فى آخر روابح اللحظات من يوم الأربعاء بتاريخ 7|8|2019 وتحديداً قبل أن يُعلن عقرب الساعة بمحطة المنصورة على قدوم الثانية عشر مُنتصف الليل، جاء إلينا أمين من الشُرطة القائمين على مُناوبة الحماية ليلاً ليبُث لنا خبراً وأنا جالساً مع أصدقائي نتبادل الأحاديث مع شخصاً مُقرب لنا يعمل فى كُشك سِلع غذائية على أحد أرصفة المحطة من الداخِل، يقول لنا بأن سيدة عامِرة فى السِن يغيب عنها عقلها يتم إستغلالها جسدياً من شهوة دنيئة من قِبل عامل نظافة من إحدي عُمال المحطة، تم الإبلاغ عن واقعته إلى مدير عُمال النظافة الذى يُباشر عمله فى إحدي غُرف المحطة. تبادر إلى ذِهنى أنه يمزح لأمر ما لا أعلمه، لكن الكاشفة أغمت عيني على إدراك الحقيقة، حين رأيت السيدة آتية بعد أن تم تخليصها من الفاعِل بجسد لا عِلم لها به، تتجه نحونا فى حالة من الريبة وهي تُشير علينا بورقة نقدية للإقتراب منها، أبلغني حينها أمين الشُرطة ألا أستجيب لها لغياب عقلها، فهى أمرأة عاجِزة عن الإدراك. تحدثت حينها معه وهو يتجاوب فى شراء إحدي السِلع من زميلنا المُقرب الذى يعمل بالكُشك، بأنه شاهد الواقعة بأم عينيه وأمسك بالفاعل الدنيء حتى سلمه لزملائه من أمناء الشُرطة إلى أن أفرجوا عنه بعد أن بلغهُم رب عمله (مدير عُمال النظافة) أنه سيتم تجريده من وظيفته، سألته حينها لماذا تركوه قبل أن أستشعِر على صوت المُكبر فى مكرفون المحطة على النداء بإسم هذا العامِل، ليُجيبني بأن هذة الفاحِشة والواقعة ليست الأولى له فقد تم الإمساك به فى إحدي نهار الأيام وهو يستغِل إحدي الضحايا الغائبون عن مداركهم. لا أعلم حينها ماذا حدث له بعد ذلك، لكن الذى قهرني هذة  المرأة التى تتجاوز من ملامحها عن خمسة وخمسون عاماً، مازالت تسير أمامنا على الرصيف بلا وجهة ودون وعي وإدراك، لم أكُن أستطيع أن أقترب أمامها من إمتناع أصدقائي للإستجابة لها، لكنها إعتادت على السير ذهاباً وإياباً دون وجهة، وكأن بيتها رصيف المحطة تتكئ على عربدته بنوم دون ميعاد ومجالسة بإعتياد على إحدى قواعِد مجالسه. أنتاب نظرى لها بين الحين والآخر وهى تنظُر إلى فى حالة من اللجوء، كانت وما زالت تُشير إلي بإحدى الأوراق النقدية كراية تحمِل معها معاني مِن الإنهزام والمشقة. بادرت زُملائي عن شأنها ووحدتها هكذا، حتى أدركني زميلي بالكشك أنها تتجاور بالسكن فى هذة المحطة أحياناً غير مُتكررة، لكن قصدها الوحيد هو البحث عن عدم، فهي بنت شارع مُنذ الصِغر كموذج مُصغر لقاطني شوارع مصر. وبعد أن إنتهينا من الحديث عما جئنا من أجله، توجهت بالذهاب حتى أدركت نومها العميق على إحدى مجالس الرصيف فى وِحدة وحشية لم أرى لها مثيل من قبل، الجسد عاجِز عن الحراك من إثر نوم لم يستطعم له منذ زمن، وهي تحت أعين مُناوبي الحراسة ليلاً من أمناء شُرطة المحطة. كُنت أريد أن أصور وجهها أو أن أبحث عن إسمٍ لها لكن أحداً لم يشجعني من زملائي على ذلك، بحجة أن شوارع مصر مئال لهؤلاء العاجزون. وهذا النبأ الذى أتلوه لكم فى هذه الكلمات ليس لإعمال حالة الشفقة وتغييم الوجه بحُزن عابِر لا يستطيل، هذا الحديث للقائمين على شؤون هذا الوطن، أدركوا السيدة الفاضِلة، فهى لا تعي مايحدُث لها، أود أن تتجه هذة الكلمات للسيد مُحافِظ الدقهلية (كمال شاروبيم)، بإتصال هاتفي من أجلها لن يتعدى دقيقة لإحدي دارات الرعاية والمأوي لمثل هؤلاء الحامدون الشاكرون لأرصفة الشوارِع، من التأكيد أن تنعم هذة الأم التى هى بلا عنوان حقيقى فى بلد يعيش على أكتاف المهمشون، أن تكون فى حالة أفضل عن الإستغلال والدنائة فى الرغبات. من المُمكن أن أكون قد أرتكبت جريمة لا غُفران لها من الله حين شاهدتها ولم ألبيها ندائها من ورقة نقدية لا عِلم لها بقيمتها، لكنكم سترتكبون فاحِشة لا سبيل لمحوها من ذهني إذا ذهبت لها غداً ووجدتها على ذات المجلس من الرصيف لطلب غُفران لى على ما أمتنعت عليه من نداء. من الممكن أن أكون مجنوناً كما تطلقوا عليها إذا لبيت لها النداء لأجل ما تطلبه من معاونة إنسانية تكاد تكون لإستجابة لأحزانها، لكنني سيغتفر لى الوطن على الإستماع لرحم ضحاياه. أدركوا السيدة الفاضلة يرحمكُم الله فهى بِنت بنوت لا عِلم لها بإسم الدولة التى تقصي عليها!