_______________________________________

لعل الرسائل كانت ولا تزال قوام الكثير من الأعمال الأدبية ، فلو نظرنا إلى الرسالة بصفتها خطاباً سردياً ندرك أنها لون من ألوان التعبير وليست محكومة بقوالب جامدة ، ولا نستطيع أن ننكر بالمقابل أن بناء الرسالة محكوم بضوابط معينة ولكن هذه الضوابط لا تفقد الرسالة رونقها الجمالي ، ولذلك كانت عنصراً أساسياً في بناء الخطاب السردي المعاصر ، وقد صنفها الباحثون أنها جنس أدبي مستقل بذاته .

وبين أيدينا اليوم نص يعد من بواكير "أدب المراسلات " أو " أدب الرسائل " في تاريخ الأدب العربي الحديث ؛ " الشعلة الزرقاء " للأديب اللبناني جبران خليل جبران .

صدر الكتاب لأول مرة في عام 1972م ، ليظهر بعدها في عدة طبعات عربية جديدة كانت آخرها من إصدارات دار نوفل اللبنانية في عام 2017 م .

ويضم الكتاب بين طياته سبعاً وثلاثين رسالة ك، كتبها جبران للأديبة مي زيادة، واشتهرت حكاية جبران ومي حتى أصبحت أكثر قصة حب يضرب بها المثل ، حب ولد بين سطور الرسائل ومراكز البريد .

و يروى أن الحكاية بدأت عندما أرسلت مي أولى تلك الرسائل لتبدي اعجابها بمقالات جبران وخصوصاً بعد أن قرأت رائعته الأجنحة المتكسرة في عام 1912 م ، لتستمر الرسائل بينهما طيلة عقدين متتالين من الزمن ، حيث يرصد لنا الكتاب رسائل جبران بالتواريخ والأماكن حيث كان قد حط رحاله في أمريكا وكانت مي زيادة مقيمة في مصر أنذاك ، ويعد كتاب الشعلة الزرقاء بمثابة شعلة حقيقية أضاءت زوايا حياة كلا الأديبين المظلمة ، وكشفت لنا الجانب الخفي في حياتهما ، وأفرجت عن قصة حب كانت سجينة تلك الرسائل .

الشعلة الزرقاء

لو نظرنا إلى العنوان سيبدو للوهلة الأولى غريباً بعض الشيء وغير مألوف ، فعادة ما ترتبط الشعلة باللهب الأحمر ، فلماذا كان خيار جبران أن تكون شعلة هذه الرسائل زرقاء ...؟ ، بالتأكيد لم يأتِ العنوان عفو خاطر بل جاء على سجية جبران الفلسفية ، حيث قال :

" هل بإمكان الذات المقتبسة ، وهي من الأرض ، أن تحور وتغير الذات الوضعية وهي من السماء ...؟ ، إن تلك الشعلة الزرقاء تنير ولا تغير ، وتحول ولا تتحول وتأمر ولا تأتمر ".

وهنا نلمس وبوضوح أنه يقصد الروح التي صورها على أنها شعلة زرقاء ، روح الإنسان التي نجهل جميعاً ماهيتها الحقيقية تبدت أمام جبران على شكل لهب أزرق ، ومن خلال هذا التفسير ندرك أن الشعلة ليست إلا اختزال تلك العلاقة الروحية و الفكرية التي نشأت بين جبران ومي من خلال الرسائل ولم تجمعهما أرض الواقع أبداً ، بل بقيت العلاقة معلقة في السماء لا تريد أن تلامس الأرض ، فلا أرضاً جمعت العاشقين حيث فصل بينهما " سبعة آلاف ميل " كما قال جبران ، و " البحار المنبسطة " كما قالت مي .

تطور علاقة جبران ومي وإنعكاساها في الرسائل

عادة ما تكون عناوين الرسائل ومقدماتها فاضحة للمشاعر ، فلا يخفى على القدماء ذلك حين قالوا _" المكتوب من عنوانه " _ أي أن كل الدلالات ترتبط بالترويسة الأولى لنص الرسالة ، سواء جاءت على شكل عنوان رسمي أو إهداء أو حتى تحية ، وعليه ندرك تطور علاقة جبران ومي فلو ذهبنا إلى الرسالة الأولى لجبران حيث أورد فيها :

" حضرة الأديبة الفاضلة .

قد فكرت بأمور كثيرة في تلك الشهور الخرساء التي مرت بدون خطاب ولا جواب ولكنه لم يخطر على بالي كونك _شريرة _ أما الأن وقد صرحت لي بوجود الشر في روحك فلا يجمل بي إلا تصديقك فأنا أصدق وأثق بكل كلمة تقولينها لي ..."

ونلاحظ في لغة الخطاب تكلفاً واضحاً  في نص الرسالة ، أو بلغة أدق هناك رسمية موجودة بين المرسل والمرسل إليه ، حيث يخاطبها " حضرة الأديبة " ، وهذا يدلل أن هناك الكثير من الحواجز الجليدية لم تكسر بعد بينهما ، وغربة زمانية ومكانية فاللغة رغم مرونتها إلا أنها تقف عائقاً دائماً  أمام المرسل فتتحول من عفويتها وسهولتها إلى لغة إنتقائية جامدة وهذا ما نلاحظه في ختام الرسالة أيضاً حيث كتب جبران :

" هاقد انتصف الليل فليسعد الله مساءك ويبقيك للمخلص ...جبران خليل جبران "

أما في الرسالة الثانية كان الأمر أكثر صعوبة وكأن الرسالة الأولى لاقت صدىً  من مي حيث جعلت جبران يرسل نصاً أكثر رسمية ويبدأ رسالته " حضرة الأديبة الفاضلة ماري زيادة المحترمة " ويدخل إلى نصه بمقدمات مقتضبة وبدون إسهاب ، وطبعاً أورد إسمها الكامل مع اللقب ، ومن خلال قراءة النص تستطيع أن تتحسس نزقاً وسرعة واستعجالاً حتى يكمل الرسالة خلاف الرسالة الأولى التي كانت طويلة مقارنة بنظيرتها الثانية ، كما نلاحظ ذلك في خاتمة الرسالة :

" أرجوك أن تثقي بإعجابي وأن تتفضلي بقبول احترامي الفائق والله يحفظك للمخلص ...جبران خليل جبران "

وهنا نستطيع أن نتأكد أن الأنثى كعادتها يجب أن تعتلي برجها وتبتعد قليلاً حتى تشغل قلب المحب وأفكاره ، فالأنثى حتى لو كانت مي زيادة نفسها فهي بحاجة إلى بعض التمنع المزيف حتى توقع العاشق بحبالها ، ولكن سرعان ما تبدلت الأحوال في الرسالة الثالثة والتي تعتبر خطوة جبران الأولى لكسر التكليف فيكتب " عزيزتي الآنسة مي " ، وبعدها بعام تقريباً يدون الترويسة الأولى " يا صديقتي مي " و " يا مي " ، ولم يعد بحاجة لعبارات التقدير والاحترام المبالغ فيه ، حتى أنه اكتفى بأن يوقع الرسائل باسمه دون اللقب " جبران " فقط .

وكلما إزداد عدد الرسائل سنكتشف أن العلاقة باتت تأخذ علاقة شخصية أكثر حميمية ، عبارات الغزل ستزهر والتفاصيل اليومية سنراها بعيداً عن المقدمات التي استغنى عنها جبران بشكل تام وأضحت رسائله تعانق روح مي ويحكي لها عن يومياته بأدق التفاصيل وكأنه يريدها أن تشاركه عالمه الخاص فيقول في رسالته السابعة والعشرين :

" وكنت في فجر حياتي أجيء هذه المكتبة العمومية { بمدينة بوسطن } وأقف مسحوراً أمام هذه الصورة ....هلّا قربت جبهتك الحلوة قليلاً ؟ ليسكب الله نوره على هذه الجبهة الحلوة _ أمين_...جبران ."

بنية الرسائل

ما يميز رسائل جبران أنها لم تكن رسائل تقليدية ، أي أن الرسالة لم ترسل لتقدم مفعولاً إخبارياً فقط كما هو العرف ، ولذلك كما أشرنا في البداية أن الرسالة هي جنس أدبي ، استطاع من خلاله جبران أن يدون يوميات ومشاعر حقيقية ، فكل رسالة كانت موجزاً فكرياً يكشف فيه الكاتب عن جانب من جوانب حياته واهتماماته ويستفيض بلغة شاعرية سلسلة ، ونستطيع أن نقول أن الحدثية في الرسالة واضحة فهي ترقى لتكون قصة ، فلم يتوقف جبران عن الكتابة واسترسالاته العفوية في بعض الرسائل كانت تكون خلقاً إبداعياً  حقيقياً مضبوطاً بزمان ومكان الرسالة المرفق مع كل نص ، بالإضافة إلى أن المرسل إليه هو شخص ملهم وإنسجام الأفكار معه كان يولد سرداً مستقلاً يمكن دراسته ، ففي الرسالة الثانية عشر وبعد أن ختم الرسالة عاد إلى النص وكتب :

" بعد أن ختمت الرسالة فتحت نافذتي فوجدت المدينة متشحة برداء أبيض ، والثلج يتساقط بهدوء وعزم وغزارة ، فتهيبت لهذا المشهد الجليل بطهره ونقاوته ، وعدت بالفكر إلى شمال لبنان ...سأخرج في هذه الدقيقة وأمشي تحت العاصفة البيضاء . لكنني لا ولن أمشي وحدي ....جبران "

فنرى أن جبران عمل على استخدام استرجاع مكاني في السرد فمن عواصف نيويورك الباردة أعادنا إلى شمال لبنان ، ونراه يصف المشهد بدقة تماماً كما يفعل الروائيون ، فيصف الثلج بحركية بين الهدوء والعزم والغزارة ، وكأنه أراد أن ينقل المشهد إلى الورق كما يراه تماماً بأسلوب نسميه اليوم " الكتابة السينمائية " .

وعلاوة على ذلك نلمح قصص كثيرة متبعثرة في النص ، وكأن الرسالة أتاحت لذاكرة جبران استعادة الأيام الخوالي ، أو كما يسميها: "أيام الصبا"  فيكتب عن قصصه القصية بلغة سردية، ومن هنا نلمح تداخل أجناسٍ أدبية مختلفة بشكل بارز، فلا نرى انضباطاً للرسالة كما كان في البداية حيث كان يكتب بهدوء حذر كمن يسير في حقل ألغام ، بل تحولت الرسالة إلى فسحة بوح لجبران عن كل ما يدور في ذهنه فيفرغه في الورق ، فهنا يستعيد حواريةً بينه وبين أمه فيكتب في الرسالة الثانية عشر :

" وإني أذكر قولها لي مرة وقد كنت في العشرين :

_ لو دخلت الدير لكان ذلك أفضل لي وللناس

فقلت لها :

_ لو دخلت الدير لما جئت أنا

فأجابت :

_ أنت مقدر يا بني

فقلت :

_ نعم ولكن قد اخترتك أماً لي قبل أن أجيء بزمن بعيد ."

وكما لاحظنا أن جبران كان قد استخدم آليات الحوار المسرحي في القصة ، أي أنه لا يروي بهدف الروي بل يعمل على استحضار القصة كما حدثت ، وطبعاً هذا يعطي الرسالة جمالية فأنت لا تقرأ نصاً لا روح فيه  بل روح تحيط بكل السطور ، وكأن جبران ينقل قارئه إلى عوالم النص الخفية ويدخله بمرونة إلى مسالك السرد .

الخلاصة

بناء على ما تقدم لاحظنا أن جبران لم يكن كاتباً عادياً للرسائل ، فهو لونها بألوانه الخاصة وجعل من كل رسالة تحفة فنية تستحق القراءة وكأن روحه أو شعلته الزرقاء كانت تضيء أمامنا معالم الطريق ، فيتماهى جبران مع النص حتى تكاد تنسى أن ما بين يديك رسالة..  فحيناً تراه قصة وحيناً جزءاً من رواية لم تكتمل وفي بعض الأحيان مشهداً مسرحياً كلاسيكياً ، وتعيش مشاعر الحب التي كان يكنها لمي ، فإذا أردت أن تكون عاشقاً فأشعل رسالة من قبس شعلة جبران الزرقاء .

_______________________________

للإطلاع أكثر على حياة الأديب الراحل جبران خليل جبران 

المراجعة بقلم الراقم : أحمد خضر أبو إسماعيل من فريق مكتبة ميم