكر حينما كنت طفلة صغيرة ، لم أكن أشعر بالخوف فيه مثلما أشعر به الآن . و ليس لكونى طفلة صغيرة ، بل لأنه لم يكن مصاباً بهذه اللعنة مثلما أصابته الآن . هذه اللعنة لم ترحم حتى الأطفال الصغار ، و باتوا يشعرون بها كما نشعر بها بل و ربما يكون تأثيرها الأكبر عليهم .
فى موطنى _ الحبيب _ لم يعد الخوف مرتبطا بالليل و عتمته ، أو بالوحدة كما كنا نخاف فى الماضى . بل أصبح الخوف آناء الليل و النهار فى الوحدة و بين الجميع .
أصبح المرء فى _ بلد الأمن و الأمان _ يخاف و هو فى عُقْر داره ، يخاف بين أهله وأحبته ، يخاف عليهم و ربما منهم أيضاً .
قد أضحى الخوف فى كل مكان و فى كل شخص و فى كل شئ .
يُخيل إلىّ أنه أصبح من مكونات هواء هذا الوطن ، أشعر أنى استنشق الخوف فى كل نفس أخذه . كأنهم يقومون برشه فى الهواء ، لنستنشقه نحن و نموت من فرط الخوف .
قد قاموا بزرع الخوف بداخلنا تجاه كل شئ ، أحاطونا به من كل النواحى ، أماتوا بداخلنا الحلم و الأمل و الفرح و كل جميل و أحيوا الخوف فقط .
من يستطيع أن يُعلم حكامنا أن تقدم الأوطان لا يبنى على الخوف بل على الحب و الإطمئنان ؟؟
و الخوف كل الخوف من كونهم يعلمون ذلك و لا يريدونه . من كونهم يريدون قتل أرواحنا بالخوف ، و جعلنا آلات لهم ، من كونهم يريدون استنزاف البلاد و هلاكنا .
و لضرب مثال حصرى لكى لا تشعر _ عزيزى القارئ _ أن الخوف أصابك وحدك . أريدك أن تعلم أنى أشعر بالخوف و أنا أكتب إليك الآن . نعم .. أخاف من كل ما ذكرته آنفاً . و أخبرك ذلك لتعلم أنك لست وحدك من أصبت به . إطمئن جميعنا خائفون ، و لتعلم أن من يخيفك يشعر بالرعب و الفزع أيضاً لا تقلق . و لا يغُرّنّك فجوره و ظلمه و تسلطه فهو خائف ، بل و ربما أكثر منك أيضا . لذلك أقتل خوفك منه و حاربه و واجهه بنفس سلاح الخوف الذى يهاجمك به .

و لكى أكون مُنصفة فى النهاية _ تجاه الخوف لا تجاه موطنى الغالى _ لتعلموا أن الخوف ليس دائما سئ و مميت ، بل فى أوقات نادرة لبعض الناس يصبح الخوف دافع قوى لفعل أشياء جميلة لم يُتوقع فعلها .

فماذا لو حققنا هذا النادر ؟ ماذا لو جعلنا كل هذه المخاوف _ التى زُرعت بداخلنا _ دوافع و أسلحة لنا للتخلص من كل أوجاعنا و إستعادة كل جميل بداخلنا ؟
حينها سنزيل هذا الخوف الذى صنعوه بداخلنا ، و سنهدم جدران السجون التى دفنوا أرواحنا بداخلها ، سننقى هواء وطننا من هذه اللعنة ، سنحرر أرواحنا و نستعيد كل جميل بداخلنا ، سنتخلص من كل مخاوفنا ، و ستتبدل بداخلنا كل مشاعر الخوف بإطمئنان .
طمئنوا قلوب بعضكم البعض و لو برسم إبتسامة صغيرة على وجوهكم ، أحضنوا أرواحكم و أحيوها و لو بكلمة طيبة .
و أخيرا .. حققوا النادر ، و قوموا بجعل هذا الخوف الذى صنعوه دافعكم و سلاحكم الوحيد للتحرر منه و التخلص من جميع أوجاعكم . ) 


_ مريمكم