لأول مرة ألتقي بالأديبة غادة السمّان، ومن حسن حظي أن اللقاء الأول كان على متن " شهوة الأجنحة" في أدب الرحلات، حيث دعتني لسفرٍ مجانيٍّ معها للشرق وللغرب!

ومن اللحظات الأولى أيقنتُ كم أن الرحلة ستكون ممتعة وشيّقة!

حكت لي غادة في كتابها هذا عن رحلاتها لدولٍ أربع من شرق آسيا: تايلاند، الفلبين، الصين، سنغافورة ( بالطبع ليس بجميع مدن كل دولة منها ) .... الحقيقة أنها لم تحكِ لي بصيغة الماضي و(كان) و ( حدث) و ( رأيت) و (سمعت) ! بل هي بالفعل أخذتني معها يداً بيد وجالتْ بي في تلك الأماكن الساحرة.. وأوقفتني بجانبها تماماً حيثما وقفتْ، فأرتني بالضبط ما رأتْ.. وأسمعتْني كل ما سمعتْ.. رغم أني هنا لم أبرح مقعدي منذ فتحتُ كتابها !! صدقوني إني لا أمزح أيها السادة، فبراعة قلمها فعل ذلك وأكثر، فاستخدامها - مثلاً- أسلوب الفعل المضارع جعلها تبدو وكأنها تنقل الحدث على الهواء مباشرةً، وليس أنها كتبته بعد أن انتهى !

وهي تصف كل شيء بالتفصيل الممتع.. فتجعلك تراه مجسداً  أمامك وتلمسه وتشمّه .. وتكاد تنصت لصوت خطواتك وأنت تمشي معها في الطرقات، وتستمتع بمنظر القوارب التي تقطع الأنهار، وتشاهد الفيلة والقرود والأفاعي، وتدخل معها المطاعم السياحية التي ذكرتها وتتذوق معها الأكلات المقدّمَة، وتسمع أصوات الناس من حولك، وتستشعر كل المعاني الإنسانية التي أومأت إليها وتتأمل معها فيها، و.... وتكاد تنسى أنك في الحقيقة تقرأ بضعة حروف فقط.... !!

ثم حملتني بعد ذلك وطارت بي نحو الغرب... نحو أمريكا، وطوّفتْ بي في مدنها ومعالمها المختلفة: فلوريدا، ديزني لاند، ميامي، نيويورك، سان فرانسيسكو، لاس فيجاس، هوليوود... وكذا شلالات نياغارا في كندا.. الخ 

اقتباس من الكتاب.. 


 كتاب " شهوة الاجنحة" لغادة السمّان  في حقيقته مجموعة مقالات كانت تنشرها غادة في مجلات متنوعة مثل: مجلة "الوطن العربي" على مدار سنوات مختلفة، ثم جمعتها معاً في هذا الكتاب، في 189 صفحة بدون الفهرس، ونشرت طبعته الأولى في تموز من عام 1995م (( ولها أيضاً كتبٌ أخرى عديدة في مجال أدب الرحلات ))

وينقسم "شهوة الأجنحة" إلى قسمَيْن رئيسيّيْن أستطيع أن أسمّيهما أنا: القسم الآسيوي والقسم الأمريكي، ففي الكتاب 46 مقالة، منها فقط 10 مقالات عن رحلتها للأربع دول في شرق آسيا ( تايلند، الفلبين، الصين، سنغافورة) وهي في أول الكتاب، ثم 36 مقالة عن رحلتها لأمريكا بمدنها المختلفة ( فلوريدا، ديزني لاند، نيويورك، هوليوود، لوس أنجليس، ... الخ )

- تاريخ مقالاتها في القسم الآسيوي كان في عام 1980م ، بينما تتراوح تواريخ مقالاتها عن رحلة أمريكا ما بين 1991 و 1994 م ( مما يدل أنها كانت أكثر من رحلة مختلفة) ..

- بالنسبة لي القسم الآسيوي كان الأجمل.. وبكثيير!  تشعر فيه بروح الإنسان وجمال الطبيعة وغرائب الحياة.. الوصف فيه للأماكن وللوجوه كان حميمياً.. حتى لغة غادة السمان في كتابته كان شاعرياً أكثر... لدرجة أنني وجدت فيه عشرات العبارات بل والفقرات الكاملة الصالحة للإقتباس.. بعكس القسم الأمريكي! الذي فيه أحسست أكثر بثقل آلامها وهي تقارن بين كل شيءٍ تراه تقريباً وبين حال بيروت الخارجة للتوّ  من الحرب الأهلية اللبنانية !

في القسم الأمريكي كانت تعبيراتها جافة أكثر، طريقتها في وصف الأماكن تقريرية اخبارية أكثرَ منها شاعرية أدبية، لم أجد الكثير مما يصلح للاقتباس، الوصف بدا أكثر تجريداً من المشاعر، متجهاً أكثر للحديث عن الأماكن والمتاحف والحدائق الاصطناعية والمباني والحجر... ! في القسم الأمريكي ألقت مأساة لبنان وبيروت بظلالها على تفكيرها ولغتها و"سياحتها" أكثر...

" تتابع قضم تفاحة السفر بهدوء، لكن أفعى النسيان لا تلدغك للأسف، ثمة دائماً لقمة لها طعم الدمع المالح اسمها بيروت.. تُطفئ النور وتتابع التهام تفاحتك في الظلام"


اقتباس من " شهوة الأجنحة" يُدلّل على جمال أسلوبها وصورها الفنية 


- في الكتاب يتبين لنا بجلاء أن سياحة غادة في البلاد كانت للتأمل في أحوال البشر في كل مكان أكثرَ منها للتأمل في المواقع والمعالم السياحية ! في كل موقف يمر بها، في كل شيْءٍ تراه، في كل جولة تقوم بها كان ذهنها يعمل على التقاط أحوال الناس.. بسطاء الناس خاصةً.. فيما وراء ابتساماتهم، وما وراء الأنشطة السياحية التي يقومون بها لجذب السواح.. كان دائماً يؤلمها الفقر، التناقض، الجهل، الذل، الطبقية، سيطرة الوثنية، عبودية الدولار، والعيش في المباني المعلّبة بدلاً من المساحات الطبيعية الفسيحة....

فحين تحدثت مثلاً عن الرجل الذي يقوم بحركات خطرة مع تمساحٍ ضخم لجذب تصفيق السياح وأموالهم:

" ما الذي لا يفعله الإنسان لتحصيل قوته وقوت أسرته! ويا لها من مهنة خطرة حين تدخل رأسك داخل فم التمساح لتلتقط رزق أطفالك! .. لعن الله ذل الفقر! "

" الوثن من ذهب وماس.. والناس جياع، والقلب لا يملك إلا غصة حزن أمام أي امتهان لإنسانية الإنسان في أي موضع من كرتنا الأرضية، وتحت أي شعار.. " 

 في حديثها عن تماثيل بوذا المصنوعة من الذهب الخالص بينما عُبّادها من تلك الشعوب ترفل بالفقر!


" الرحيل من نيويورك إلى شلالات نياغارا هو كالرحيل من داخل علبة سردين جهنمية عملاقة محكمة الإغلاق عليك إلى الفضاء الرحب، خروج من زمن الإختناق إلى زمن المدى، هرب من مسيرة النمل وطوابير الدود بين ناطحات السحاب إلى تحليق العصفور "

وفي الكتاب تتضح بشكل لا مراء فيه ثقافتُها الكبيرة في مجال القصص العالمية والكتب وأقوال الكُتّاب الغربيين -الفرنسيين خاصة- والأفلام العالمية الشهيرة والأساطير الرومانية القديمة و.. و.. لأنها كثيراً ما تقتبس منهم مفردات وأسماء واقتباسات لتحيكها مع عباراتها ووصفها وتأملاتها ، بطريقها جميلة غير متكلفة....

أما الإهداء الذي كتبته فكان وحدَه ابداعاً يشي بمواضيع الكتاب لاحقاً ، وعلاقة اسمه بمحتواه، فركوب أجنحة الترحال لاستكشاف البلاد والاستئناس بالعباد، شهوةُ نفسٍ وإغواءٌ رائعٌ ممتع لا يقاومه إلا قِلةٌ من البشر.. تماماً كالحرية ورفض القيْد .......

الإهداء:

أهدي كتابي هذا إلى ابن بطوطة والسندباد

وبقية أجدادي الحقيقيين والأسطوريين

الذين كابدوا شهوات الأجنحة ورعشات الحرية..

إليهم من حفيدة وفية .. 


وفي أول مقالة لها في القسم الآسيوي – وأول مقالات الكتاب ككل- ( شهوة المجهول في الشرق الأقصى ) تنجح في جذب كل حواسك معها، كما قلتُ قبل قليل: تأخذكَ معها! تتحدث عن كون هذه اجازتها الأولى من العمل الصحافي وأنها اختارت عمداً أن تقضيها في الشرق بعيداً عن كل ما يمكن أن يذكرها بمأساة لبنان.. لكنها في الحقيقة تكتشف أنْ لا الإجازة ولا السفر ولا البعد لأقاصي الأرض يُنسي المرء أوجاع وطنه ! فهو يحملها في قلبه أنّى ذهب..!

وفي أول مقالة لها في القسم الأمريكي ( فلوريدا منتصف ليل النهار) نجدها تقارن بين الحضارة الإسلامية في الأندلس الغابرة والحضارة الأمريكية، بمناسبة مرور 500 سنة على غروب شمس الأولى واكتشاف أرض الثانية.. (( المقالة مكتوبة في عام 1991م )) 


 
بداية أول مقالة من كتاب " شهوة الأجنحة" 


ورغم أن غادة في كل مقالات كتابها هذا تمزج بين التأملات الشفيفة للإنسان أكثر حتى من وصفها للمكان... فإن آخر المقالات كانت تحمل من ذلك جرعةً زائدة، فأتتْ تحمل طابعاً إنسانياً تأملياً أكثر منه حديثاً عن مواقع سياحية بعينها!

مثلاً: مقالة: ( ذات تزلج في سنترال بارك ) تحدثت بإسهاب عن المعاقين في أمريكا وتقبل المجتمع لهم، وإعطائهم مساحتهم الكبيرة من الفرص، وشجاعتهم في تجاوز اعاقاتهم الجسدية وانجازاتهم المبهرة، وفي مقالة ( إذا ) تشعر أنها أقرب لخاطرة طويلة ومجموعة تأملات متتالية عميقة عن حالة لبنان بعد الحرب الأهلية وذلك فَوْرَ أنْ رأتْ في أحد شوارع لندن ووسط المحلات الإنجليزية الكبيرة الأنيقة محلاً عربياً صغيراً منزوياً، مغلقاً وعليه الغبار ومعروضاً للبيع!

وأما آخر مقالات الكتاب: مقالة (VIP ) عن المتحذلقين الكذابين "المُتَمَنْظِرين" بما لا يملكون، وقصتها مع أحدهم عند عودتها إلى باريس، وهي قصة طريفة حقيقة .......... 

من مقالات كتاب "شهوة الأجنحة"  عن بعض ما رأته  في أمريكا 


أعجبني جداً حرف غادة السمان، أسلوبُها الأدبيّ الشيّق، خيالُها المفرط والذي نتج عنه صورها الفنية المبهرة، راقني فِكرُها المبثوث في ثنايا تأملاتها هنا، احترمتُ جداً مشاعرَها تجاه الإنسان حيثما التقتْ به... كم كان شفافاً وراقياً وجميلاً ومؤثراً وحقيقياً وعميقاً وصادقاً ما تتوصل إليه من نتائج في حديثها لنفسها وتأملاتها في المكان والزمان والإنسان والذكريات حيثما سافرت وأنّى مشت.....

" ثمة أشخاص يحرصون على النسيان، وهذا حقهم، لكنني من الذين يجدون الذاكرة واجباً روحياً في العلاقة مع المدن على الأقل "

في "شهوة الأجنحة" ستجد المتعة، والفائدة، وسيتسع أفقك بالاطلاع على ما لدى الشعوب الأخرى، وسيكون لديك شيء جيد من التنوع الثقافي، وستنجح غادة السمّان بتشويقكَ للسفر.. خاصة باتجاه شرق آسيا حيث سحر الطبيعة وسحر الشرق......

اقتباس جميل  من كتاب "شهوة الأجنحة" 


هذا المقال بقلم الراقمة: إنعام عبد الفتاح من فريق مكتبة ميم.

للمزيد عن حياة غادة السمان : هذه المقالة الرائعة 

 وانتظروا هذا الشهر الجميل  ومراجعات كتب وروايات هذه الأديبة المتميزة القلم..   مع فريق مكتبة ميم