تعيسة.. النهايات التي لا نعرف إلا التألم منها. كثيرة.. التفاصيل التي تجعلنا نرفض واقعنا ونتمرد. في حالة بين أن يكون كل شيء متاح، وتبقى المغامرة الأكبر أن تقتل "بشرا" يشبهك هيئةً لكن 

" شعبين شعبين شعبين..

شوف الأول فين والتاني فين؟

وآدي الخط ما بين الاتنين بيفوت.. "

مضمون الرواية: 

في يوتوبيا، الكثير من الديستوبيا والألم والواقع..
في يوتوبيا، الاحتكار والرأسمالية والخصخصة.
في يوتوبيا، أصبح الدين شعائر صورية فقط.. أصبح الدين مظهرًا يعتاده الأغيار لأنه يعطيهم الأمل الذي يجعلهم يكملون حياتهم الحقيرة.. ويمارسه الأغنياء خوفا من أن يفقدوا ما يتلذذوا به من نعم..

في يوتوبيا، قد تربي كلبا بآلاف الدولات شهريا..ويموت "الأغيار" لغياب أبسط العلاجات.
في يوتوبيا، سور يحميها، وجيش أجنبي يرعاها، وعطور، ومخدرات، وتنظيم هندسي..
في يوتوبيا، التنازل عن التاريخ والآثار..

في يوتوبيا، المال يضاجع الآمال.. فينجب الملل..
في يوتوبيا، الموت إثارة. والعلم ملاذ. والقوة خلاص. والأغيار حيوانات. والفقر جريمة. والمرض عقاب. والحب جهل.
هل كلنا نعيش في يوتوبيا؟؟ أم أن يوتوبيا تعيش فينا؟

------

التحليل:

تأملات كثيرة تفرضها علينا رواية "يوتوبيا" للطبيب أحمد خالد توفيق. ولي وقفات كثيرة عند الأسلوب أو إرفاق إحصائيات أو أخبار بطريقة مباشرة، حيث تعتبر الرواية كحكاية تضم إصلاحا اجتماعيا أو دعوى له. صدرت عام 2008. وتتحدث ببساطة مصر عام 2023، كيف ستكون؟

في نوع من التنبأ الاجتماعي وتخلي الحكومة عن مسؤولياتها جميعا، على عكس ما حدث في تنبؤ "جورج أوريل" في 1984، حيث ارتكز على حالة السياسة الحاكمة وأثرها على الحياة الاجتماعية في تضييق الحريات للكل وتحويلهم لضباط "فكر". إلا أننا في هذه الرواية نجد أن الأغنياء تكفلوا بتنظيم حياتهم كلها بدءًا من الأدوية، المباني، والمولات، والسيارات.. مرورا بالتعليم والمستشفيات والثقافة والحضارة.. انتهاءً بالحماية والشرطة والجيش! وغياب كل هذه الأشياء بالمعنى الحرفي للكلمة للفقراء.. حتى تدنت حالتهم فأصبحوا حيوانات.. تغرقهم القذارة.. لا شرف.. لا أخلاق.. لا دين..لا أسرة.. لا علم.. لا صحة.. لا حياة.. لا أحلام.

المشاجرات تفتك شبابهم، المخدرات تذهب بعقولهم، الدعارة هي منقذهم الوحيد من بطش الذل، الحقد يغذيهم، والجهل يدربهم!

وبالمثل، كان الأغنياء يشعرون بنفس النتائج على مستويات كثيرة مشتركة.. فلا شرف.. لا أخلاق.. لا دين.. لا جدوى.. لا معنى.. كل شيء متاح.. لا إثارة.. لا أحلام.. لا حياة!

من رواية يوتوبيا


واختفت الطبقة المتوسطة. زاد الفقراء فقرا. زاد الفقراء نسلا. زاد الفقراء عددا. وازداد الأثرياء ثراءً. فلم يمكن التعايش مع الفجوة. عزل الأغنياء منازلهم فيما يشبه "الكمباوندات" حاليا. سمعت عن الرحاب ومدينتي، ماونتن فيو، وبيفرلي هيلز وهاسيندا ومراسي وغيره؟؟ مثل هذه التجمعات، نعم، عزل الأغنياء أنفسهم.

الرواية تدق نواقيس الخطر في كثير من المواضع، ولا يغيب عن العاقل تهاوي الأمور إلى الحضيض أكثر.. واتساع الفارق يزداد.. والانعزال يزداد.. وكل فريق له رأي وثقافة وقضية، يدافع عنها بدمه وكل ما أوتي من قوة..

النقد:

الرواية، لا تخبرنا كيف سيتم التطبيع مع إسرائيل بهذا الشكل السلس السهل؟ أو كيف ستتخلى الحكومة وتنهار؟

عمل الكاتب على التبؤ المستند على التأمل والدراسات الإحصائية المتعلقة بالعنف والقتل والاغتصاب والمخدرات، وحاول تضخيمها في شكل فنيّ ينبه القاريء ويساعده على تحليل الأمور. لكن هناك عدة أسئلة محورية يجب البحث عنها، هل الملل، هل وجود كل شيء في حياة أي إنسان-قد يدفعه للذهاب إلى صيد بشري؟ لماذا عاش الأغنياء في مصر بينما كان من الممكن أن يريحوا أنفسهم من هذا العذاب ويعيشوا مع من يشبههم؟ لم يذكر الكاتب اتساع الاختلاف اللغوي الشاسع أو انعدام مقدرة سكان يوتوبيا على الكلام بالعربية، لا أعلم، فحصر لغتهم بلكنة أجنبية فقط لا يتناسب مع حجم هذه الفجوة التي يعرضها الكاتب! فلماذا سيتعلموا العربية إذا؟ من يشتري الدواء في مصر إذا كانت شركة مراد- أب بطل رواية، علاء- تستحوذ عليه؟ لمن يبعيون الدواء ومن أين أتى الفقراء بالقدرة على الشراء أصلا وهم يأكلون لحم الكلاب حتى اختفت كلاب الشوارع؟؟ 

الإحصائيات المتخللة يوتوبيا


يغيب عن الرواية الكثير من التفاصيل المهمة التي تجعل من تصور هذه الرواية مقبولا. لكن أعتبرها نوعا من التنفيس الفكري أو الاستمناء الفكري على حد تعبيره على بشاعة الواقع المعاصر والطبقية المفرطة.

لم أشعر بأي اختلاف في اللغة أو طريقة التفكير في جانب بطلي الرواية (علاء، وجابر) وأعتقد أن هذا ضعف كبير في قدرة الكاتب. اللهم إلا اختلاف الأسماء. لكن طريقة التفكير، حتى النطق، رغبتهما في الاغتصاب، كل شيء شبيه بالآخر.

من الممكن أن يحدث هذا لأن كلاهما يقرآن. لكن قراءتهم مختلفة، حياتهم مختلفة وكان يجب أن يظهر هذا بصورة أوضح في التعبير.

تحاشى الكاتب الاصطدام بالواقع في كيف سيسيطر الأغيار على البايرول؟ ما الذي سيجعلهم ينجحون في هذه المرة، ما الخطة التي كان يحضرها أصلا العصابة التي كان فيها جابر؟

هناك كثير من التفاصيل الغائبة، الكاتب متأثر جدا بطبه، فتعبيرات كثيرة استخدمها في محاولة لربط معرفته الطبية بالأدب.

عموما الرواية جميلة وأسلوب أحمد خالد توفيق سهل وبه الكثير من الكلمات العامية، لكنها تفتقر للكثير من التفاصيل والمنطق. يوجد فيها تبريرات كثيرة غير ضرورية. وهناك حوارات كانوا في غنى عنها، بالإضافة إلى أنها غير مبررة أو غير مناسبة لشخصياتها. مثل حوار "راسم" و"علاء" الأخير. 

 اقتباسات من يوتوبيا:

-عندما تشم الحريق ولا تنذر من حولك.. فأنت بشكل ما ساهمت فى إشعال الحريق.

-نعم.. لم يكن للمصريين مايباع سوى الماضى.. وقد اشتريناه.

ليست الثقافة دينا يوحد بين القلوب ويؤلفها، بل هى على الأرجح تفرقها؛ لأنها تطلع المظلومين على هول الظلم الذى يعانونه, وتطلع المحظوظين على ما يمكن أن يفقدوه.

- "فقط أذكر أن الأمور كانت تسوء بلا انقطاع.. وفي كل مرة كان الفارق بين الوضع أمس واليوم طفيفاً، لذا يغمض المرء عينه كل ليلة وهو يغمغم: أهي عيشة .. مازالت الحياة ممكنة .. مازال بوسعك أن تجد الطعام والمأوي وبعض العلاج .. إذن فليكن غد .. ثم تصحو ذات يوم لتدرك أن الحياة مستحيلة، وأنك عاجز عن الظفر بقوت غد أو مأواه .. 

متي حدث هذا ؟... تسأل نفسك فلا تظفر بإجابة ..."

-"لقد جمع بلفور اليهود فى وطن واحد وعدهم به و بهذا أراح العالم منهم

اعتقادى ان هناك وعداً آخر .. ثمة شخص جمع الأوغاد و الخاملين و الأفاقين و فاقدى الهمة من أرجاء الأرض فى وطن قومى واحد هو مصر .. لهذا لا تجد فى اليابان فاقد همة .. لهذا لا تجد فىى ألمانيا وغداً .. لهذا لا تجد فى الأرجنتين أفاقاً .. كلهم هنا يا صاحبى!"

شعار يوتوبيا العام: افعل ما تريد طالما لم تعتد علي مال باقي سكان يوتوبيا .. والأهم افعل ما تريد لكن أبقه سراً حتي لا تضع علي عاتقنا عبء أن نبدو حازمين، ولا تضع علي ضمائرنا عبء أن نتظاهر بالشفقة.

-"قلت لها إن الناس يجب ألا تتزوج إلا لكي تأتي للعالم بمن هو أفضل... طفل أجمل منك، أغنى منك، أقوى منك.

ما جدوى أن يتزوّج الشّقاء من التّعاسة؟ الهباب من الطّين؟

ما الجديد الّذي سنقدّمه للعالم سوى المزيد من البؤس؟". 

كلمة أخيرة: 

في يوتوبيا على الرغم من أننا سنرى الكثير من التناقضات إلا أنها واقعية.. وفجوات الحالات المادية تزداد.. هناك خطر حقيقي.. وذلك الخطر هو ما نبه عليه الطبيب أحمد خالد توفيق وما ستشعر به من غضب ورغبة في الفرار لهو شئ حقيقي.. ألقِ نظرة على الواقع وسترى أنها لم تعد رواية.. 


____ 

عن الرواية:

عدد الصفح: 188

دار النشر: دار بلومزبري- مؤسسة قطر للنشر.

المؤلف: أحمد خالد توفيق.

______

كتب هذه المراجعة/ أحمد عبدالوهاب من فريق مكتبة ميم.