رواية " ليطمئن قلبي" الصادرة حديثاً جداً ( صدرت قبل أقل من شهر فقط ) للكاتب أدهم الشرقاوي .

رواية جميلة، ممتعة، وثرية جداً بالنقاش الفكري الراقي، وبالحكايا الإجتماعية والإنسانية الهامة ، حتى أنكَ تحتار في تصنيفها أهي رومانسية، أم اجتماعية، أم فكرية عَقَديّة أم هذا كله في بوتقة أدبية جميلة جداً اسمها رواية : " ليطمئن قلبي" ..... ! 


 رواية تبتدأ من النهايات ثم تعود بنا أدراجها نحو سرد البدايات !

تبتدأ بالبطل وهو يكتب رسالة طويلة لمن كانت حبيبته، يُنبئها فيها بإنهاء كل ما بينهما من ود وحب.. فتتشوق أنت كقارئ لتعرف لِمَ؟ وكيف ابتدأت علاقتهما في الأصل؟

يكتب لها - في 338 صفحة هي مجموع صفحات الرواية- رسالته الطويلة ليذكرها بكل الحكاية .. حكاية حبهما السابق .. من أولها لآخرها !


وفي الأثناء يتحدث عن الحافلة الخاصة التي جمعته بها أثناء ذهابه لجامعنه وذهابها لعملها.. وجمعتهما أيضاً مع كثير من الناس المشتركين فيها، بمختلف أعمارهم وأعمالهم وأماكن صعودهم ونزولهم من الحافلة، مما مكنه من الاطلاع على أفكارهم وحكاياتهم وآلامهم وآمالهم.

فيذكر قصصهم وحكاياتهم التي رووها له على مدى الأشهر الطويلة التي جمعتهم في هذه الحافلة ذهاباً وإياباً..


** تتميز الرواية

  بأسلوبها السهل الممتع جداً في السرد، ولأنها على شكل رسالة من البطل يكتبها للبطلة يحكي لها ذكرياتهما معاً ، أو ما سمعاه وشاهداه من حكايا الناس في تلك الحافلة، ولأنها كذلك فقد راقت لي جداً ... فأسلوب الرسائل من أكثر الأساليب الأدبية المحببة إليّ وأكثرها ملامسةً لمشاعر القارئ وتنشيطاً لذهنه وربطه بالشخصيات وإدخاله لأعماق ما يدور في نفسها ....

وأدهم الشرقاوي في روايته هذه " ليطمئن قلبي " يستخدم ذات الأسلوب الذي سبق واستخدمه في روايته - التي لا تقل جمالاً - " نطفة" ..

  أعني أسلوب سرد الرواية بشكل رسالة طويلة يكتبها شخص لآخر يحكي له فيها كل الحكاية....



 ** ومن ميزات الرواية أيضاً   

 في رأيي، أنها وإن كان لها موضوع أساسي إلا أنها أيضاً تطرقت - وبما لا يسرب الملل للقارئ - لمواضيع عديدة متنوعة يصلح كل منها موضوعاً لرواية مستقلة بذاتها ! وتناولت كل موضوعٍ منها بطرق سرد فنية مختلفة .

فقد تحدثت رواية " ليطمئن قلبي" عن قصة الخالة آمنة المريضة بالسرطان الصابرة الراضية، والتي تتقن سرد حكايات الجدات.

وتحدثت عن الحب بمفهومه العام الواسع ومفهومه الخاص.. من وجهة نظر العشاق، و مفهوم الحب من النظرة الأولى، والفرق بين الصداقة والحب، والحب في مفهوم الإسلام وأقوال وحكايات الصالحين والعلماء حوله ،، وفلسفة كل ذلك بأسلوبٍ شاعريّ جميلٍ جداً وبكلامٍ منطقي عقلانيٍّ في ذات الآن !

واستغرق الحديث عن هذا الصفحات المئة الأولى من الرواية !

و تحدثت أيضاً - وعلى هذا كان تركيز الرواية وموضوعها الأساسي- عن النقاش الفكري الذي كان يحدث على جولات وصولات بين هشام الصحفي المتشكك دوماً بالدين والمعترف لاحقاً بإلحاده ، و ماهر طالب الشريعة الواعي الذي يرد على هشام ويجيب عن تساؤلاته ويفند شبهاته مازجاً بين العقل والمنطق والأسلوب الراقي المهذب في إقناع الخصم ..


** وفي هذه الأجزاء من الرواية كان أدهم الشرقاوي يبدع أيّما إبداع في عرض السؤال ذي الشبهة بكل تفاصيله وحيثياته وجوانبه بكل أمانة ، ثم يبدع أكثر في الرد عليه بردودٍ مفصّلةٍ واضحةٍ حاسمة ومقنعةٍ عميقةٍ ومبسّطةٍ جداً لكل من يقرأ وبالأمثلة الحية من الحياة.. ( وهي ردود صحيحة مقتبسة من ردود العلماء المسلمين المتخصصين ) وكل ذلك في قالبٍ أدبي لا يُمَلّ منه أبداً ...


 وتحدثت الرواية أيضاً عن أفكار الرأسمالية والشيوعية، والفروق بينهما، وآثارهما الايجابية -على قلتها- والسلبية ، على حياة الناس ! وتوضيح الفروق الجوهرية العديدة بينهما وبين الإسلام كنظام حياة متكامل، ونظام اقتصاد عادل ..


 وتحدثت عن الأسر  البسيطة التي كانت في الماضي، حيث الكلمة الأولى  والأخيرة للأب ولو كان ظالماً ! من خلال قصة العم أحمد مع والديه في صغره ، وفقده بصره صغيراً لجهل الناس بالطب حينها، ثم كفاح أمه العظيمة لإخراجه من عقدته و..


 وتحدثت عن حلم الإنجاب والأمومة لدى من حُرِمْنَها، وما يعتريهن من أحاسيس، وما يواجهنَه في المجتمع حولهن من الأمهات الأخريات !! وعلاقاتهن بأزواجهن الصابرين على عقمهنّ، كل ذلك من خلال قصة ريحان...


 و تحدثت الرواية عن الكتابة والقراءة، ودور الكاتب في تكثير العارفين بالحقيقة - أيّ حقيقة - والمدافعين عنها، كما وابداعه في تجسيد شخصيات رواياته حتى لكأن القارئ يراها بجنبه في أرض الواقع ويستشعر آلامها وآمالها ....


 وتحدثت في الأثناء عن تلك النوعية من الآباء والأمهات الظالمة والشرسة مع أبنائها وبناتها !


وكذلك حكاية ذاك الطفل الذي قتل أمه خطأً وهو يعبث بالمسدس حين كان في الخامسة من عمره، فظلت عقدة الذنب ترافقه عمره كله وقد جاوز الأربعين .....


وفي ما بين السطور أشارت للكثير من المواضيع الاجتماعية والإنسانية غير ما سبق.....



ويظل عنصر التشويق حاضراً للقارئ طوال الرواية ليعرف كيف ولماذا حدث التباعد بين قلبَيْ البطلَيْن ، وليعرف ما نهاية جولات النقاش بين هشام وماهر ، وهذا ما يتبينه بجلاء مع ختام الرواية،، 

حيث نكتشف أن سبب نهاية علاقة الحب بين "كريم"  و "وعد"  صادمٌ للغاية، مما يثير حنقكَ وغضبكَ كقارئ على أحدهما، بل واشمئزازك منه .. ! 

بينما تنفرج أساريركَ على آخرها حين تتبع ختام النقاشات الفكرية بين هشام وماهر.. حيث نستمتع برقي النقاش وجمال الحوار  وعمق الإجابات وجمالها فتصل كقارئ لمرحلة اطمئنان القلب وحبه أكثر للشرع الحكيم،، ووثوقه أكثر وأكثر  بموعود الله .... 

  بقلمي:  #إنعام_عبد_الفتاح

** أتممتُ قراءتها : الجمعة: 27 / 9 / 2019 م

وكتبت هذه المراجعة: السبت : 28 / 9 / 2019 م الساعة: 2:25 ظهراً