" هي الحياة الإنسانية الأصيلة، جربها بشجاعة إن استطعت، اقتحم الأبواب بجرأة، لا تتمسكن فكل ما تحتاجه هو حق لك، هذه الدنيا ملك للإنسان، لكل إنسان، عليك أن تتخلى عن عاداتك السخيفة، هذا كل ما هنالك..." – قلب الليل

_________________________________

مضمون رواية قلب الليل:

يحكي نجيب محفوظ عن مراحل حياة جعفر. بداية بمرحلة الطفولة- أو كما أسماها جعفر بالأسطورة!- حيث كان طفلا يتيما مع أمه الفقيرة، وحينما تموت يأخذه جده الغنيّ- الذي قاطع والده حينما تزوج من أمه- ويعلمه في الأزهر.

(وقف جده أملاكه للأوقاف. وأصبح جعفر شحاذا على باب الله يطالب بالوقف)

وتستمر العادات السخيفة حتى يتركه زاهدا في أملاكه بحثًا عن الحرية ويتزوج من "مروانة" البنت الغجرية. تنطفئ الرغبة ويجد نفسه في علاقة حيوانية فيطلقها. لتتغير حياته برغبة غير عقلانية مرة أخرى، فيتعرف على "هدى" الثرية التي تكبره وتشجعه على دراسة الحقوق والعمل.

وفي مكتب المحاماة، تتملكه السياسة فجأة بعدما سيطر عليه العقل، وفي نقاش سياسي حاد يقتل أحد أصدقائه من أجل مذهبه السياسي الجديد، كان يقتل " رجلا أذكى مما يجب" في قمة التناقض بين ما كان يدعيه بأن العقل هو الغاية ويجب أن نخول له كل أمورنا ولا ندع عواطفنا تدفعنا لطرقها.

ويدخل جعفر السجن ليخرج بعد مرور عقود هزيلا، بائسا، يطلب أملاك جده التي صارت "وقفا". ويعرفه موظف الوقف لأنهما أبناء حي واحد، ويطلب منه أن يحكي له حكايته المليئة بالإثارة!

" وقف خيري، حرمان من الميراث، هكذا فعله دائما مزيج بين الخير والشر، ها هو ذا يمارس سلطته ميتا كما مارسها حيا، وهأنذا أكافح في موته كما كافحت في حياته.. وحتى الموت.. "


 قلب الليل


امتلأت قلب الليل بتعابير ومقولات رائعة مثل:

(- ولكنك لا تفرق بين الحقيقة والخرافة.

= لا توجد خرافات وحقائق، ولكن توجد أنواع من الحقائق تختلف باختلاف أطوار العمر وبنوعية الجهاز الذي ندركها به).

- قال بصوت خشن عالي النبرة يتجاهل قصر المسافة بين وجهينا وصغر حجم الحجرة الغارقة في الهدوء.

- ولعل عذابه ناشئ عن مثاليته المفرطة.

- لا خير في خير يقوم على الشر.

- لقد دفنت أكثر من شخص عاشوا في جسدي متتابعين ولم يبق إلا هذه الخرابة.

- من ناحية فللقتل ما يبرره دائما، ومن ناحية أخرى فلا شيء يمكن أن يبرر القتل!

- أكره فكرة الزواج كبديل للخوف من الخطيئة.

(-جدي من رجال الله.

=( يجيبه قريب مروانة السفاح): نحن رجال الله حقًّا، الله المنتقم الجبار خالق الجحيم والزلازل. انظر إلى هؤلاء (مشيرًا إلى معسكر المتشردين). إنهم رجال الله، صورة منه في جبروته وانتقامه”.)

________________________

تحليل الرواية:

قلب الليل عبارة عن حوار بين جعفر وموظف في وزارة الأوقاف والذي لا تضح العلاقة القوية بينهما لدرجة أن يقضوا كل هذا الوقت معا، ما الذي أجبر "موظف الوقف" للاستماع لهذه الحكايات في جلسة واحدة؟!

حتى حينما حاول نجيب محفوظ أن يبرر منطقية العرض قائلا على لسان الموظف " توثقت العلاقة بيني وبين جعفر. كان في وحدته على استعداد حاد للالتصاق بمن يشجعه ولو بابتسامة، وكان يشجعني على المغامرة شعوري بأنها عابرة سريعة الزوال..." لكن هذا برر السياق ولكن لم يبرر شخصية الموظف!

فنحن نجد في الرواية بناء جيد لشخصية جعفر إلا أن شخصية الموظف تتلاشى كليا، فشخصيته سطحية، غير محددة الملامح ولا الرغبات. وكيف عرف "جعفر" على الرغم من أنه لم يره؟ مِن اسمه؟ هل اسمه يفيض بكل هذه الشهرة؟ فلو افترضنا صحة ذلك، لماذا لم ينوّه نجيب محفوظ على شهرة جعفر حتى تناقلتها الأجيال؟ وهل هذا يبرر قول الموظف له " إني أتذكرك جيدًا" في بداية الرواية؟!

من ناحية أوصاف الرواية فهي مختصرة ومركزة، توقعت قبل قراءتها أن يكون الحوار قليلا، وتفاجأت أن ما يحكي القصة أصلا هو الحوار. وعلى الرغم من ذلك كان هناك تداخل في الحوار بين "جعفر مع الموظف" و حواره مع صديقه محمد شكرون.

وجدت تشابه بين "أولاد حارتنا" و"قلب الليل". فالجبلاوي في أولاد حارتنا طرد أولاده من البيت الكبير ذي البساتين. وجَدُ جعفر قاطع ابنه الوحيد وطرده من بيته العظيم بعدما أراد الزواج من امرأة لا أصل لها ولا نسب.

نرى تجسد الحياة النمطية القديمة. فالتعليم كان أزهريا، والسفر للتعلم أو السياحة في فرنسا، البيوت على التصميم القديم المتميز بالبساتين والأسوار. صراع الطبقات الذي تمثل في غضب الجد وقطع الصلة بينه وبين والد جعفر وجعفر على التوالي. اختلاف تعاطي المرء مع الدين على حسب المستوى الاجتماعي والمادي (كان دين أم جعفر الفقيرة هو دين الأسطورة والمغامرة والشبح أما جده المتعلم فدينه العلم والجد).

نجيب محفوظ


أجاد نجيب محفوظ خلق أبعاد شخصية جعفر وبنائها لكن تبقى بعض أهم التغيرات المحورية غير مبررة ولا منطقية كأنها تظهر بطريقة عبثية تتلاشى دائما مع الدين أو العلم الذين كانا يسيطرا على جعفر في انتقالات حياته. فزواجه من "مروانة" الغجرية بعد نظرة خلقتها الصدفة غير منطقي. وزواجه أيضا من "هدى" بعد نظرة خلقتها الصدفة غير منطقي. وقتله لصديقه الأذكى منه دون دليل واضح بالخيانة غير منطقي.


ولم تستوعب الجمل الفضفاضة الأخرى تحويلي إلى إيجاد تبرير لهذه الأحداث الفارقة غير أن المواطن الحديث قد يهجر الدين متمثلا في هجر جعفر لجده ويقتل باسم العلم كما قتل جعفر صديقه ليندم ويتمنى جزاء الله المتمثل في تركة جده. وهكذا لا تخرج قلب الليل عن معنى أولاد حارتنا.

ما رأيت في جعفر إلا شخصا يكره الوسط ويهوى الحلول الجذرية، شخص متناقض، يرفض أملاك جده صغيرا، ويتذلل بالسؤال عنها كبيرا، يحب الجنون والمغامرة غير أنه لا يجد تلك الأشياء إلا في العصيان والتمرد الأعمى، فهل نحن كلنا "جعفر" بطريقة ما؟

نجد أن الجد يحاول دائما الزام أبنائه بأفكاره واختياراته في الحياة وإذا عصوه يتخلى عنهم بكل سهولة معلنًا قطع المعونة والصلة بينهما، لكن حينما يرضونه، يتنعمون في أملاكه وحدائقه. وهنا ينشأ صراع خفي مرموز إليه في الرواية، هل مَن يسدي إلينا معروفا أو مَن يتحمل أعباءنا المادية كالأب أو الأم أو الجد أو أي أحد آخر له الحق في أن يتحكم في حياتنا لأنه مَن "يصرف" علينا؟ هل له الحق أن يقهرنا إذا فعلنا ما لا يريد؟؟


ربما يرمز هذا الصراع إلى فكرة دينية بحتة، نشأت من عصيان آدم لله، فعاقبه الله بالخروج من الجنة.. وجعفر من بنى آدم، فكأن الكاتب يقص هذا الصراع الذي تحمله جعفر بعدما اقترب من مروانة التي قد ترمز إلى الانحطاط والانسياق نحو نداءات الشيطان. وكيف أن حبه لجده لم يستطع أن يكون حبا خالصا لأنه لم ينسَ عقوبة والديه على يد جده بأن عاشا في العذاب والفقر.


" إن جانبا من نفسي يتعقب جدي بالانتقام، وإن حبي له ليس حبا خالصا تماما، وإنني لا أريد أن أنسى تماما مأساة والدي).


فكرت في الأسباب التي جعلت من زواجه الثاني ناجحا على الرغم من بدايته المتشابهة مع الأول، فعقدت مقارنةً بينهما:

أسباب فشل الزواج الأول:

1- لم يكن متاحا في المنزل، فهو إما في العمل أو نائم.

2- عمله غير المستقر والمخزي (حتى إن امرأته سخرت منه وتعجبت كيف يعيش رجل من حنجرته!)

3- اختلاف المستوى الثقافي والاجتماعي والمادي بينه وبين مروانة (كانت تكره البيت، أهلها لصوص وغجر، وهو متعلم أزهري ابن الراوي (جده الغني)).

4- توهمه أنه صاحب فضل بأن ترك جده ليتزوج مروانة.

أما أسباب نجاح الزواج الثاني فربما تكمن في:

1- تشابه المستوى الثقافي والاجتماعي بين هدى وجعفر (فكلاهما متعلمان وأغنياء الأصل).

2- لأنه وجد عملا جديدا (وهو التعلم وإدارة الأملاك).

لم يذكر جعفر أي موقف أو حكاية له مع أولاده في الزيجتين، وأعتقد أن هذا عيب في رسم أبعاد الشخصية.

___________________

شعرت بأن القصة الثانية تشابه قصة النبي محمد، وهذا ما أكدَّه فيما بعد بقوله في ص100 (خطر لي ذات مرة أنه توجد أوجه تشابه بين حياة النبي وحياتي...).

بداية من صفحة 88، شعرت بأن جعفر يتكلم كأنه يقرأ من كتاب، لم يكن حوارا، لقد كان كلاما متسقا، منمقا لذلك "فصلني" من منطقية السرد (بعيدا عن أهمية الموضوع أو جمال الأسلوب وبلاغته) ولكن له دور سلبي على الرواية- لكن- لفت نظري أنه أكَّد على رأي شخصي شكلته مسبقا بأن أول صراع يدخله الانسان حينما يتحول من شخص بوهيمي إلي شخص عاقل، هو الصراع بين الإيمان والعقل.

تداخلت المصطلحات كثيرا في رواية قلب الليل بطريقة أربكتني، فلقد أعلن نجيب محفوظ على لسان جعفر بأن في الحب "سادية وماسوشية" أو قد يكون هناك "حب أمومة" ورغبة حميمية في الإنقاذ.. لكن ما هو الحب يا نجيب محفوظ؟ هل من النظرات والصدف، تنشأ قصص حب غير منطقية، تجعل أبطالها يغامرون بالأمان والعقل.. على حساب الراحة والنعيم من أجل الحب؟؟

إن صراعات قلب الليل تفتقر لشيء جوهري، حاول نجيب محفوظ تفسيره "بالطفرة" لا "التطور" قائلا: " لا شك في أنه يحدث في الظلام أمور كثيرة بعيدة عن وعيك..." و " الإنسان يخلق المنطق ولكن يتجاوزه في حياته، والطبيعة يا عزيزي تستعمل الطفرة كما تستعمل التطور!"

ربما يكون على حق، ولكن هذا يجعلنا أمام معضلة حقيقة، كيف يتغير الإنسان؟ وهل يحاسب الإنسان على طفرات حياته الظلامية كما يحاسب على تطوره؟


اقتباسات


على أي حال، في جعفر سنرى الكثير من الطفرات، الكثير من التناقض. سنعلن أنه مجنون، لكن حينما نركز على أنفسنا، سنرى أننا أيضا تعرضنا لطفرات لا نعرف كيف وصلنا إليها.. ربما هي مجموع تراكمات ردود أفعالنا، أو رغبات زرعت فينا وتعرضت لتحفيز مستمر لا نعلمه، ربما نريد المغامرة والجنون والحرية، نترك كل شيء مؤمنين بأن صوتنا الداخلي عين الصواب.. لكن الأكيد أن الحياة ستلقننا درسا لن ننساه، وبأننا مهما تسلحنا بالمنطق في مواجهة الرغبات، سنخلق منطقا آخر ليبرر تلك الرغبات في عملية مضحكة تبدو منطقية، فلم يكن لليل قلبا، بل كانت قلوبنا ليلا.


" كان يؤكد أن الفنانين أمثاله سيحاسبون حسابا ملطفا تراعى فيه ظروف حياتهم ومتطلبات مهمتهم!"

____________________________________________________________________________________________

عن الرواية :

1- صدرت رواية (قلب الليل) عام 1975.

2- تحولت الرواية لفيلم بطولة نور الشريف وفريد شوقي بنفس الاسم، أخرجه "عاطف الطيب" سنة 1989م.



فيلم قلب الليل

بقلم الراقم: أحمد عبدالوهاب /فريق مكتبة ميم