"زمن الحب الآخر " هو الكتاب الأول من سلسلة الأعمال غير الكاملة لغادة السمان ، وتوضح لنا سبب هذه التسمية  قائلة: "ثم إن هذه السلسلة هي بحق (الأعمال غير الكاملة) لأنني مازلت أنبض توقاً إلى كتابة الأفضل، ويخيل إلي أن عبارة (الأعمال الكاملة )، تنطبق على الذين اكتملت حياتهم بالموت ، وذلك حظ لم يباركني بعد !..."


وحقيقة أن هذه الأعمال كانت مكتوبة منذ زمن لكنها لم تنشر ، ولم تكن الأديبة غادة السمان تنوي نشرها في حياتها، لكن قيام الحرب اللبنانية الأولى 1974-1976 ،وضياع جزء من أعمالها جعلاها تعدل عن هذا القرار، وتقوم بنشر  أعمالها، فنشر هذا الكتاب عام 1978 .

ويضم "زمن الحب الآخر" قصة طويلة  " الحياة بدأت للتو" ،  ومسرحية من فصل واحد " الطوفان" ومجموعة قصص قصيرة  " ذبابتان- بحثاً عن سهول القمر- آخر قصة غير بيضاء- ليل الغرباء- الديك".وكانت تبدأُ  كل عمل منها  بأقوال مأثورة حول الحياة تارة، والمرأة و استقلالها تارة، والحب تارة وهكذا..

وتعترف الأديبة غادة السمان وتقول :"ليس هناك فنان يرضى عن أعماله القديمة -إلا فيما ندر - ولست من هذه الندرة . أنا راضية عن محتويات هذه السلسلة ضمن الإطار الزمني الذي كتبت فيه. لحظة كتبتها كنت بإخلاص أشعر بأنه ليس بوسعي أفضل مما فعلت".

مضمون الكتاب:

١-"الحياة بدأت للتو" وهي من نوع القصة الطويلة -عندما نشرت في المجلة كان اسمها (وافترسوا الذئب )  ولم ينشر سوى ثلثها الأول فقط - وهي قصة مريرة تشعر وأنت تقرأها بالضيق والغيظ ألف مرة ،كما تشعر الأديبة وهي تكتب كلمات قصتها ..  نراها تذهب وتجيء تتخبط وتحنق على الرجال وعلى المجتمع الذي لا يعترف بالمرأة عاملة تنفع مجتمعها ..إنما فقط هي أنثى !  فتجمح بخيالها لتعطي المرأة الحق بأن تتصرف مثل الرجال ، تشتري نزواتها مثلما يفعلون ، لتثير بذلك أديبتنا المجتمع وتنهى أولئك الرجال عما يفعلون.. عما يبيحون لأنفسهم ولا يبيحونه للنساء ،  وهي دعوة للعودة إلى الإنسانية ..الإنسانية الحقة.. والحب، الحب الآخر غير حب الجسد ،  حب يسمو بصاحبه إلى تلك القيم النبيلة....

٢-"الديك "-في البداية نشرت باسم: (الخيط الذي لا ينقطع) 

   "الحب هو طفل الحرية . الحب هو الإهتمام العملي بحياة ونمو المحبوب. الحب يربط بصورة ودية شخصاً بآخر، وفي الوقت نفسه يصون كماله واستقلاله "  هكذا وضعت الأديبة غادة السمان هذا الإقتباس قبل أن تبدأ أحداث قصتها الديك ! والتي هي حكاية صراع وإنكار بين ذاك الرجل الشرقي الذي لا يقبل بالمرأة عاملة ذات كيان ، وبين تلك المرأة التي ترى أن الرجل مهم في حياتها لكنه ليس محورها، بل لها دور مثله في نفع المجتمع الذي تعيش فيه.

اقتباس من قصة الديك 

و جعلت غادة السمان أبطال قصتنا هذه ( مخرج وممثلة ) لتقول الأديبة  وإن زعم الرجال تحررهم  فإن هناك شرقي يقبع بداخلهم،  لا يرضى أن تكون المرأة  أعلى قدراً منه .  وتظل العلاقة بين البطل والبطلة مربوطة بخيط رفيع لا ينقطع ولا يوصل بخيط آخر يقويه.

وأرى أن غادة هنا أيضاً تناقش قضايا المرأة بحدة وتحيز متأثرة في ذلك بتلك الأفكار التي تفسد على المرأة طبيعتها الرقيقة .. سعياً وراء  وهم لا تقدر هي عليه، نعم للمرأة كيانها وللرجل كيانه ونعم أن هناك رجال متسلطون ، لكن هناك أيضاً رجال شرقيون غاية في الرقة واللطف والإحسان إلى زوجاتهم ، وأمهاتهم ، وأخواتهم .

٣-مسرحية الطوفان:  وفي هذه المسرحية  إسقاطات كثيرة ، والقصة رمزية أكثر منها تعبيرية .. ترمز  لتلك الشهوة التي تربط الرجل بالمرأة دون وعي ولا تعقل ، شهوة حيوانية حتى لا يرى معها وجوه البشر فقط جسد أخطبوط لزج!  واسطوانة! اسطوانة فقط ، و لا يوجد بينهما أي حوار آدمي فقط التقاء حيوانين وينتظر كل منهما الطوفان ليخلصه من عدوه، وهو تلك الشهوة التي يستسلمان لها ، لكن هيهات أن يأتي طوفان لأخطبوط  وأسطوانة.

٤-ليل الغرباء: وهنا قصة لاثنين من الغرباء، التقيا في ليلة وكانا شريكين في الغربة ، فوجدا في ذلك أُنساً، دعته البطلة الكاتبة - وهو أيضاً كان كاتباً-  لمطعم تحبه، ترى فيه أصالة ودفئاً رغم غربتها، تجد فيه ذاك الشيء العتيق الأثري الذي لا يغريه الحاضر ، فلما استجاب لدعوتها وجدا ذاك المطعم على غير صورته وكأن الغربة أبت أن تجعل لهما موطناً حتى ولو في مطعم بسيط.

وأعتب على الأديبة غادة السمان قولها هنا  " أن الأحاديث عن الله وعن الفن والوجود لزجة"!  نعم هي تريد أن تجسد شخصية يائسة تمل كل شيء، لكن الدين ينبغي أن يبقى بعيداً عن خيال الكاتب وجموحه.

٥- آخر قصة غير بيضاء - نشرت للمرة الأولى بعنوان القصة البيضاء :   كتبت هذه القصة عام 1964 و تحكي قصة فتاة كاتبة تزوجت وهي في عمر السادسة عشر، وكما هو الحال عند أديبتنا لم تنجح هذه الزيجة وفشلت، فشلت لأن الزوج يريد من زوجته أن تكون طباخة ماهرة متجاهلاً لها أي احتياجات سوى احتياجاته، لكنها لم تقبل بهذا الوضع فقررت أن تهرب بنفسها من ذل الاستعباد (كما ترى ) فتركته وذهبت .. وتحكي الأديبة غادة على لسان صاحبة القصة (وأرى في ذلك نوعا من الإسقاط )  إنه تم انتقادها لكتاباتها المتشائمة التي لا ترى خيراً في الوجود، إنما ترى من زاوية واحدة، هي زاوية نفسها، وزاويتها هذه بعيدة عن حقيقة البشر .. فما كان من الكاتبة إلا أن كتبت هذه القصة، والتي فيها خطاب إلى ذاك الرجل الذي كان زوجها يوماً ما .. والذي تحطمت سيارتها يوم التقته صدفة فأحدث لها ذلك كسراً  في ساقها ، وهذا بعد فراق ثلاث سنوات فجعلها هذا الكسر  تكتب بعد أن واجهت آلامها دون هرب .  لتعترف بالحقيقة ، أنها أيضاً لم تفهم زوجها كما لم يفهمها هو،  وأن له عالمه كما لها عالمها ، لتعتذر وتخبره أنها لا تحمل في قلبها تجاهه شيئاً، بعد أن كان مليئا بالحقد.. متمنية له حياة بيضاء مثل بياض قلبها الذي أصبح .

اقتباس من قصة آخر قصة غير بيضاء

٦-"بحثاً عن سهول القمر"  وهنا حكاية فتاة بريئة أحبت، وانتظرت من ذاك الحبيب أن يأتيها ليدمج براءتها بقوته ، لكنه خذلها وكان يعرف الواحدة والأخرى، فصدمت لذلك منه وانقلبت نمرة لا تقبل بالحب ولا تعترف به إلا بين سهول القمر بعيداً عن الأرض ومن فيها .

وفي هذا أيضاً مبالغة وضعف من المرأة التي تزعم دوماً قوتها واستغناءَها عن الرجال وكونها متحررة تساويهم في كل شيء والتماساً لتلك المرأة العذر في أن تنحرف إن تمت خيانتها ولو كانت مجرد خيانة للمشاعر.

٧-ذبابتان: آخر قصص كتاب زمن الحب الآخر، وهي قصة اثنين التقيا وكل منهما في محنة، فامتزجا وكان كل واحد منهما للآخر ملجئاً وملاذاً من العالم .. انتقدهم الناس، فلم يبالوا .. لكنهم مع ذلك كانوا يبصرون للقدر، وللوجود، والحياة، بعين الحائر التائه الذي يعجز عن الرضا والتسليم والإيمان بالله .

وأشعر أن في قصص الأديبة غادة السمان شيئاً يقول أنها لا تفهم طبيعة الحياة فهماً صحيحاً، نعم تشعر بها أبلغ شعور، لكنها تعجز عن فهمها . تشقي نفسها بالآلام دون أن تجد لنفسها منها حكمة وقوة للدرس الذي يليه، إنها فقط تبصر الأمور من زاوية نفسها، نفسها وفقط.

وهكذا تنتهي حكايات زمن الحب الآخر.  لتثبت حقيقة أن الأديبة غادة السمان لا يعجبها الواقع ولا تستطيع أن تنسجم معه.. إنها تبحث، وتظل تبحث عن ذاك الحب الآخر، الحب الإنساني البعيد عن عبودية الجسد للجسد، وتسلط الرجل على المرأة . وأريد أن أخبر أديبتنا ولعل رسالتي تصلها يوماً ما : أن الحب الآخر موجود ، موجود في أعماقنا إذا استطعنا نحن أن نحب أنفسنا ، ونحب الكون الذي خلقه الله ونسير على منهاجه راضين بقضائه وقدره محاولين الإصلاح قدر ما نستطيع، موقنين بأن لا شيء يحدث عبثاً .. وأنه لولا الآلام التي مررنا بها لما استطعنا أن نكتب كلمة واحدة ولما استطاع إنسان أن يشعر بإنسان.. وحينها سينبعث الحب في أرجائنا وتنتقل العدوى إلى العالم الذي حولنا ونخلق نحن بأيدينا زمن الحب الآخر ...

المصادر:

١-كتاب زمن الحب الآخر

٢-wikipedia


كتبت هذا المقال الراقمة :نورهان مصطفى من فريق مكتبة ميم .