" الأرواح المتمردة" كتبها جبران ،فيا ترى ما حكاية هذه الأرواح ولماذا تمردت ؟؟!

تعالوا أولا نلقي نظرة عامة على "الأرواح المتمردة"

"الأرواح المتمردة " مجموعة قصصية كتبها جبران خليل جبران ، صدرت باللغة العربية عام 1908 في نيويورك،  ثم نشرتها جريدة المهاجر، ويبلغ عدد صفحاتها 117 صفحة، تشتمل على أربع قصص وهي (وردة الهاني، صراخ القبور، مضجع العروس، خليل الكافر )، ولكل شخصية من شخصيات المجموعة حكاية تمرد وإنكار سنعرفها سويا في هذا المقال بعد أن نجيب على السؤال التالي.

ما الذي جعل جبران يكتب الأرواح المتمردة ؟؟وإلى أي شيء يريد أن يلفت انتباهنا؟؟

لأن الأدب هو أحد أشكال التعبير الإنساني عن مجمل عواطف الإنسان وأفكاره وخواطره وهواجسه كتب جبران الأرواح المتمردة ليعبر عن ضيقه مما تفعله بعض العائلات بأبنائها متبعين العادات والتقاليد، وما تفعله بعض الشرائع تصديقا للمحامين والقضاة دون تحقيق، وما يجنيه بعض رجال الدين باسم الدين.  ولقد تعرفنا في مقالة التعريف بجبران كيف أنه أحب فتاة وأراد أن يتزوجها لكن والدها رفض ذلك، وزوجها كرها لرجل آخر،  فمثل هذا الأمر وغيره مما تعرض له جبران خلال حياته كان سببا لكتابة الأرواح المتمردة وما يشبهها .


والآن هيا لنعرف سويا قصص"الأرواح المتمردة " وأبطالها المتمردون...


القصة الأولى :(وردة الهاني)

  هي قصة امرأة زوجها أهلها في ضوء العادات والتقاليد برجل غني يكبرها باثنين وعشرين عاما ، يرون أنها بتلك الزيجة ستحيا منعمة تملك ما لا يملكه غيرها من النساء ، فكان ذلك وعاشت السيدة وردة مع رشيد بك نعمان منعمة مرفهة، لكنها كانت له امرأة ولم تستطع أبدا أن تكون له زوجة وذلك لما بينهما من تفاوت، لكن الصدفة ألقت في طريقها بشاب وجدت فيه الشريك المناسب لحياتها لما بينهما من ألفة وانسجام روحي ،

فاستنكرت على نفسها العيش مع رجل تأكل طعامه وتتنعم بماله وهي تميل بقلبها وروحها إلى غيره ، فتمردت على كل شيء والتحقت بذاك الشاب الفقير الذي وجدت معه الراحة والسكينة رغم عيشته البسيطة ، لتقول بعد ذلك :"أنا راضية لأن البشر لا ينفون إلا من تمردت روحه الكبيرة على الظلم والجور ومن لا يؤثر النفي على الإستعباد لا يكون حرا بما في الحرية من الحق والواجب ".

ولقد انتقد المنفلوطي جبران لكتابته قصة وردة الهاني ورأى أنه بهذه القصة يحلل للمرأة أن تترك زوجها إلى رجل آخر إن أحبته، لكن جبران عندما علم بهذا الإنتقاد سر كثيرا.  ولعل ذلك يعود لما يخبرنا به أحد النقاد أن جبران لم يقصد بهذه القصة مخالفة الشرائع، إنما يستنكر الظلم والإكراه .

القصة الثانية :(صراخ القبور):

هي ثاني قصص الأرواح المتمردة، بدأت بالحكم على ثلاثة أشخاص دون تحقيق او استشهاد، فقط أخبر الجنود الأمير بما سمعوا ، فأصدر الحكم مباشرة دون إنكار أو استبيان ولا تحقيق لتصرخ قبورهم مستنكرة في وجه الظلم والطغاة.

فالقبر الأول يصرخ ويتأوه،ليحكي قصة شاب دافع بحياته عن شرف عذراء ضعيفة وأنقذها من بين أظافر ذئب كاسر فقطعوا عنقه جزاء شجاعته ، وقد أغمدت تلك الصبية سيفه بتراب قبره ليبقى هناك في العالم الآخر رمزا يتكلم عن مصير الرجولة في دولة الحيف والغباوة .

والثاني كان قبر صبية لامس الحب نفسها قبل أن تغتصب المطامع جسدها،حينما زوجها والدها كرها في غياب حبيبها،فرجمت لأن قلبها أبى إلا أن يكون أمينا حتى الموت، فجاء حبيبها ووضع على قبرها زهورا لتتكلم عن مصير الحب النقي بين أقوام أعمتهم المادة وأخرسهم الجهل.

أما الثالث فهو قبر فقير بائس أوهت ساعديه حقول الدير فطرده الرهبان ليستعيضوا عنه  بسواعد غيره، فطلب الخبز لصغاره بالعمل فلم يجده،ثم رجاه بالتسول فلم ينله ، وعندما دفعه اليأس لاسترجاع قليل من الغلة التي جمعها بعرق جبينه قبضوا عليه وفتكوابه ،وقد وضعت أرملته صليبا على قبره ليكون شاهدا على ظلم الرهبان الذين يحولون تعاليم الدين إلى سيوف يؤذون بها الضعفاء والمساكين .

هكذا صرخت القبور شاكية ظلم الرهبان والقضاة والجنود وظلم الأهل ،لأرواح الأبرياء والضعفاء.

القصة الثالثة(مضجع العروس) :

يقول عنها جبران أنها حادثة جرت في شمال لبنان أواخر القرن التاسع عشر، وهي أكثر الأرواح تمردا، وفيها قالت ليلى :"تركت العريس الذي اختاره الكذب بعلا، وتركت الوالد الذي أقامه القدر وليا ، وتركت الزهور التى ضفرها الكاهن إكليلا ، وتركت الشرائع التي حبكتها التقاليد قيودا "  قالت ذلك لسليم ذاك الشاب الذي غلب شرفه حبه فأبى مخالفة الشرائع ولم يهرب معها يوم عرسها كما طلبت منه، لكنها انقلبت ثائرة متمردة على الشرائع والتقاليد والظلم والخبث والكذب الذي فرق بينها وبين حبيبها، فطعنته بخنجر كانت تدسه وطعنت نفسها بعده، وقالت لحبيبها :"ها أنذا كسرت القيود وفككت السلاسل فلنسرع  نحو الشمس فقد طال وقوفنا في الظل ".

القصة الرابعة (خليل الكافر):

آخر قصص الأرواح المتمردة ،وهي تشبه قصة يوحنا المجنون في عرائس المروج ، إلا أن يوحنا مات مغلوبا، أما خليل فقد كان قوي الحجة ،قادرا على الوقوف أمام الأمراء والقضاة ،موقظا بكلامه الضمائر ،وملهما للأرواح ،ومخرجا للقوى الكامنة في نفوس الضعفاء ،فعاش منتصرا مغبوطا في تلك القرية القريبة من غابة أرز لبنان ،

وبدأت قصته وهو راعي بقر في الدير، وجد في حياة الرهبان بذخا يعتمد على جهد الفقراء وكدهم ،فأبت نفسه ذلك ،فصرخ في وجه الرهبان مناديا بالعدل والرحمة ،لكنهم طردوه في ليلة عاصفة تكاد تقتل من يخرج فيها ، إلا أن رحمة الله أنقذته في تلك القرية على يد عجوز وابنتها -مريم التي سيتزوجها لاحقا - فعاش بينهما وأصلح القرية بإيقاظ عقول أهلها، فاستجابوا لتنبيهاته وتكاتفوا في وجه الظلم، وبهذا تم العدل وانتصر الخير واستكان أهل القرية شاكرين القدر الذي أرسل إليهم خليل .

اقتباسات من الأرواح المتمردة ..

١-" النور الحقيقي هو ذاك الذي ينبثق من داخل الإنسان ،ويبين سرائر النفس للنفس ويجعلها فارحة بالحياة مترنمة باسم الروح" .

٢-" هل تعتقدون بأن الله الذي ينزل السحاب مطرا ،وينبت البذور زرعا ،وينمي الزهور أثمارا ،يريد أن تكونوا جياعا محتقرين لكي يبقى واحدا بينكم منتفعا متلذذا" .

٣-"البشر لا ينفون إلا من تمردت روحه الكبيرة على الظلم والجور ،ومن لا يؤثر النفي على الإستعباد لا يكون حرا بما في الحرية من الحق والواجب".

٤-"إن الله قد بعث أرواحكم في هذه الحياة كشعلات مضيئة تنمو بالمعرفة وتزيد جمالا باستطلاع خفايا الأيام والليالي فكيف تلحقونها بالرماد لتبيد وتنطفئ".

٥- "المحبة قوة تبتدع قلوبنا ،وقلوبنا لا تقدر أن تبتدعها ".

هكذا كانت "الأرواح المتمردة" تنتقد كل من يظلم باسم السلطة أوبما يملك من حقوق وامتيازات... 

 وها قد عرفنا سويا حكاية الأرواح المتمردة،  وأخيرا أتمنى لكم قراءة مفيدة وممتعة، وفي انتظار آرائكم.

بقلم الراقمة :نورهان مصطفى من فريق مكتبة ميم .