"طلبت الحياة بعرق الجبين فلم أجدها، فسوف أحصل عليها بقوة ساعدي. وسألت الخبز باسم المحبة فلم يسمعني الإنسان، فسأطلبه باسم الشر وأستزيد منه"

"دمعة وابتسامة" هي مجموعة مقالات كتبها جبران خليل جبران، اتسمت بطابع رقيق للغاية وتأمليّ من الطراز الأول.. وعلى الرغم من أن هناك تعابير رائعة وفحوى بعض المقالات لا تقل روعة عن تلك التعابير إلا أنني رأيت المقالات محاولة صبيانية حالمة لشرح مفهومه عما حوله.. بالفعل أرهقتني القراءة ومللت كثيرا، حتى التحفيز في المقدمة التي كتبها "نسيب عريضة" لم يكن كافيا لخلق دافعٍ للقراءة!  وكان من ضمن ما قاله: "لو تمعنا مليا بمجموع كتابات جبران وتآليفه، لوجدنا أن لـ "دمعة وابتسامة" مقالا خاصا بها، لأنها كانت أول نغمة من نوعها في العالم العربي ، فقد خالفت بما فيها من التراكيب ودقة البيان كل ما جاء قبلها من الكتابات"..

إذاً لندخل في مميزات "دمعة وابتسامة":

- تفاصيلها جميلة، وتعتبر رسالة إنسانية من المقام الأول.

- بعض التعابير الجيدة والتي تداعب العاطفة برقة وبعذوبة.

- هناك مقالات أعجبتني مثل " في مدينة الأموات، الأرملة وابنها، مناجاة أرواح، المجرم"

-مليئة بالاقتباسات المختلفة والمميزة.

- لتتعرف على بداية جبران خليل جبران وكيف كان يكتب في عالم خياله الشعري، حيث إن كتابات جبران اختلفت تماما فيما بعد عن هذا النمط والأسلوب على الرغم من المحافظة على رسالته الإنسانية وقضاياه.. ففي هذا الكتاب نرى أسلوبا شاعريا خياليا عاطفيا..

ويؤكد "نسيب عريضة "ما قُلته بما كتبه عن جبران " قد انتقل جبران خليل جبران في الأعوام العشرة الأخيرة من ربيع الحياة إلى صيفها، فنمت أمياله ونضجت أفكاره، وتدرجت روحه من عالم الخيال الشعري إلى عالم أسمى وأوسع يتعانق فيه الخيال المطلق والحقيقة المجردة، وتلتقي في جنباته أشباح العواطف الدقيقة بجبابرة المبادئ الأساسية الصحيحة"

_______

العيوب:

- مرهقة، مليئة بالمحسنات والتشبيهات والتعبيرات غير الضرورية والتي شعرت أنها استعراض عاطفي لا أكثر.

- حشو زائد، كثير من المقالات دارت حول نفس المعنى أو معنىً قريب..

-طريقة العرض مبالغ فيها وكأنها تستهدف الأطفال أو أفلام ديزني..

- حتى القضايا قديمة: الشكوى من الحياة، التمييز بين الفقراء والأغنياء، قسوة بني الإنسان .. الخ. ومعالجتها لم تكن مختلفة أيضا!

________ 

جبران خليل جبران


سوف أعرض الآن مقالتين، واحدة أعجبتني والأخرى لم ترق لي..

المقال الذي أعجبني: "في مدينة الأموات":

- يتحدث جبران في هذه المقال بصورة قصصية عن تملصه من غوغاء المدينة حتى بلغ أكمة عالية، والمدينة بأسرها في مجال رؤيته.. فرأى القصور وكل أعمال الإنسان الأخرى التي ضاق بها فصرف نظره إلى مقبرة.. وأخذ يقارن بين حياة الأحياء التي فيها الحركة وحياة الأموات.. وأثناء تأمله كانت هناك جنازتان.. أولاهما كانت لفرد غني دفن في المقبرة وشيعه الكثير من الخلق.. وثانيهما جنازة فقير لم يشيعه غير ابنه وامرأته وكلب..

اقتباس:  " هناك بين مدينة الأحياء ومدينة الأموات جلست أفكر.. أفكر في كيفية العراك المستمر والحركة المستمرة في هذه، وفي السكينة السائدة والهدوء المستقر في تلك.. من الجهة الواحدة آمال وقنوط، ومحبة وبغضة، وغنى وفقر، واعتقاد وجحود، ومن الأخرى تراب في تراب تقلب الطبيعة بطنه ظاهرا وتبدع منه نباتا ثم حيوانا، وكل ذلك يتم في سكينة الليل".. 

في هذا المقال، سنرى صورا جمالية، قضية إنسانية، وبُعدا نسبيا عن العاطفة المؤثرة على قوة النص، قلة الوصف غير الضروري، معالجة مميزة. 


المقال الثاني: مخبآت الصدور

- عرض قصة فتاة، زوّجها والدها برجل غني لا تحبه، وسرعان ما أنفت حياتها الزوجية متطلعةً إلى الفتى الفقير الذي أحبته.. لتبدأ في رثاء حالها والتحسر على القدر.

-لم يعجبني كثرة التشبيهات فمثلا هذه الجملة: " جلست صبية بقرب منضدة عاجية تسند رأسها الجميل بيديها مثلما (تتكئ زنبقة ذابلة على أوراقها)، وتنظر إلى ما حولها (نظرات سجين يائس)... )

-الإحساس المفرط في هذه المقالات عموما غير مؤثر تماما ويعتمد بطريقة ما على التضليل العاطفي خاصة حينما يتعلق الأمر بقضية كهذه.

___________

ربما أكثر ما تمتلئ  به "دمعة وابتسامة" هي الاقتباسات البديعة الكثيرة.. أي أنني أرى أن الجزء أفضل من الكل هنا..

إليكم أجمل الاقتباسات:

- "أنا لا أبدل أحزان قلبي بأفراح الناس ، ولا أرضى أن تنقلب الدموع التي تستدرها الكآبة من جوارحي و تصير ضحكا .أتمنى أن تبقى حياتي دمعة و ابتسامة"

- "أهذه هي الحياة ؟ هل هي ماض قد زال واختفت آثاره، وحاضر يركض لاحقا بالماضي ، ومستقبل لا معنى له إلا إذا ما مرّ وصار حاضرا أو ماضيا؟"

- "السعادة صبية تولد وتحيا في أعماق القلب، ولن تجيء إليه من محيطه"

- "سألتها: ما هذا الجمال؟ فقد تباين الناس بتعريفه ومعرفته مثلما اختلفوا بتمجيده ومحبته.

قالت: هو ما كان بنفسك جاذب إليه، هو ما تراه وتود أن تعطي لا أن تأخذ، هو ما شعرت عند ملقاه بأياد مدودة من أعماقك لضمه إلى أعماقك، هو ما تحسبه الأجسام محنه والأرواح منحة، هو ألفة بين الحزن والفرح، هو ما تراه محجوبا وتعرفه مجهولا وتسمعه صامتا، هو قوة تبتدئ في قدس أقداس ذاتك وتنتهي في ما وراء تخيلاتك."

- "ما هذا الواجب الذي يُفرقُ المحبّبين ويرمّل النِساء وييتِّمُ الأطفال؟

ما هذه الوطنية التي من أجل أسبابٍ صغيرة تدعو إلى الحرب لتخريب البلاد؟

ما هذا الواجبُ المحتومُ على القرويِّ المسكينِ، والذي لا يحفَلُ به القويُّ وابنُ الشرفِ الموروث؟
إذا كان الواجبُ ينفي السِلمَ من بين الأمَمِ، والوطنيةُ تُزعجُ سكينةَ حياةِ الإنسان، فسلامٌ على الواجِبِ والوطنية.."

-ما أحبَّ الحياة إلينا وما أبعدنا عن الحياة.. 

_____ 

في النهاية، دمعة وابتسامة كتاب يأخذك في رحلة نفسية.. تتأمل فيها الكثير من المعتقدات.. قد تختلف أو تتفق مع جبران في نتيجة بحثه إلا أن الشيء الأكيد هي أن كتاباته ستشعل في نفسك رغبةً ونشاطا.. إنها تدفعك للوصول إلى الجمال والحب والحياة. 

__________ 

المراجعة بقلم الراقم/ أحمد عبدالوهاب من فريق مكتبة ميم.