" بين جانحي كل رجل وكل امرأةٍ قليل من الرمل وقليل من الزبد. ولكن بعضنا يبّين ما بين جانحيه وبعضنا يخجل. أما أنا فلم أخجل. فاعذروني وسامحوني."

بتلك الكلمات بدأ جبران كتابه الصغير والعميق "رمل وزبد". وهو في الحقيقة ليس بقصة أو رواية تتضح فحواها من السياق والأحداث، لكنه عبارة عن خلاصة أفكار ونتاج تأملات جبران خليل جبران.. فتضمن "رمل وزبد" الكثير من الحكم في الفن والجمال والشعر والفلسفة والحب والمرأة، لذلك كان على الرغم من بساطته الواضحة وسهولة قراءته إلا أنه مع ذلك يجذب القارئ للتأمل والتعقل. قد لا يحتاج رمل وزبد إلى قراءة عابرة، مع أنك ستجد حتماً بعض الأشياء السطحية ولكن معظم ما فيه قد كُتب بتدبر وعاطفة جياشة مرهفة تحتاج منك الوقوف والنظر.

ترجم أنطونيوس بشير الكتاب من الإنجليزية وعبّر في مقدمته عن إعجابه الشديد به وتقديره لشخص جبران خليل جبران.. معلناً أن "رمل وزبد" ما هو إلا الميلاد الثاني لكتاب جبران المشهور "النبي".

الرسومات:

احتوى الكتاب على سبع رسومات من التصوير الرمزي من عمل جبران خليل جبران.. ولم تكن لها أي علاقة بمضمون الكتاب من الناحية المنطقية، ولكن ما زالت مقبولة خاصة إذا نظرنا إليها من ناحية أسلوب جبران المميز والخاص.

نموذج من الرسومات


مضمون العمل:

بدأ الكتاب بأنشودة كتبها جبران وهي عبارة عن قصيدة خيالية بينه وبين ساقية، حيث تخبره تلك الساقية بماهية أشياء كثيرة يفهمها البشر بطريقة مغايرة إلا أن الساقية أوضحت له حقيقتها كالحياة والموت والنعيم والجحيم... الخ.

" ما الحكيم؟

بالكلام؟

بل بسرّ ينطوي تحت الكلام.

ما العظيم؟

بالمقام؟

إنما المجد لمن يأبى المقام

–مقطع من الأنشودة.

ثم بدأ الحديث بطريقة نثرية عن أفكاره على شكل حلقات متتابعة من جملٍ بديعة تحدث فيها عن الآتي:

- المحبة: حيث قال: المحبة كلمة من نور.

لكن في نفس الوقت يراها نوعاً من العبودية قائلاً : (أنت عبد لمن تحب لأنك تحبه. وأنت عبد لمن يحبك، لأنه يحبك!)

- الصداقة حيث قال: الصداقة مسؤولية لذيذة أبداً وليست فرصة للنفعيين.

- الشعر: عبر عن آرائه عن الشعر وبأنه ليس فن الألفاظ وإنما هو  " أنشودة تتصاعد من جرحٍ دامٍ أو فم باسم" وأيضاً قال فيه:  "حكمة تسحر القلب" وخلق رابطاً جدلياً عميقاً بين الحكمة والشعر بقوله:  " والحكمة شعر يترنم بأناشيد الفكر"

- عبر أيضاً عن تقديره للجمال.. وكيف أنه سر الوجود الأعظم وجوهر العلم والدين، وهو معنى يحكي  عنه جبران خليل جبران  دائماً ، ويؤكده في كتاباته قائلاً : "الجمال العظيم يأسرني"

اقتباس من رمل وزبد لجبران خليل جبران

- يرى أيضاً  أهمية حسن الضيافة والزيارة، وولعه بالأنس معلناً ذلك بقوله: (لولا الضيوف لكانت البيوت قبوراً )

- تقديره للصمت وكيف أن الكلام ليس دليلاً عن الإفادة أو النفع.. وعقد مقارنة ظريفة بين الضفدع الذي قد يعلو صوته عن صوت البقرة إلا أنها تنفع المجتمع في كثير من الأمور.

- أوضح جبران أيضاً  في "رمل وزبد" مفهومه القويّ عن السخاء : بأنه ليس أن نعطي الأشخاص ما هم بحاجة إليه أكثر منا بل السخاء –من وجهة نظره- هو أن نعطيهم ما نحتاج إليه أكثر منهم!

- أكد على رغبته الجامحة في السلام والصفاء النفسيّ  لكنه يرجع ليقلل سقف توقعاته فيما بعد بطلبه العدل حتى في العداوة إذا لم يتحقق هذا الصفاء معبراً عن ذلك بصورة أدبية لطيفة  ( ليس لي أعداء يا رب، ولكن إذا كان لا بد من وجود عدوٍ لي، فاجعل يا رب قوته مضارعة لقوتي، لكي لا تكون الغلبة إلا للحق) 

اقتباس 

- يؤمن بأن الظلم سيرد للظالم عاجلاً  أو آجلاً باختلاف الطريقة أو الشخص، قائلاً: " ما ظلمني إلا الذي ظلمت أخاه! " في معنى مقارب جدا لـ (كما تدين تدان).

-أكَّد على أهمية الوقوف بجوار الحزين وبأن ذكريات الحزن أقوى وأطول أمداً من ذكريات الفرح، قائلاً: قد تنسى الذي ضحكت معه، ولكنك لن تنسى الذي بكيت معه.

- تحدث أيضاً عن الفن معبراً عن أنه "خطوة تخطوها الطبيعة نحو الأبدية".

- يرى تدافع الناس على الجدال وإثبات صحة أخطائهم دون أن يتسارعوا بمثل لهفتهم تلك في تأكيد صوابهم، قائلاً :  ( عجيب غريب أننا ندافع عن خطئنا بأكثر قوة مما ندافع عن صوابنا).

تحليل شخصية جبران خليل جبران من النص:

- شخصية تكره أنصاف الأشياء.. وهذا واضح وحاضر بقوة في الكتاب فمثلاً قوله: (إذا فرغت كأسي رضيت بفراغها وإذا لم يكن فيها سوى نصفها اعترضت على نصف امتلائها).

- احساسه بعدم قدرته على التعبير الجيد والمختصر بكلمات كافية بعيداً عن الإطناب قائلاً : ( نصف ما أقوله لك لا معنى له، ولكني أقوله ليتم معنى النصف الآخر!).

- يقدر الأصالة ويكره الزيف ويرى أن لفت الأنظار هو محاولة تأكيد كاذبة على أننا نملك شيئاً ما، إلا أن الأشياء الحقيقية والأصيلة لا تحتاج إلى إثبات نفسها.

- رقيق ومتعاطف مع الإنسان والضعف ويظهر هذا بوضوح في قوله : " اجعلني يا الله فريسة الأسد قبل أن تجعل الأرنب فريستي!"   قد أفهم من هذه الجملة أيضا أنه نباتيّ ! - أمزح -  ولكن على أية حال نرى نظرة تعاطف دائمة وعميقة للغاية مع الإنسان وأخطائه. 

 
اقتباسات

- يحب الحكم على النية لا العمل  وهذا جليٌّ  في قوله:  (ليست قيمة الإنسان بما يبلغ إليه، بل بما يتوق للبلوغ إليه)  وأكَّد  هذا المعنى أيضاً بطريقة أخرى بتعاطفه مع السِّكِّير قائلاً: "قل في قلبك (من يدري إذا كان هذا الرجل لم يسكر لكي يتخلص مما هو شر من السكر؟!) "

- الصفات السابقة جعلت منه كريماً سخياً وهذا يتضح من الاقتباسات السابقة.

- متواضع ويرى أهمية الصبر والتعقل قائلاً: (الفشل في حيائه خير من النجاح في ادعائه).

_____________

_____________

النقد والتحليل:

- الكتاب مليء بالأخطاء اللغوية ولا أعرف كيف؟! مثل (الغير المتناهي، والصحيح: غير المتناهي) وأيضًا غياب بعض حروف الجر.

- هناك الكثير من التشبيهات والاستعارات في أسلوب جبران مما يرهق القارئ لكن هذه الكتابة التصويرية تميز شاعريته النثرية ولذلك فأسلوبه يجمع بين البساطة و"الفزلكة" الشعريّة البلاغية والتي هي لطيفة بعض الشيء مما يجعل جبران خليل جبران مرشحاً ممتازاً للذين يحبون الخيال الجامح الممتزج بالإنسانية بشكل كلمات مصوّرة.

نشاهد ذلك على سبيل المثال في:

· ولدتني الشمس

· الأشجار أشعار تكتبها الأرض على السماء

· الإنسان نهر من النور يسير من أودية الأزل إلى بحر الأبد.

· ليس اللؤلؤ سوى رأي البحر في الصدف.

- نرى أيضاً رفاهية شعورية أحسست أنها مفتعلة قليلاً خاصة حينما أعرب أنه لم يخسر إيمانه بعدل الحياة، معللاً ذلك بتساوي أحلام الأغنياء والفقراء.. وهو أمر يبدو غريباً جداً خاصة حين ننظر إليه من ناحية واقعية مريرة وهي نظرة الفقراء.. فالفقراء مثلاً قد يحلمون بالدواء والشفاء- الأكل والشبع- الناس والحب.. أي الأشياء المادية والمعنوية في حين أن الأغنياء يحلمون بالشفاء/الشبع/الحب.. وهي أمور نفسية فقط تختلف عن الضغط النفسيّ والشقاء المادي المتولد عن غياب الأمور المادية والمعنوية للفقراء.

- لم أفهم مقصده من بعض العبارات مثل (المحبة قناع بين محب ومحب)؟ هل معنى ذلك أن المحبة تُزيف حقيقة الأشياء فتعمينا عن رؤية الأمور بشكل منطقي؟! كأنه يقول (الحب أعمى) مثلاً؟؟ لا أتوقع هذا صراحة من جبران الشاعر والكاتب الحالم والشغوف بالمحبة.

- أعرب بوضوح عن اختلاف مفهومه للجريمة عما هو سائد قائلاً : (الجريمة اسم من أسماء الحاجة أو مظهر من مظاهر المرض) ! ولو سلمنا بصحة بهذه العبارة التي أختلف عليها.. ألا يجعلنا هذا أمام معضلة فلسفية شاملة لمفهوم الجريمة ومبرراتها؟ حيث اختزال الجريمة بين الحاجة والمرض فيخرج منها أفعال البشر الاختيارية التي تخول للقضاء محاسبتهم؟!

نعم قد تبرر تلك الجملة وحشية الكثير من الأفعال.. وأن الإنسان قد يكون مسيراً في بعض الظروف على ارتكاب جرائم معينة.. ولكن ماذا عن أولئك الذين يسعون في الأرض فساداً باختيارهم؟!  الذين تعودوا على الفساد؟ أو تربوا عليه؟ أو أحبوه؟ أو مارسوه عن عمد في البداية بشكل أخطاء بسيطة تراكمت ونشأت جريمة كبرى؟ هل هذا يخلي مسؤوليتهم؟

- يقول: (كم من مرة عزوت لنفسي جرائم لم أرتكبها قط لئلا أظهر أرفع ممن يجالسني من المجرمين) نعم هذا فعل متواضع حقاً، ولكن أليس هذا خداع؟ أم رقة مشاعر زائدة عن الحد؟ لا أعلم!


أجمل الاقتباسات من رمل وزبد:

- التذكار شكل من أشكال اللقاء.

-ليست حقيقة الإنسان في ما يظهره لك، بل بما لا يستطيع أن يظهره. لذلك إذا أردت أن تعرفه، فلا تُصغ إلى ما يقوله بل إلى ما لا يقوله.

- يحتاج الحق إلى رجلين: الواحد لينطق به والآخر ليفهمه.

- ما أنبل القلب الحزين الذي لا يمنعه حزنه عن أن ينشد أغنية مع القلوب الفرحة.

- كثيراً ما ينتحر الإنسان في الدفاع عن نفسه!

- الصالح الصالح هو ذلك الذي لا يفصل ذاته عن جميع الذين يحسبهم العالم أشرارا.

- ما أحمقك وأنت تطلب من الناس أن يطيروا بجناحيك ولكنك لا تقدر أن تعطيهم ريشة!

- لا تستطيع أن تحكم على رجل بأكثر مما تعرف عنه، وما أحقر معرفتك. نفس المعنى نراه في (حدثت مستنقعة عن البحر فحسبتني خياليا يبالغ، وحدثت البحر عن المستنقعة فظنتني مفتريا يهجو).

- أقرب الناس إلى قلبي ملك لا مملكة له وفقير لا يعرف كيف يتسوَّل.

- عندما وقفت أمامك مرآه نقية، تأملت فيَّ ملياً فرأيت صورتك.

ثم قلت لي "إنني أحبك" 

ولكنك بالحقيقة أحببت ذاتك فيَّ ! 

- التعاسة في أن أمدَّ يدي فارغة للناس فلا يضع فيها أحد شيئاً، أما القنوط فهي أن أمدها ملآنة فلا يأخذ الناس منها شيئاً.

للاطلاع على مزيد من اقتباسات جبران خليل جبران الرائعة شاهد هذا الفيديو 

فيديو عن اقتباسات جبران خليل جبران من كتابه رمل وزبد

__________ 

في النهاية، ما رأيكم في كتاب رمل وزبد؟ وهل ترون أنه من أفضل كتب جبران؟؟ 
_____

كتب هذه المراجعة/ أحمد عبدالوهاب من فريق مكتبة ميم.