"- لا دنيا عندي بلا دين.

= وهل دين بلا دنيا؟

فتراجعت قائلةً:

- ولا دين بلا دنيا " –اقتباس من العائش في الحقيقة.

"العائش في الحقيقة" هي رواية تاريخية لنجيب محفوظ استطاعت خلق رغبة عميقة بداخلي للتعرف على التاريخ المصري القديم.. وخاصة حكاية الملك "إخناتون" ذلك الملك الذي نبذ الحرب ودعا إلى عبادة إله واحد.

ومعنى إخناتون: هي الروح الحية لآتون (الإله الذي دعا إليه امنحوتب الرابع الذي غيّر اسمه فيما بعد إلى "إخناتون").

مضمون الرواية:

أُسست رواية العائش في الحقيقة على رحلة بحث قام بها "مري مون" الشاب الذي أذهلته المدينة المهجورة (أخت آتون أو إختاتون تلك العاصمة التي اتخذها إخناتون مقرا له) وسأل أباه عنها فأجابه " مدينة المارق، المدينة الكافرة الملعونة، يا مري مون.."

فاشتعلت في نفس مري مون الرغبة في معرفة المزيد عما حدث.. فيذهب في رحلة يقابل فيها مَن عاصروا الملك ليحدثه كل واحد منهم من وجهة نظره عن ذلك الملك المؤنث الشكل وقبيح المنظر الذي تحدى ديانات مصر القديمة ونادى بتوحيد الآلهة ونبذ الحرب حتى شارفت مصر على الاقتراب من حرب أهلية..

صورة لإخناتون مع زوجته

الأسلوب:

نلاحظ فيها نضج أسلوب نجيب محفوظ وسهولته العذبة.

  الحوار جميل جدا ويسير بتسلسل منطقي. لم يستغرق نجيب محفوظ في الأوصاف كثيرا، خاصة فيما يتعلق بالهندسة أو شكل المعابد أو المباني أو نمط الحياة السائد آنذاك، وهو ما منعني من التخيل اللازم لاستحضار أحداث الرواية، فقد كانت تدور بشكل ضبابي نوعا ما في مخيلتي.

تحدثت رواية "العائش في الحقيقة" عن أهمية الدين بالنسبة للمصريين القدماء، وكيف كان يستخدمه أو يستغله الحكماء والكهنة في دعم استقرار البلاد ونفوذهم حيث يجب على الحاكم الإيمان بجميع الآلهة حتى ولو أبطن كفره بهم.

استندت على بعض الحقائق كــ:

- زواج الملك من نفرتيتي.

- جمال نفرتيتي.

- دعوة إخناتون لديانة جديدة توحيدية.

- تغيير اسمه.

- بناء عاصمة جديدة كليا ( أخيتاتون بالمنيا).

- عزوف الملك عن الاهتمام بالسياسة

- ترك الأمور السياسية لإدارة نفرتيتي..

- ظهور أدب جديد (وهو أناشيد عبادة الإله الواحد آتون).

- الشك في وجود علاقة غير شرعية بينه وبين أمه "الملكة تي" (والتي جاءت من معارضيه)، وهي علاقة مشكوك في صحتها تاريخيا أيضا.

 ونظرا لأنه من الصعب وصف مكان لم نزره  والحديث عن مجتمع لم نعش فيه  فكانت الأوصاف في" العائش في الحقيقة" غير كافية للتخيل الشامل..  ورأيت نهاية الرواية سريعة مقتضبة لم تتناسب مع تعطش مري مون للحقيقة أو رحلته الطويلة في البحث عنها..

أعجبتني شخصية "مري مون" حيث كان يلتزم بتوجيهات أبيه، ويسمع كل الآراء حتى شَكل رأيه في النهاية.. ليعود إلى أبيه بعد رحلة بحثه ويخبره بكل ما عرفه إلا أنه يخفي عنه أمرين:

- ولعه المتزايد بالأناشيد.

- وحبه العميق لنفرتيتي (السيدة الجميلة).

نفرتيتي

طريقة عرض الرواية ممتعة جدا.. ففي النهاية، فكرة تلقي حدث واحد أو حكاية واحدة من أكثر من زاوية هي بلا شك فكرة محفزة! حيث اعتمد نجيب محفوظ في العائش في الحقيقة على الحكاية نفسها ونفس المحاور الأساسية التي يبحث عنها "مري مون" عند كل لقاء ولكن من وجهة نظر مختلفة تبعا للمعارضة أو المساندة للملك.. وهو ما كان يضع "مري مون" والقارئ في حيرة لذيذة، أيختار تصديق المعارضين أم المساندين؟؟

واقتضى هذا الأمر بكل تأكيد بناء أبعاد للشخصيات بطريقة جيدة.. لم تخل من الاقتضاب والسطحية بعض الشيء ولكن بشكل عام كانت الرواية نسيجا مكتملا.

نرى صوفية غريبة على ذلك العصر.. وتجسدت في كثير من الجمل مثال ذلك:

- ( لا يوجد سرور خالص إلا في العبادة)

-( ليلة أمس أسكرني الشوق بلا خمر)

-(كالعروس المتجلية)

- (حلقت بي نشوة آسرة في الفضاء).. وهو ما أفقدني معايشة القصة بكل خيالي لأن بعض الجمل أتت غير مناسبة للعصر..

________________

جعلتني "العائش في الحقيقة" أفكر في تأثير الحرية الدينية على حكم البلاد.. ولماذا لم يقبل الملك "إخناتون" بالحرية الدينية في مصر؟؟ لماذا أمر بهدم المعابد الأخرى ومنع عبادة الديانات الأخرى؟ ( تنبيه: هذا بالنسبة لأحداث الرواية لا كمعلومات تاريخية!) مما جعلني أقتنع بأنه بالفعل غير مناسب للحكم.. فبلد يحكمها القوة يصعب أن تتحول بين ليلة وضحاها إلى أمة متسامحة تؤمن بالحب إيمانها بالسلاح..

كما ناقشت الرواية فكرة الموت.. وأهمية وجوده في الحياة.. حيث سأل "إخناتون" بأسى خاصةً بعد ما تعرض له من أزمات نفسية لموت أخيه ثم ابنته.. " لم هذا الجهد كله طالما أننا كلنا سنموت؟" ولم تتعرض الرواية فيما بعد للإجابة مطلقا.. وتركت القارئ يبحث عن إجابته الخاصة.

كما بيّنت الرواية مكانة المرأة المصرية قديما.. حيث أعلن بعض المعارضين أن من كان يدير الحكم في الحقيقة هي الملكة "تي" وبعضهم قال "نفرتيتي".. كأنها محاولة إسقاط من نجيب محفوظ على الإلهة إيزيس حين قالت "أنا أم الأشياء جميعا، سيدة العناصر وبادئة العوالم، حاكمة ما في السماوات من فوق، وما في الجحيم من تحت، مركز القوة الربانية. أنا الحقيقة الكامنة وراء الآلهة والآلهات"

وتكمل كأنها دلالة على هيئة إخناتون المؤنثة الغريبة " عندي يجتمعون في شكلٍ واحدٍ وهيئةٍ واحدة "

إخناتون في طقوسه الدينية

______________________________________

-تشابه "العائش في الحقيقة" مع القصص الدينية:

حيث دعا إخناتون إلى عبادة إله واحد لا يتجلى في تمثال أو معبد.. ورفض تعددية الآلهة والأديان بل وحتى الاعتراف بشرعيتها قائلا " أنا المؤمن الوحيد في بلد من الضالين".. معلنا بذلك الحرب على الكهنة وخاصة كهنة آمون، وهم يعتبرون قوة مركزية أساسية في استقرار البلاد.. وبرضاهم يتحقق الاستقرار والعكس..

لكن لم يستوعب وعي العامة فكرة "إله واحد" يقوم بكل شئون الحياة.. رافضين الفكرة تماما لأنه كما لكل إنسان مهمة خاصة، ولا يعقل وجود إنسان ضليع بكل المهمات.. كذلك لا يوجد إله واحد بيده تجري كل الأمور!

كأن لسان حالهم يقول " أَجَعَلَ الْآلِهَةَ إِلَٰهًا وَاحِدًا ۖ إِنَّ هَٰذَا لَشَيْءٌ عُجَابٌ "
(
سورة ص، 5).

فنعت إخناتون بالجنون والردة.. من أجل ذلك كُتب على حكمه بالضياع وعُزل وتولى الملك توت عنخ آمون.. وسرعان ما وافت إخناتون المنية (وشك مؤيدوه باغتياله).. وتفرق الناس من بعده.. منهم مَن احتفظ بولائه وبقي على توحيده.. ومنهم من عاد إلى الشرك.. وهي قصة تذكرنا بكثير من القصص الدينية التي عارض فيها القوم الدعوات الجديدة خوفا على ضياع مصالحهم الشخصية..

وبذلك جسدت الرواية القلوب العطشى للحقيقة (إخناتون- آي- ماري مون- نفرتيتي – بك- مري رع... الخ) والقلوب التي لا تعبد إلا مصلحتها (كاهن آمون- تادو خيبا- توتو.. الخ) وهذه حال الدنيا قديما وحديثا!

أجمل اقتباس من العائش في الحقيقة:

- مولاي، أيمكن أن ينتصر الشر؟

فرأيته يغيب ثم يرجع ليقول لي:

= الخير لا ينهزم، والشر لا ينتصر

 ولكننا لا نشهد من الزمان إلا اللحظة العابرة، والعجز والموت يحولان بيننا وبين رؤية الحقيقة.


كتب هذه المراجعة الراقم/ أحمد عبدالوهاب من فريق  مكتبة ميم