في زمن ليس ببعيد، أراد الرافعيّ أن يعبر عن أفكاره المتعلقة بسقوط الساقطات، ما الذي يدفع امرأة لهذا السلوك؟ وما الذي اكتسبته أو افتقدته؟! وما رأيه فيهن؟ يجيب عن تلك الأسئلة قصة "الجمال البائس".. والتي تحكي حكايته أو وقوعه في الحب مع راقصة في أحد شواطئ الإسكندرية حاول تشريح نفسية المرأة الساقطة.. نرى هذا في كثير من تحليلاته..

الأسلوب:

- تعبيرات قوية ومُحكمة ومختصرة، إن الرافعي  - ولا عجب- متمكن أشد التمكن من استخدام اللغة بمنطق لا يخلو من عاطفة.. وبعاطفة لا يغيب عنها المنطق.. وكأنه بذلك جمع ميزةً لا يملكها سواه.

-قوة البيان، فمثلا نرى  " فكأنما جذبها حزنها إليَّ  وكانت مفكرة فكأنما هداها إليّ فكرها، وكانت جميلة فدلها عليّ الحب، وما أدري- والله- أيّ نفسينا بدأت فقالت للأخرى: أهلا!"

فبهذه الافتتاحية الجذابة، يبحر بنا الرافعي في جماله البائس بقوة وباختصارٍ.

- على الرغم من ذلك، نرى تكرار تشبيهات مشهورة، مثل "سوادهما أشد سواداً من عيون الظباء" وبذلك، لا نرى تجديداً بالمطلق.

- من الظريف أن يحكي عن راقصة أعجب بها أيّما إعجاب نظراً لجمالها، واستطاعت العيش معه في أجوائه القديمة وجوه النفسيّ الذي ابتدعه.. لن أقول ابتدعه بإتقان- حيث هناك تفاصيل كثيرة غائبة بالإضافة إلى طريقة السرد التي لم تناسب قالب القصة بصورة كافية- ولكنه ابتدعه بإحساس وببلاغة! وأخذني إلى أجواء البرقع والطربوش، بعيدًا عن سذاجة الأفلام العربي القديمة!

- تشبيهاته رائعة، نرى هذا على سبيل المثال، حين كانت تنظر الراقصة ناحيته فقال " كأن في ناحيتنا بعض معاني كلامها!"، ومع ذلك إلا أن التشبيهات كثيرة بصورة منفرّة قليلاً، تخيل أن في جملة واحدة هناك ثلاثة تشبيهات!!

- استفدت من بعض المعلومات التاريخية والقصص التي حكاها، مثلا قصة سلَّامة الزرقاء ( التي أخذت ثمن قبلة لؤلؤتين بأربعين ألف درهم).

- نلاحظ جملاً غريبة وساذجة نوعاً ما، مثلاً إذا أراد أن يُشوق القارئ لينقله إلى حوار آخر يقول  " ولكن ماذا قلت لها وماذا قالت!" كنوع من انتظرنا سنعود!

صورة للرافعي.


التحليل:

- من الأمور المثيرة، أنه كان يقارن ماضيهم بحاضرهم، فيرى الماضي أحسن حالاً .. وقال " كان ذلك الزمن سفيهاً ولكنها سفاهة فن لا سفاهة عربدة وتصعلك كما هي اليوم!" وإنه لأمر غريب أن تتلازم هذه المشاعر طيلة قرون عديدة في تاريخ الوطن العربي، ويبدو أن هذه متلازمة عربية أو إنسانية –لا أدري- حيث يعتقد الجميع أن ماضيهم/ تاريخ دولهم/ ذكرياتهم أفضل من حاضرها ولا مجال للمقارنة بينهما.. فمثلاً نرى هذا حالياً بقول الناس (جيل آخر زمن!) و (اجعلوا أمريكا عظيمة من جديد- Make America great again)!  و"قول للزمان ارجع يا زمان!"

"ورأيت لها صورتين في وقتٍ  معاً، إحداهما تعتذر من الأخرى!" –اقتباس من الجمال البائس.

- تحدث أيضاً بصورة مُباشرة عن أفكاره عن الساقطات (هذا لم يعجبني!)

ولتكون على اطلاع بما سأتكلم عنه إليك هذا الجزء من كلامه " فكأن الساقطة وخيالها في المرآة، رجل فاسق ينظر إلى المرأة، لا امرأة تنظر لنفسها" وبعيداً  عن صحة كلامه الكلية أو الجزئية وأنه حاول تفسير تلك الجمل في كلامه فيما بعد إلا أن كلامه أصلاً انشائي! فإنه مثلاً رجل لم يتعامل مع امرأة ساقطة من قبل، وكانت هذه أول امرأة يحادثها، فما يدريه هو بحالها وبنفسيتها وبقراراتها؟ هل لمجرد الحكم الظاهر؟ أم  لاعتقاداته الشخصية التي حاول طبعها على أحوال جميع الخلق؟؟

هذا بالنسبة لمصداقية السرد ومصدره، أما بالنسبة لمنطقية السرد ومناسبته لقالب "القصة" فغير مناسب أيضاً،  فلقد اعتمد على التصريح والتوجيه لا التلميح والحكاية.. فليس هناك موقف أو حادثة واحدة –واحدة على الأقل- تبرهن ما يرنو إليه! اللهم إلا دموع الراقصة كلما حاول إهانتها هو وصديقه "ح"!

لذلك أرى القصة هي محاولة سلطوية غير محكمة لإثبات بؤس مَن يبتعد عن عاداته وتقاليده ودينه.. ولذلك المباشرة وإصدار الأحكام دون وقائع أدبية لا تعجبني حتى وإن كانت صحيحة، لأن آليات النص الفني والإبداع فيه ركن أساسي من العمل الأدبي ومنطقيته ناهيك عن ثباته في نفس القارئ!

- نقل الرافعي قصته الحقيقية ووقوعه في غرام ماري يني  على لسان صديقه "ح"... وكان يكتب إليها الرسائل ولكن بعلم زوجته وقال " كيلا يعتدي على شيء من حقها، وزوجته كانت أعرف بقلبه وبحب هذا القلب، وهي كانت أعلم أن حبه وسلوانه إنما هما طريقتان في الأخذ والترك بين عقله وبين المعاني، تارةً من سبيل المرأة وجمالها، وتارة من سبيل الطبيعة ومحاسنها)..

أنا مستغرب من القصة! إني لأراها نوعاً من التحررية الشرقية أحادية القطب! ولا أعرف ولا أريد أن أعرف ما أوصاف المرأة التي تحب أحداً غير زوجها من أجل الجمال أو الطبيعة!

- نأتي لنقطة منطقية الحادثة، فهذا كما قلت لم يتضح لغياب تفاصيل كثيرة، لقد اعتمد الرافعي في الجمال البائس على التبحر في دوافع الساقطات وفي نتائج سقوطهن.. وغابت تفاصيل كثيرة، كالمكان بالتحديد، أوصافه، سلوكيات كل شخصية، لغة جسدهم، ملابسهم، تسلسل الموضوع ذاته.. (كان يقطع كلامه ويكمله بــ "قال الرواي")

- قصّ أيضاً صراع الساقطة مع ذاتها إذا وقعت في الحب.. حيث يمنعها من النجاح في عملها (الذي يعتمد على النسيان والمادة وكم!) وعقد مقارنة بين الساقطات والزوجات على لسان صديقه "ح" قائلاً  على سبيل المثال –لا الحصر- " هناك حقيقة أحرى فيها العزاء كل العزاء للزوجات، وهي أن الزوجة امرأة شاعرة بوجود ذاتها، والأخرى لا تشعر  إلا بضياع ذاتها"..

هنا نريد أن نسأل احدى السيدات العاملات غير المتزوجات، هل يشعرن بضياع ذاتهن؟ ولنسأل أيضاً المتزوجات، هل يشعرن بأنفسهن وظل رجل ولا ظل حائط كما يقولون؟؟

وهو لم يقصد المقارنة بين الساقطة والمتزوجة فقط، لأنه فيما بعد اعتبر أن الدعوات الأوروبية المدنية التي تنادي بخروج المرأة للعمل شيئاً مهيناً للمرأة ويستعبدها، قائلاً: "أولها ما شئت من أوصاف وأسماء، ولكن آخرها دائماً إما ضياع المرأة وإما فساد المرأة".

- الجيد في الأمر، أن تحليله كان منطقياً في مواضع أخرى. وشعرت بألم من قوة بعض التعبيرات والتي كانت معممة في جميع الحالات حتى إنه اعتبر أن الطبيعة ترجمهن بالحجارة، واستدرك كلامه " وليست الحجارة هي الحجارة فقط، بل منها ألفاظ ترجم بها "المسكينة" كألفاظكِ هذه، وكتسمية الناس لها بالساقطة، فهذه الكلمة وحدها صخرة لا حجر!"

- نرى أيضاً تفكير ذكوري شرقي بحت! حيث أيد أن  إمرة الرجل على المرأة وسلطانه عليها واجب.. ويبرهن أن الفجور مجرد فكرة قانونية يحميها القانون الوضعيّ، أعارضه بشدة في رؤيته بأن منع المرأة/حبسها بمعنى آخر هي الطريقة الوحيدة والمضمونة لحمايتها!

- متعجب من رؤيته بأن المرأة لا تستطيع حماية نفسها مهما فعلت –نعم مهما فعلت- من الفجور!  ويستلزم لذلك حماية الرجل لها في كل وقتٍ وحين! وقال: " إذا تركت المرأة لنفسها تحرسها بعقلها وفضلها وحريتها، فقد تُرك لنفسه مستودع البارود تحرسه جدرانه الأربعة"

أنجيلا مريكل، من أقوى الشخصيات المؤثرة في العالم. 

- كما أنه يرى أن المرأة تعيش ويجب أن تعيش حياتها كلها من أجل انتظار الرجل، وكل أفعال المرأة  –مهما بلغت من بساطة أو تعقيد- تتمحور في رأيه حول الرجل ولا شيء غير لفت انتباهه.. وخرج من هذه النقطة بتبرير تفضيله الشخصي لأهم صفة في المرأة وهي "الحياء"..  وهو مفهوم شرقي لا يخترعه إلا الرجال ليحافظوا على صورة المرأة في أذهانهم كما تعودوها.. ولا يغيب عن أحد غياب المنطق أو الواقعية من هذا الكلام.. فأولاً ما هو مفهوم الحياء الذي ينادي به؟ لا أحد يعلم، لأنه مصطلح مطاط جدا.   هل اقتصر الحياء في يوم من الأيام على النساء؟؟ أنا لا أختلف معه في كثير من النقاط،

 لكن أن يقول " وأساس الفضيلة في الأنوثة الحياء؛ فيجب أن تعلم الفتاة أن الأنثى متى خرجت من حيائها وتهجمت، أي: توقَّحت، أي: تبذَّلت، استوى عندها أن تذهب يميناً أو تذهب شمالاً، وتهيأت لكل منهما ولأيهما اتفق"، 

لتعكس معي أيها القارئ العزيز هذا الكلام على الرجل؟ هل سيقبله؟ هل أساس الفضيلة للرجل الحياء؟! أم أنها محاولة للحفاظ على نظريات خلقها الرجل ليطوّق المرأة ويستعبدها لخدمته؟!

تختلف معي؟  لك مطلق الحرية، ولكنه يرى أن في جميع أطوار حياة المرأة تقتصر  حياتها على خدمة وتلبية احتياجات الرجل.. سواء أكان أباً  أم أخاً  أم زوجاً.. والمرأة لا تستطيع ولن تستطيع أن تعيش أو تحمي نفسها من الفجور إلا بوجود رجل! متبعاً ذلك بأن المرأة ما تتزين إلا من أجل الرجل حتى ولو ادعى جميع النساء غير هذا  (لا أعلم لمَ يثق في هذه النظرية على الرغم من أنه لم يجربها!) قائلاً: ( إن أجمل امرأة تبصق بفمها على وجهها في المرآة، إذا محي الرجل من ذهنها!)

وهذا قول مهم لا يحتاج رجل أن يقوله مما يشكك في صدقه، لنبدأ في الأبحاث النفسية والاجتماعية وليصدق كل واحد منا مع ذاته ولنرى النتيجة.

- في النهاية، الجمال البائس كتاب جميل، أسلوب الرافعي قوي وبليغ، سرده لطيف ومشوق.. أما محتواه فهذا ما قد نختلف عنه.. عموماً أنصح بقراءة الكتاب.. لم لا؟ أتمنى لكم قراءة ممتعة! 

_____

إذا أردت قراءة اقتباسات من الكتاب: من هنا

ولا تنسَ قراءة المقالات السابقة: 

- المساكين للرافعي. 

-أوراق الورد للرافعي. 

- معلومات شاملة عن الرافعي وحياته. 

-مراجعة رواية في قبوي لدوستويفسكي، التي كتبتها على موقع Bookmovels.com. 

كتب هذه المراجعة/ أحمد عبدالوهاب من فريق مكتبة ميم.