كتاب" عيناك قدري "هو مجموعة قصصية كتبتها غادة السمان فور تخرجها من الجامعة، عام 1962 ، ويبلغ عدد القصص ست عشرة قصة ضمنتها مواضيع اجتماعية ونفسية وإنسانية ،كما دافعت الأديبة غادة السمان عن المرأة وأنكرت على المجتمعات العربية قمعها إياها بحيث لا تخرج ولا تتعلم، والخير لها هو الزواج ..الزواج وحده ..وإن حدود اختصاصاتها لا تتعدى حدود المطبخ وخدمة زوجها وأولادها دون إبداء رأي أو مساهمة في عمل. واعتبرت لذلك غادة السمان من الكاتبات النسويات (اللاتي يدافعن عن حقوق المرأة).

أسلوب الكتابة في "عيناك قدري"

إن أسلوب الأديبة غادة السمان في الكتابة بديع متدفق، تجد التشبيهات والإستعارات الدقيقة الجزلة، فأسلوبها شاعري ،  تستطيع وببراعة أن توصل لك فكرةً وأحياناً أفعالاً بصورة تشبيهية بليغة ، وأيضاً تجدها تصور الطبيعية بإتقان يشمل كل التفاصيل، كما أن الشخصيات مبتكرة وإن تشابهت في العذاب والمشقة التي تعانيها.

صورة للأديبة غادة السمان

قصص الكتاب

عيناك قدري: إن حكاية عيناك قدري التي تعتبر من أوائل القصص في هذه المجموعة -والتي سمي باسمها الكتاب -  وإن بدت رومانتيكية من اسمها فهي تتحدث عن قضية المرأة في المجتمعات العربية. فنجد هنا حكاية أب لا تنجب زوجته سوى الإناث  - فعقاباً لزوجته ولتلك المولودة الجديدة التي كان يتمنى أن تكون ولداً -  قرر تسميتها طلعت  وبهذه التسمية نشأت البنت متمردة على أنوثتها وأبيها ومجتمعها كما تمرد أبوها من قبل على الواقع وسماها طلعت ، فقررت أن تحيا بطريقة الذكور ترتدي مثل ملابسهم .. تشرب النرجيلة مع والدها .. تدخل وتخرج دون أن يهمها أحد ... لكن  ولأن هذا مخالف للطبيعة التي فطر الله الناس عليها تصادف طلعت شاباً يجردها من تلك الإطارات الكاذبة التي حبست نفسها فيها ويشعرها بأنوثتها لتلقي هي بنفسها في أعماقه مستجيبة للفطرة .

الأصابع المتمردة: جميلة غادة السمان في تصويرها للمشاعر الإنسانية حيث تجعلك وأنت تقرأ كأنك تجرب نفس الشعور، ففي هذه الحكاية نعرف الأحداث من خلال تلك المشاعر التي تختلج صدر صاحبها .. هنا لا يوجد حوار ولا أحداث إنما هي المشاعر،  المشاعر تتعارك داخل صدره فنراه أحياناً ضحية مسكيناً وأحياناً نراه جباناً وضيعاً .. نراه ذا حس مرهف.. ونراه جباراً عنيفاً، كل هذا في شعوره، أما ظاهره فهادئٌ هدوء الليل، وفي هذ ا ابداع للكاتبة غادة السمان حيث صورت لنا ذاك الصراع الداخلي الذي يدور في نفس المتملق الضعيف حينما يخالف ضميره ولا يحيا بإنسانيته.

ما وراء الحب : ثالث حكايات عيناك قدري  هنا حكاية حول فتاة أحبت شاباً وأحبها وتقدم لخطبتها لكنها رفضت أتدرون لماذا ؟؟  لأنها كانت مريضة بسرطان الثدي واستأصلت جزءاً من العضو  فصور لها عقلها أن ذلك حائل بينها وبين الزواج فيئست وبكت، لكن لطف الله ورحمته عظيمٌ،  فكان عكس ما تصورت وصمم الذي تحبه على أن يتزوجها رغم كل شيء فطارت روحها سعادة ولم يسع الكون فرحتها وسنجد هنا أيضاً وفاءاً من ذاك الشاب لمحبوبته .

اقتباس من قصة ماوراء الحب

القطة : هذه قصة تتناول فيها أديبتنا غادة السمان في كتابها عيناك قدري حكاية خيانة رجل لمحبوبته، أو التي كان يزعم أنها محبوبته ! لذلك لا ينبغي للمرأة أن تبوح بمكنونات نفسها لغير ذاك الصادق الوفي الذي قلما تجده .وعليها أن تكون مثل القطة عيناها تلمع لكنها لا تبكي من أجل أحد.

أفعى جريح: وهنا أيضاً  حكاية خيانة ،  لكنها هذه المرة خيانة زوج لزوجته ، زوجته الهادئة الجميلة فتحولت بسبب خيانته إلى أفعى تنفث سمها كرها وحقداً ..إلى نمرة تهاجم بمخالبها كل الرجال وزوجها أولهم .فانقلب الحب إلى كره بفعل الخيانة.


مغارة النسور :في سادس حكايات "عيناك قدري" انتقام أم وأب من قراصنة غلاظ القلوب ، قتلوا ابنتهم وغيرها من الأطفال والنساء والعجائز ، متجردين بذلك من كل معاني الإنسانية، فتعمل الأم خادمة لدى هؤلاء الوحوش لتنقل إلى زوجها معلومات عنهم ، وعن قصرهم المليء بالمتفجرات والذي سيكون وسيلة خلاص البشرية من شرهم في نهاية القصة.

الطفلة محروقة الخدين:في غالبية القصص تعرض أديبتنا ذاك الصراع أو الحوار الذي يدور بين الإنسان ونفسه، بين هواه وبين ذاك الجزء العلوي الطاهر فيه ، بين ما يأخذه لأعلى وبين ما يجره لأسفل.  هنا تتحدث عن المراهقة وما فيها من مشاعر مختلطة وحيرة مبهمة . "أنا اليوم واحدة منهم طين معجون بخمرة اللاوعي"هذه العبارة حقاً تستحق التأمل..فكم من الناس اتبع شهوات نفسه فأغرقته في اللاوعي ..وصيرته بعيدا بعيدا عن روحه وعن تلك الحقائق التي ترقيه فوق طينيته.

في سن والدي: هنا تتحدث عن مشكلة فارق السن الكبير في العلاقات وكيف ينظر المجتمع لهذه العلاقات وكيف تكون نهاياتها، فها هي فتاة أحبت رجلا في عمر والدها وأحبها هو الآخر ، لكن بعقلانيته صحح وضعا لا يقبل به المجتمع فعدل عن حبه وتركها لآخر  يناسبها.

المدللون: تتحدث هذه القصة في عيناك قدري عن عامل التربية المؤثر في تنشئة الأبناء ، فهذه فتاة أمها غانية تركتها لأبيها وهي صغيرة وذهبت تتمتع بحياتها الدنيا،  متجردة بذلك من كل معاني الأمومة ..والأب يدلل ابنته الصغيرة ليعوضها عن غياب أمها ، فكيف بالله لهذه البنت أن تكون في شبابها ..

هاربة من منبع الشمس: لعلها في هذه القصة تصور تضحية المرأة بحبها في سبيل أن تحافظ على كيان أسرة، بينما الرجل عكس ذلك لا يهمه وجود عشيقة ووجود زوجة، فكل ذلك مباح ولا يضره .وهذا إن قولنا فيه إنكار على الرجال وعلى المجتمع الذي يعطي للرجل حقوق لا تعطيها له الإنسانية.

الهاوية: وهنا أيضا قصة مؤلمة لفتاة جميلة حسناء، شاء القدر أن تصاب في جمالها فلا يبقى لها منه شيء ، فتفقد خاطبها الحبيب الذي كان يحب فقط حسنها وصورتها ، ولا يعرف الحب عنده معنى آخر ، فكان دمار شكلها هو انحدارها إلى الهاوية في نظر المجتمع.

لو: هنا أيضا تضحية لامرأة بحياتها المستقرة .. وسعيها وراء الشقاء في سبيل رجل يزعم حبها، لكنه يغدر بها، ويتزوج بباريسية شقراء قابلها في إحدى رحلاته ،  فتتمنى لو أنها ما ضحت وبقيت بجوار أمها التي ماتت بعد رحيلها .

الفجر عند النافذة: هنا تبين كيف هو شعور الأم تجاه أبنائها وكيف هو حال الأب مقارنة بها، إنه يشاهد التلفاز ، ويشرب العصير بينما هي تسهر الليل بجوار أطفالها حتى ترى نور الفجر من النافذة.

قتلته لأغني: ولعل هذه القصة ترد بها الأديبة غادة السمان للرجل بعض من قدره الذي سلبته إياه في بعض قصص سبقت، فنجدها تصور المرأة هنا بأنها طماعة غرور .. ضحت بحبيبها في سبيل متاع زائل ،حيث طلبت منه عقد اللؤلؤ  ليتم زواجهما ، فضاعت حياته وعاد لها ميتاً في تلك الليلة التي كانت فيها واقفة تغني .

براري شقائق النعمان: وهنا حكاية لشاب اجترته يد الشر ، فغاص فيها إلى أن أفاق على يد إنسان قوي الشخصية لا يخشى شيء ،كان هذا الشاب جزائري الجنسية استغلته يد الإحتلال الفرنسي في تنفيذ رغباتها، لكنه أفاق من غيبوبته وتحلى بالشجاعة ومات وهو مرفوع الرأس.

وأخيرا أقول أن غادة السمان وإن كانت تدافع عن المرأة، إلا أنها كانت واقعية ،لا تبالغ في تقديرها لها، فكما تكون مضطهدة فأحيانا تكون غرورة طماعة ، وأيضا الرجال فكما منهم كذابون مخادعون ومتسلطون ،فمنهم العاقلون والأوفياء والصادقون.


 نتمنى لكم متابعينا الأعزاء قراءة ممتعة لكتاب "عيناك قدري"

المصادر:

1-كتاب عيناك قدري

2-https://ar.m.wikipedia.org/wiki/%D8%BA%D8%A7%D8%AF%D8%A9_%D8%A7%D9%84%D8%B3%D9%85%D8%A7%D9%86

كتبت هذه المقالة الراقمة :نورهان مصطفى من فريق مكتبة ميم الأدبية