" حدث شيء هائل. على الصفحة بدأت الألوان ببقعة خضراء، ثم بنفسجية ثم برتقالية، صفراء، خضراء.. الألوان تندفع إلى عيوني.. وتندفع داخلها مثل حزمة من الألعاب النارية.. وتخترق عيوني.. وأشعر ببعض الخوف من العمى.. عقاب من يرى ما هو فوق طاقة الحواس والمسموح عادة.. وبنشوة لا حدود لها.. "


كعادة كتابات غادة، تختار عناوين جذابة. لتتساءل، هل للشيطان بحيرة؟؟ وما الاحساس الناتج عن السباحة فيها؟؟ ورجوت الله أن يكون الاسم دالاً ولو قليلاً على محتوى الكتاب.. وألا يكون مجرد مبالغة أدبية مرهفة الحس كما وجدت في "أعلنت عليك الحب".. لكن تلاشى غموض الاسم بمجرد قراءة سطور الفصل الأول.. حيث استعارته من أغنية يحكي فيها المغني عن تجربته حين تناول أقراص LSD المخدرة :

أسبح في بحيرة الشيطان..

أسبح في بحيرة الشيطان.. أعوم ولا أغرق..

ولكنني لن أكررها أبدًا أبدًا أبدًا أبدًا..


فصول الكتاب:

الجزء الأول: السباحة في بحيرة الشيطان..

 تحكي غادة السمان عن تجربتها الخاصة والجريئة مع تناول أقراص الــ (LSD) والتي حاولت توثيقها بالكتابة (الطريقة الوحيدة التي جعلتها تحافظ على وعيها)... في سلسلة من المغامرة النفسيَّة الغريبة الممزوجة بحالة من العبث والفوضى.. قائلة مثلاً:  العالم جبل رمل وأنا ذرة وكلنا نتساقط.. وهو أمرٌ لذيذ بالنسبة لي أن تقرأ عن الحوادث الغريبة وما مرتْ به، لكن لم يعجبني محاولة تبريرها لما تقوم به أو لكتابتها.. وربما يعتبر هذا التبرير لنفسها لا للناس.. قد يتضح ذلك في قولها:

أذكر نفسي بأنني تحت تأثير المخدر.. وأن لا شيء يحدث فعلاً في الخارج.. ولكن ما الفرق؟ إنه يحدث ما دمت أحسه.. لسنا في حاجة إلى شهود أو إجماع ليقرروا أن شيئاً ما قد حدث لنا حقاً.. لا يمكن جلب شهود على أحلامنا مثلاً، إنها تحدث وكفى.


ثم ترجع وتعلن أنها على الرغم من ذلك، لا تشعر بالانتماء إلى المجتمع أو للخارجين عنه.. فهي ككاتبة محكوم عليها بأن تظل في الخط الوسط بين الوعي واللاوعي.. قالت: محرمة علي نعمة الاستسلام والانتماء إلى المجتمع الشرعي نهائياً، أو الانتماء إلى عالم التخدير وآكلي اللوتس المرفوض رسمياً..


وهي بذلك لا تعرف كيف تصف نفسها أو كيف تُقيم أخلاقية أفعالها.. هي فقط تريد عيش التجربة بكل جوارحها لكي تصل إلى حدود "المعرفة" أو في أضيق الحدود " تلقي نظرة".. ويجعلني أتساءل: هل ضروري أن يجرب الإنسان كل شيء بنفسه؟؟ هل مفيد أن يتقيد الإنسان بدور معين؟؟ لا أعلم.. وربما يحتاج هذا الأمر إلى مزيد من البحث والتفكير والتحاور.


ثم ترجع وتحاول أن تزيل تُهم الآخرين عنها بقولها: " أفكر في أمر مَن يعرفون سباحتي في بركة الشيطان.. سيروعهم الأمر.. سيسارعون إلى إخراج القذى من عيني.. ولا يرون الخشبة في عينهم.. وهم دائمو الإقامة على بركة الشيطان" مقتبسة قولها من جزء في الإنجيل : "ما بالك تنظر القذى الذي في عين أخيك ولا تفطن للخشبة التي في عينيك.. أم كيف تقول لأخيك دعني أخرج لك القذى من عينك، وها إن الخشبة في عينك".


أسلوبها في حالة غياب وعيها لم يختلف كثيراً في حضوره!! باستثناء ندرة بعض التفاصيل وهي في حالة النشوة.. ملخص ما تريد قوله في هذا الجزء: أن الإنسان لا يعرف ما بداخله، وأن حواس الإنسان في أحيان كثيرة أكبر من حجم وعاء جسده المحدود.. لتتعجب من نفسها وتقول: كم أنا غزيرة!!


الجزء الثاني: لا تصلبوني من زعانفي:

وفيه تتحدث غادة عن طلبها من طبيبها بأن يبنجها كلياً في عملية تافهة (عملية إزالة حبة صغيرة في الجفن).. وهذا بسبب رغبتها في أن تعرف أين تذهب الروح في فترة الغيبوبة!! قائلةً: " ومع وخزة الإبرة بدأت تجربة جديدة مثيرة لم أذق لها طعماً من قبل". وتفسير الاسم أضحكني، أتركك تعرفه حين قراءتك للكتاب. ولكنك ستعرف كم يجلب حب التجربة على الإنسان الكثير والكثير من المتاعب التي قد لا يكون هناك جدوى منها أبداً.

تحاول غادة أن تقرب إلينا مفهوم التخدير سواء الناتج عن العمليات أو حتى الأقراص المخدرة.. فهي تقول: " سوق الجميع إلى تجربة "تخدير إجبارية" لنكون أكثر قدرة على فهم أولئك المعذبين بيننا، الذين يتكاثرون يوماً بعد يوم ويتضخمون؟ ويغرقون في عوالم المخدر بكافة أنواعه؟"


فصول الجنون- زيارة إلى مستشفى العقلاء- البيان والتبين في وصف محاسن المجانين – انزعوا القيود على المجانين:

يعتبر فصل الجنون من أفضل فصول الكتاب بالنسبة لي. حيث طرحت نظرية قرأتها من كتاب لطبيب نفسي يُدعى لينج (the politics of experience and the bird of paradiseتقول أن المجنون هو الشخص العاقل الوحيد في الحياة.. وبأن المجنون لم يستطع التكيف مع وضع مجتمعي مليء بالجنون والتضليل، وهذا هو التصرف الطبيعي (عدم القدرة على التكيف مع وضع غير طبيعي) لذلك مهمة الطب هي معالجة العقلاء وليست معالجة المجانين..

 وبأن هذا اللفظ (مجنون) هو حكم الأكثرية على الأقلية.. الفكرة أن هذا الفصل ليس مجرد دعابة تعكس المعنى وانتهينا! بالعكس، إنه يطرح بشكل جيد شعور الشخص بالانفصال تجاه المجتمع، وكيف يسلبنا نمط حياتنا الحالي قدرتنا على الحفاظ على إنسانيتنا..

- يتشابه فصل "زيارة إلى مستشفى العقلاء" مع فكرة فصل المجنون السابقة.. وتحكي غادة عن زيارتها إلى مستشفى المجانين.. بينت كيف أنها لم تتناول الأقراص المهدئة التي عادةً ما تتناولها أثناء صحبة العقلاء!!

- أما في فصل "انزعوا القيود": تتحدث غادة السمان على كتاب "القفص المطلي بالذهب".. وهو تجربة لطبيب نفسي عاش فترة من عمره في المصحة النفسيّة!! وأوضحت كيف يغيب أدب المستشفى عن عالمنا العربي، متسائلة هل يمكن أن يوجد هذا الأدب الإبداعي الذي يحاول كسر حاجز الغربة بيننا وبين مَن نسميهم "مجانين" ؟؟

ذكرتني بتساؤلها هذا برواية تسمى "نيكروفيليا" ولمن لا يعرف، نيكروفيليا تعني حب مضاجعة الأموات، وهي رواية عربية جريئة.. إلا أنها للأسف غير ناضجة تماماً.. لكن أعتقد أنها بداية جيدة للدخول إلى عالم المرض النفسيّ والاضطرابات الوجودية.. هل يوجد روايات طبية عربية أخرى تحب ترشيحها؟؟

- أما في فصل: خذوا الشعر من أفواه المجانين..

تتحدث كيف نسج المجانون أبياتاً شعرية في قمة العقل!! كأن المجانين هم مَن فشلوا في إسكات صوت عقولهم.. وأحب أن أرفق قصيدة هنا:

لا أستطيع دفع المعاناة

ما دامت قدري

ثمة ذات ثانية في داخلي

تقتل ذاتي الحقيقية

وهي في الواقع

قد قتلتها تقريبا

وما أفظع أن أشهد ذلك

إني أحبس أنفاسي

وأشهد صيحة المنتصر

تحتدم المعركة

بيني وبين "لا ذاتي"

واحدة من الاثنتين

يجب أن تمحى"

ظهرت نبرات نقد المجتمع عندها بقوة في بداية فصل " السحر عندنا: هرب من المسؤولية إلى الغيبيات" والتي تتحدث فيه عن تجربتها الشخصية في الذهاب إلى منجم فلكي.. بدافع الفضول والسخرية! وهي تعلن بكل قوة – وأنا أوافقها- إنكارها التام لعالم الأبراج الفلكية.. ويعتبر هذا الفصل من الفصول القوية في الكتاب، ويسلط الضوء على مشكلة ما زلنا نعاني منها.

لكن الغريب والذي لم أكن أعرفه، هو ارتباط السحر بالجنس. حكت غادة عن "شيخ" في بيروت تقصده الأرامل، يقابلن روح المرحوم من خلال عملية جنسية مع الشيخ.. الذي يقنعهم بأن روح المرحوم حلت فيه!! صدمت صراحةً من وجود هكذا شيء، وحين بحثت وجدت أن هذا الأمر ما زال حاضراً وموجوداً  وهناك جرائم ترتكب باسم هذه الشعوذة كل يوم.. يمكنك قراءة هذا المقال (قد لا يتناسب مع البعض)

لكن الأكثر غرابة من كل ما سبق، هي حكايتها مع العرافة "فاطمة".. والتي تستطيع قراءة الأفكار.. جزمت غادة بأن فاطمة قد قرأت أفكارها كاملة، ولم تخطىء أبدًا!! مفسرة ذلك بأن موهبة خارقة، ويجب أن تخضع لبحث علمي يفسرها!!

ووجدت أن قراءة الأفكار (Esper) تقع ضمن العلوم الزائفة عند كثير من العلماء، وهي مبحث من مباحث الباراسيكولوجي.. وأثار فضولي في أن أعرف المزيد عن هذه القصص الغريبة (قد أوافيكم بالمزيد فيما بعد، لذا، إن كنت مهتماً، يمكنك متابعتي  أو الاشتراك في قائمة مدونتي البريدية).

----------

من الفصول الغريبة التي ستقرأها في الكتاب: فصل التقمص.. الذي ناقشت فيه فكرة تناسخ الأرواح معطية أمثلة كثيرة، يمكنك قراءة قصة دورثي التي ادعت أنها كانت كاهنة فرعونية . 

تابعت موضوع التقمص (التناسخ) في فصلها التالي أيضاً: ويبدو أنها مؤمنة به حتى ولو بشكل جزئي.. ثم حكت لقاءها مع دكتور "ستيفنسون" مؤلف كتاب 20 حالة توحي بالتقمص، الذي أعلن فيه أن "لبنان" هي الدولة الأعلى من حيث حدوث ظاهرة التقمص.

لا أدري، الموضوع مربك وغريب، ولا أعتقد أننا نستطيع الجزم بأي شكل من الأشكال حول صحة هذا الاعتقاد أو التحقق من إمكانية حدوثه، لذلك يقع في مبحث الآراء، وأنا لا أحب أن أعير الآراء الكثير من الجدال.

فصل التنويم المغناطيسي:

والذي بدأته بحادثة غريبة.. وهي براءة قاتل ادعى أنه قد نُوم مغناطيسياً لإجباره على ارتكاب جريمة القتل، وحكمت المحكمة ببراءته بعد سماعها لأقوال العلماء الذين وافقوا على قدرة التنويم المغناطيسي في التحكم في الأفراد وإجبارهم على ارتكاب سلوكيات معينة!! وتتبع في الفصل تلخيصها للكثير من الكتب التي قرأتها في التنويم المغناطيسي وتحكي أيضاً تجربتها الشخصية!

 أما في الفصل الأخير: جيراننا في المجرات والكواكب الأخرى: تشجع غادة على الذهاب بعيداً بنقلها لحكايات من كتب مختلفة تقر بأن هناك حياة في كواكب أخرى، بل إن الفضائيين تواصلوا معنا في الماضي، ومدن بعلبك، والأهرامات تشهد!!

وكل هذا لا أحتاج أن أوضح أنه مداعبة ظريفة للخيال!

النهاية:

كتاب " السباحة في بحيرة الشيطان" سيأخذك لعالم ما وراء الطبيعة ويفتح لك أبواب واسعة من البحث والتساؤل.. وأعتقد أنه مسلي جداً خاصة في أجواء الذعر العام من جائحة فيروس كورونا..

بالإضافة إلى أن هناك بعض المعلومات الغريبة والتي أعتقد أنها سترضي الشخص الباحث عن الغرابة والمتطفل بداخلك!! وأغلب الكتاب، تلخيص وتجارب.. وأسلوبها كان مركزاً ومناسباً للمحتوى في معظمه.. وبعيد عن الملل.

ليس لدي الكثير لأقوله حول أمور الكتاب، حيث أنني لم أقرأ كثيراً في الباراسيكولوجي ولا أملك تجارب تنافي أو تقر ما جاء به.. سأدع هذه الأمور لك، لتخبرني فيما بعد، هل التنويم المغناطيسي مجدي؟ هل تعرف شخص مر بالتناسخ ؟ ما تجربتك مع حبوب الــ LSD؟ وهل تؤمن بوجود كائنات فضائية وتواصلها مع البشر؟ هل لديك قوة خارقة؟؟

عن الكاتب/

أحمد عبدالوهاب، طالب طب وصاحب مدونة Bookmovels التي تهتم بتلخيص ومراجعة الكتب والأفلام والروايات، اعرف عنّي أكثر من هنا.