شقة في الطابق السفلي ، قطط كثيرة في الرواق الندي تلتهم الصوسيصون ، رائحة النوم تمزقها نسمة خفيفية تدخل من نافذة صغيرة في أعلى الجدار ، غرفة على اليمين ، أريكة خشب قديم ، علب جعة فارغة تطل من كيس أسود على البلاط .

من خلال هذه الصورة السينمائية يبدأ الروائي التونسي " كمال رياحي " سرد روايته الموسومة بـ "عشيقات النذل "، تراه يكتب النص وكأنه يمرر ماسحاً ضوئياً على المكان، يلتقط أدق التفاصيل، ويرسم بدقة متناهية عوالم روايته، وكأن لكل تفصيل في هذه الصورة دلالة سيفضحها النص في تسلسل أحداثه وتشكل عقدته .

يأسرك السرد من بدايته ويأتي على هيئة نبش في ذاكرة بطل هذه الرواية الروائي والسيناريست "كمال اليحياوي "  الذي يسرد تفاصيل حكايات مبعثرة في ثنايا ذاكرته، يوهمك الروائي أن ما تقرأه هو حقيقي، و يحاول أن يقنعك أن الهذيان الذي يمر أمامك هو قصة حقيقية وفعلاً ينجح في ذلك، فالأحداث مترابطة والشخصيات تبني أمامك قواماً قصصياً متماسكاً، وتعيش مع بطل الرواية تقلبات مزاجه ونفسيته المحطمة بعد أن أخبرته إحدى عشيقاته وتسمى حياة أنها حامل من رجل آخر وتطرح عليه سؤالاً عسير الإجابة وهو " هل ستبقى معي ..؟ " وهذا السؤال هو عنوان الفصل الأول من هذه الرواية .

عنوان الرواية " عشيقات النذل "

يأتي العنوان على هيئة خدعة سحرية، فكأن الرياحي جزم بأن ما سيكتبه هو حكاية نذل متعدد العشيقات، أي بلغة بسيطة استطاع أن يقول بشكل غير مباشر أن هذا النص هو سيرة أحد الأنذال الخونة للحب، لكن النص خارج عن المألوف تماماً وكأنه فخ يستدرجك للوقوع في المصيدة التي نصبها الروائي في طيات حكايته، أي أن العنوان الذي جاء بسيطاً يخفي دلالة ينتجها النص في عقدته، فالنذل ليس واحداً كما أوهمنا العنوان بل هو طبع مقيت في الذات الإنسانية وليس حكراً على على فرد بعينه أو مجتمع بذاته، وجاءت هذه القراءة بناء على العملية العكسية التي لمسناها في موقف حياة التي جاءت تطلب من كمال أن يبقى معها وهي حامل من غيره، فيفتح هذا الحدث تساؤلاً مشروعاً من اللحظة الأولى: من هو النذل الذي أراده الروائي...؟ .

الأحداث والعقدة الخارجة عن التوقعات " عقدة صعبة الحل "

تتوالى الفصول بشكل رهيب لتصل إلى عدد لا يمكن حصره فهي أكثر من عشرين فصلاً ، وكل فصل كأنه جزء من أحداث الحكاية بشكل عام، لا يوجد أي ترتيب للفصول أو ترابط زمني واضح، فهي منسجمة تارة ومبعثرة تارة أخرى، تصب في مجرى واحد وهو حكاية كمال اليحياوي بطل هذا السرد للحكاية التي تبدو معقدة، فيصف لنا في كل فصل لمحة عن العلاقات المشبوهة التي يعيشها مع عشيقات كثيرات وأصدقاء قدامى لتتشكل أمامنا شبكة عنكبوتية من العلاقات تستدعي استحضار تركيز عال جداً ، ومن هنا أطلقت على هذا السرد "هذيان"  أو "هلوسات" .  ولكن كما أشرنا فيما سبق أن هناك خيطَ حبكةٍ دقيق عمل الروائي على نسجه بقوة، فكلما تهلهل السرد  شد خيط الحبكة وأعاده إلى الطريق الرئيسي.

 إلى أن تأتي العقدة الرئيسية، والتي جاءت على شكل قنبلة فجرت النص ونسفت كل الأفكار التي كانت في ذهن القارئ، فخلال ثلاثة أرباع هذا النص أن تعيش وهماً وهلوسات لشخص محتجزاً مع ثلاثة عشر قتيلاً وراء باب حديدي في مكان مجهول أقرب لمعتقل، وهذا المحتجز طبعاً هو دون أدنى شك الروائي كمال اليحياوي الذي يدون هلوساته في كراس، وسبب الحجز هو الصاعقة التي لم يمهد لها الكاتب أبداً بل جاءت لتصفع القارئ مجدداً فاليحياوي متهم بقتل ابنته سارة، والتي اتهمته بهذه الفعلة هي طليقته الأرستقراطية: " ناديا " !

قضايا النص " المسكوت عنه في المجتمع التونسي "

1_ تونس ما بعد الثورة:

يصف لنا الرياحي المجتمع التونسي وكمية من القهر والكبت الذي يعيشه أفراد المجتمع ويروي لنا لسان حاله من خلال عينات انتقاها بعناية، فالثورة التي كانت مبشرة بربيع عربي وأطلقوا عليها "ثورة الياسمين "  ما كانت لتحقق أحلام وتطلعات هذا الشعب المنهار من الداخل!  فبكل حرفية أسقط الرياحي ورقة التوت الأخيرة، وكشف لنا عن طبقات أرستقراطية تتحكم بخيوط مخفية في كواليس البلاد، ويرسم لنا تفاصيل حياتهم التي لا تتماثل مع الحياة التي يعيشها سواد الشعب، فمن خلال أحد الفصول والذي جاء بعنوان " البريستيج " يظهر لنا لمحة عن حياة طبقة تعيش في القمة تاركة بقايا فتاتها طعاماً يقتات به أهل القاع المزدحم .

" بريستيج . بريستيج العائلة ، عليك أن تتثبت من أن الخادمة قد كوت القميص جيداً، عليك أن تختار ألواناً داكنة، البريستيج لا يسمح بكثرة الألوان، عليك أن تحلق لحيتك جيداً ... عليها أن تكون ناعمة كالحرير، عليك أن تغسل أسنانك بفرشاة طرية ومعجون أسنان من الصيدلية، لا يجب أن تشتريه من السوبر ماركت ..".

2_المرأة

صورة المرأة كانت حاضرة وبقوة في النص سواء في عنوان الرواية أو الأحداث، فمن خلال هند المونديال، العاهرة التي كان يقضي اليحياوي أوقات ممتعة معها، سلط الرياحي الضوء على فئة من النساء التي وصل بهم الحال ليصبحن نساء بلا ألقاب ، فالمونديال ليس إلا مقهى اعتادت هند أن تتواجد فيه، أما ناديا فليست إلا زوجة لا تصلح لأن تكون زوجة أساساً فهي غارقة في تجارتها الضخمة في الإعلانات وليست متفرغة إلا لنصب الأفخاخ لزبائنها، وبمفارقة غير مباشرة يضع أمامنا ميزان العدالة المختل في البلاد، فالطريق إلى الهاوية هو طريق الفقراء أما الخداع والحيلة يمهد للوصول إلى القمة، وكأن هذا الإسقاط ليس أسير الجغرافية التونسية وحسب بل هو قاعدة في العالم العربي .

يضع الرياحي ملحاً على جراحات المرأة فيقر بسلطة الذكور، ويؤكد أن الخيانة مجاهرة هي طبع من النذالة يصنع الرجل من خلاله عرشه العالي، أما المرأة فقادتها الدروب الشاقة لتكون خائنة في كثير من الأحيان، ولكن لا يغفل أن قوة المال تصنع المستحيل، فيختل ميزان القوى المتعارف عليه، فمن خلال شخصية ناديا رأينا سطوة المال وسيطرته .

فالخيانة التي أرادها الرياحي ليست جسدية كما هو مألوف، فمن خلال ناديا رأينا ما هو أقسى من خيانة الجسد، فيقول الروائي على لسان ناديا:

"منذ الأيام الأولى لزواجنا، كلما سافرت يأتي بذلك الشيء البدين إلى فراشي المتعب من فرط الخيانات. قضم قلبي مثل فأر لذلك دمرت له أعصابه. مسخني فمسخته مطبّقةً عليه الطريقة الأميركية. حبة في الحليب صباحاً وحبة في كأس النبيذ ليلاً. ستة أشهر كاملة حتى رأيت بداية النتائج. ليلتها ناداني "حياة". عرفت أن اللعبة بدأت مع ذلك السافل"

ومن خلال هذا الإنتقام الأنثوي تفرج الرواية عن أول إنفراج لعقدتها، فرد ناديا على الخيانة كان من خلال دس حبوب مهلوسة لكمال، حتى نجحت في حرق أعصابه وقادته إلى هلوسات خطيرة بما فيها حكاية حياة .

3_الأنا والآخر

يضعنا الرياحي أمام علاقة العربي المسلم بالعربي اليهودي، والتي كرس هذه العلاقة صديق اليحياوي أيفو اليهودي والذي كان هو وقططه وحياته محوراً هاماً في النص، فجسد لنا هذه العلاقة المشرئبة، وكيف كان الأصدقاء ينظرون إلى أيفو على أنه " يهودي كلب وقذر وبخيل "  وبين لنا خلفيات هذه الشخصية المعقدة، ولكن في نهاية المطاف وعندما تخلى الجميع عن اليحياوي بقي المحامي إيفو إلى جانبه ولم يتركه يغرق وحيداً عندما قررت ناديا توجيه التهمة القاضية لكمال وإتهامها له بقتل ابنتهما سارة، وكأن الرياحي دعا إلى تقبل الآخر دون تحامل وخلفيات مسبقة، فالإنسانية لا تعرف الأديان والمذاهب والملل والأيدلوجيات والأحزاب .

غلاف رواية عشيقات النذل

الواقعية السحرية " الخيال يغتال واقعية الرواية "

نجح الرياحي في أن يوظف الخيال في سرده بشكل عجائبي ، فبينما أنت تقرأ ما تظنه حقيقياً كان الروائي يشغلك عن الحقيقة بواسطة خياله الجامح ، فمن خلال العبثية التي عاشها اليحياوي الذي كنت تحسبه هو النذل الوحيد في هذه النص تدرك في لحظة خاطفة أنه ضحية مغلوب على أمرها مستلبة الإرادة والعقل، وبناء على هذه الهلوسات استحضر الرياحي في نصه شخصيات من الواقع وزجها في أنساق مضمرة في السرد، فمحاضرة الناقد الفرنسي " تودوروف " لم تكن إلا وهماً لا يمت للواقع بصلة ولكنه بنفس الوقت يحيلك إلى خطاب أيدولوجي أراد أن يمرره الرياحي بطريقة غير مباشرة، وكذلك " غابريل غارسيا ماركيز " الذي كان شاهداً على سرد اليحياوي وهذيانه، وكأن الرياحي أعاد تجديد نص " عاهراتي الحزينات " في قالب عربي جديد واستغل انكسار ماركيز ورحيله ليثبت أن الخيال قادر على إعادة إنتاج عالم روائي جديد واقعي في بنيته وسحري في بنائه .

الخلاصة :

كسر الرياحي من خلال هذا النص عقدة المركز، وأطل من خلال هذا السرد حاملاً معه أصوات المهمشين في هذا المجتمع، نطق بما لا يجب أن ينطق، وفضح ما هو مستور،  وأقر بالحقيقة التي أخفتها الأنظمة، ليتحدى بنصه واقعاً عربياً يعاني كل أنواع القمع والإضطهاد، ولعل النذالة لم تعد طبعاً بقدر ما هي وسيلة تبرر أفعال المحيط من حولنا .

لمحة عن الروائي :

كمال الرياحي روائي وصحفي تونسي

من مواليد تونس 16/5/1974 م

فاز في مسابقة بيروت "39" التي نظمتها مؤسسة هاي فيستفال 2009 م

توجت روايته " المشرط " بجائزة الكومار الذهبي 2007 م

ترجمت أعماله إلى : الفرنسية والإنكليزية والإيطالية والبرتغالية

صدر له عن دار الساقي " الغوريلا " ، " المشرط 

" عشيقات النذل " الطبعة الأولى 2015

الرواية تصدرت قائمة أكثر الروايات مبيعاً في معرض تونس و الجزائر للكتاب حسب صحيفة الخبر الجزائرية  

وأيضاً أشاد موقع العربي الجديد  بالرواية التي اعتبرت على رأس قائمة المبيعات في العالم العربي عموماً وتونس على وجه الخصوص .

الرياحي في حفل توقيع روايته عشيقات النذل

_________________________________________________

المراجعة بقلم الراقم : أحمد خضر أبو إسماعيل من فريق مكتبة ميم 

لقراءة المزيد : يوم مشهود للروائي أيمن العتوم ، دمعة وإبتسامة و الأرواح المتمردة و الشعلة الزرقاء  لجبران خليل جبران .