مراجعة كتاب أعلنت عليك الحب لغادة السمان: 


تعتبر جملة " أعلنت عليك الحب" من الجمل المألوفة والمشهورة في أوساط الاقتباسات - على الأقل بالنسبة لي- إن صح التعبير عنها بهذا الاسم. وهي جملة يظهر فيها مزيج غريب من العنف والسلطوية والنفوذ.

وما كتب في هذا الكتاب لا يختلف بأي شكل من الأشكال عما يوحي به الاسم لك. لذلك إن كنتَ من أصحاب العاطفة المتحررة التي تؤججها نيران الحب العنيفة، سيكون كتاب " أعلنت عليك الحب" رفيقك الأمثل، ولا عزاء لأصحاب العواطف الهادئة!! 


" لأجلك، 

تولد الأمواج، 

ويرتسم البحر على الأفق

لأجلك، 

يضحك الأطفال في كل القرى النائية

لأجلك، 

تتزين النساء

لأجلك، 

اخترعت القبلة... " 


تمهيد:

أحببت أن أرفق نموذجاً من الكتاب حتى تستوعب بصورة أفضل ما أنا بصدد الحديث عنه.

يتبين لك بوضوح سخافة وبلاهة وشاعرية الأبيات سابقة الذكر ( لا أعتبرها شعراً بالمناسبة).. ولكن بالإضافة إلى أنها لم تقدم معنى جديداً أو بلاغياً، فهي لا تشتمل على أي عُمق فني ولا حتى أدبي! 

فما الجميل الذي يجعل أطفال القرى النائية يضحكون لأجله؟؟ هل من رؤيته اغتنوا وتمدنوا؟؟ يا سلام! كما يحتوي هذا النص (ونصوص أخرى بالطبع) على مبالغة تستفزك!! لكن بعيداً عن هذه المقدمة، هناك أشياء أعجبتني!


غادة السمان


اسم الكتاب مأخوذ من عنوان لمقطع شعري من الكتاب.. بدأ بجزء لطيف نوعاً ما: 


 " كانت القسوة خطيئتك.. 

وكان الكبرياء خطيئتي.. 

وحين التحمت الخطيئتان.. 

كان الفراق مولودهما الجهنمي.." 


مضمون الكتاب: 

شمل الكتاب أحاسيس غادة السمان فيما يتعلق بالحب على شكل أبيات نثرية.. حاولت أن تصف فيها شعورها المختلف جراء هذا الحب.. بالإضافة إلى بعض الأبيات التي تناولت متعتها الجسدية بسبب هذه العاطفة التي سيطرت على حواسها.. وهي تتحدث إلى رجل مجهول.. نراه دائماً من زاوية الحب والقوة.. وبأنه فتح لها النافذة التي تطل على العالم، وبدونها كانت ستكون ميتة!! لتقول: 


أيقظت حواسي النائمة 

وأنعشت حماسي الممطر ضجراً 

وأعدت إليَّ الضحك 

الذي عدوت خلفه طويلاً في دروب العالم

ومنذ عرفتك، 

لم تمر لحظة لم أهتف بها باسمك، 

كما أتنفس!! 


لا يتوقف الأمر إلى هذا الحد، بل تتبع قولها بشاعرية ملفتة جداً

" ولم تمر دقيقة لم أكن فيها ملتهبة حماساً وعملاً

حتى كدت لا أجد وقتاً لك، 

أنت يا نهر الفرح

جرفتني.. 

خذني إلى قاعك".. 

_______________________

اقرأ أيضاً: 

اقتباسات غادة السمان|| غيابك يغتالني.

________________________________

شاعرية لا حدود لها: 

• على الرغم من هذه الشاعرية غير الواقعية والتي تحاول غادة السمان تحقيقها في هذه المقاطع التي تشبه الصلوات الاستنجادية المتضرعة لهذا الرجل، فهي تعتبر حالة وجدانية فريدة من نوعها. يدخلها المحب.. لدرجة أن ينشغل عن حبه به..

• لم تصفها بطريقة مختلفة، ولكنها عبرت بشكل طفولي في بعض الأوقات، وشاعري جداً في أوقات أخرى عن خواطرها وعواطفها.. 

• بالإضافة إلى مسحة كئيبة ستراها في العديد من المقاطع.. مثل: 

لقد نضج الموت في حقولي

فمتى القطاف؟ 


• لكن بعض القصائد لم تكن ذات وحدة واحدة، فبعضها بدأته بالنحيب والبكاء لتنتهي فرحة في أحضان معشوقها!! 

ولم تكن مقاطعها نداءً للحب وترحيباً به فقط، بل اشتملت على أبيات ندم على الفراق، وتخيلات الوداع المحتمل..  والتضرع إلى الله أن يحفظ لها هذا الحب القوي في أبيات أوضحت فيها أنها لا تريد شيئاً من الدنيا غير اليوم، ومن اليوم غير الحب، ومن الحب غير حبيبها!! 


" لا تحدثني عن البارحة، 

ولا تسلني عن الغد، 

وربنا أعطنا حبنا كفاف يومنا 

وقل لريح الفرح أن تعصف بنا

ولصواعقه أن تضربنا 

دون أن تقتلنا.. "

وشملت العتاب والمدح في النفس.. والفخر بقدرتها على نسيان حبها المتأجج!! 

" لا تقل لي "ماضينا" معاً، و"مستقبلنا"... 

ها أنا أنساك.. 

وحبيبي اسمه "الآن"... 

تتبع وتقول: 

" والهجرة إلى المستقبل موعد غرام فوق سهول 

القمر في "بحر الهدوء" عام 2020....." 


لا أعلم ما منطقية المقطع السابق أو الجميل فيه، ولكن وجدت أن به عام 2020، فوددت إرفاقه!! 

الإهداء في مقدمة الكتاب 

_______ 

النقد:

• عموماً، شعرتُ أن الأبيات كانت في البداية عاطفية جداً وملتهبة وغير منطقية، ثم أخذت -كلما اقتربت من الانتهاء من الكتاب- إلى الزوال، وظهور العتاب، والتساؤل عن المنطق من كل هذا العبث (أي: الحب). 

• ويكأن الكتاب يشكل أرجوحة تمثل الشباب.. في اندفاعهم في عواطفهم ليصطدموا فيما بعد بصدمات اللامبالاة والغياب المطول! لتقول على النقيض تماما ًمن كل هذا الحب التي تغنت به من أول الكتاب لآخره: 

" في كل الحكايا حولنا، وفي الروايات العربية، 

وفي صفحات الجرائم اليومية، 

تموت باستمرار ليلى العامرية، 

وتجن عزة، وتنتحر الخنساء، 

وتذبح عبلة من الوريد إلى الوريد... 

أنا من فصيلة أخرى من النساء .. 

من جيل آخر، 

جيل يكره العصا والسوط والقهر والاذلال.. 

فلتذهب أنت وقيس الملوح وعنترة إلى النسيان، 

لقد حزنت لأجلك أكثر مما يليق بانسانيتي... وأنانيتي!" 


أترك لك التفضيل، أي امرأة هي غادة السمان؟؟ المجنونة بالحب أم المعتزة بنفسها؟؟ لا أدري ولربما تمثل تناقض أو شخصية المرأة بأبياتها على أكمل وجه!! ربما!! 

وترجع بجنون في نهاية الكتاب تقول: " وأطلق عليك حبي... حبي.. حبي" بنفس الطريقة!! 

_________


أشياء أعجبتني:

• هناك بعض العناوين الملفتة للنظر، والتي أعجبتني.. مثلا " أحبك.. أكثر من ذنوبي" وهذا أمر غريب أن تقارن حبها بذنوبها، كأن حبها خطيئتها الكبرى.. ربما هذه اللفتات القليلة هي أكثر ما أعجبني في هذا الكتاب مرهف الحس.. لكن ستجد بعض العناوين المبتذلة كثيراً  (عامل الزمن يقوم بدوره هنا). 

• من المقطوعات اللطيفة: مقطوعة عصفور على الشجرة خير من عشرة على اليد.

• ستجد أيضاً بعض الر سومات السريالية والرمزية لقصة حبها موزعة بين فصول الكتاب.. بعضها يرمز إلى ذبح شاه مثلا، كأنها تشبه نفسها بأضحية ذبحها الحب!! أو عصفور  يطير للقاء بعصفور آخر على الشجرة! 


وهذه بعض الجمل التي أحببتها: 

- موجع أن تنام في مدينة صناعية، حين لا يكون قلبك مضخة! 


- من تحت خرائب الفرح، لهذا النهار المسعور.. يطلع جسدي من جديد، ويتكون.. ومن رماد الخيبة، أتشكل ثانية وأنمو... 

كل الذين ظنوا أنهم دفنوني واستراحوا.. يجهلون أنني أنهض دوماً من رمادي! 


- شيء  محزن حقاً، أن لا تكون ملكاً لنفسك، وكل ما تفعله، مسرحية تقدمها للآخرين. لرفاق المقهى، مسرحية يحاول كل منا أن يثبت من خلالها أنه انتصر في إذلال الآخر..."


_________________________ 

الخاتمة: 


في النهاية، أعلنت عليك الحب، كتاب خفيف جداً ولا يستحق أن يأخذ من وقتك الكثير.. في هذا الكتاب مشاعر غادة السمان، بعضها عبرت عنه بجودة وبعضها الآخر بابتذال.. ولا أعتبر بأي شكل من الأشكال أو أعترف بأن هذا نوع من الشعر.. بل أراه امتزاجاً غريباً لكنه ظريف من النثر والمقطوعات..

 كأنه أغنية مترجمة.. هي أغنية نعم، بلا قوافي.. بلا اتساق.. ولكنها قادرة على تحريك مشاعرك!! (إذا حاولت ألا تفكر بها!) 

_______ 

لا تنسَ قراءة باقي المراجعات لكتب غادة السمان: 

غادة السمان ورحلة البحث عن "زمن الحب الآخر "

-يحدث في لبنان: "سهرة تنكرية للموتى" ! -- قراءة في رواية لغادة السمان

-ختم ذاكرة بالشمع الأحمر، هل يستحق الأمر يا غادة؟؟

-رحلتي على متن "شهوة الأجنحة" برفقة غادة السمان..

-لماذا رفضت إجراء أي مقابلة تلفزيونية ...؟ " غادة السمان " أديبة مثيرة للجدل

______

عن الكاتب/ 

أحمد عبدالوهاب من فريق مكتبة ميم، طالب طب وصاحب مدونة Bookmovels التي تهتم بتلخيص ومراجعة الكتب والأفلام والروايات. لتتعرف عليَّ أكثر من هنا.