لم يسلم أي إنسان من النقد، مهما كان عمله.. وغالبا ما تنشأ أقسى المعارك بسبب انتقادات وُجهت إلى أشخاص رأوا أنهم أعلى من النقد.. ومن المعارك القاسية، معركة الرافعي والعقاد.. وهذا الكتاب خير دليل!
على السفود، هو كتاب يعرض المعركة الأدبية التي انتقد فيها الرافعي العقاد من جميع جوانبه بطريقة لاذعة، أعتبرها من وجهة نظري لا تخلو من الشطط!


مضمون الكتاب:

كما قلت يُجسد الكتاب حرباً أدبية بين الرافعي والعقاد، وكان منشأ الهجوم الأساسي هو زهو عباس العقاد بشخصيته وبأدبه.. يقول "إسماعيل مظهر" في مقدمة الكتاب:

"يعبِّر عن رأيه  -يقصد الرافعي- في صراحة وجلاء في أديب امتاز  بين الأدباء بشيء من الصَّلَف عُرف به، وبقَدْر غير قليل من الزهو بالنفس والإغراب في تقدير الذات، تلك الأشياء التي لا تسكن نفساً إلا ويُطَلِّقها العلم ثلاثاً، ولا تحل بشخصية إلا وتنفر منها الرجولة نفوراً، ولا تغشى عقلاً إلا وتكون دليلاً على انحرافه وتفكك الثقة به"

في المقدمة الأولى ، باختصار، يُرفق الرافعي نبذة كتبها العقاد في جريدة "مصر" عدد 18 أكتوبر سنة 1929.. وكانت تتحدث عن الذين يدعون الفكر- طائفة الانتلجينزيا -  والمتحذلقين.. وحاول الرافعي بذلك أن يُسقط كلام العقاد على نفسه في مَثلٍ كتبه " مسكوا فرعون بخطه!". والمقدمة الثانية لإسماعيل مظهر، وأخيراً  مقدمة الرافعي والتي يهاجم فيها العقاد هجوماً حاداً، وينتقده انتقاداً بيناً.. واسم الكتاب "على السفود – أي الحديدة يشوى بها اللحم- خير بيان على هذا..

العقاد


فخذ على سبيل المثال هذه الجزئية (.. فإنا نكشف في هذه المقالات عن غرور مُلفَّف، ودعوى مغطاة، وننتقد فيها الكاتب الشاعر الفيلسوف!!! عباس محمود العقاد.. وما إياه أردنا، ولا بخاصته نعبأ به، ولكن لمن حوله نكشفه، ولفائدة هؤلاء عرضنا له. والرجل في الأدب كورقة البنك المزورة، هي في ذات نفسها ورقة كالورق، ولكن من ينخدع فيها لا يغرم قيمتها، بل قيمة الرقم الذي عليها، وهذا من شؤمها، ومن هذا الشؤم حق البيان على مَن يعرفها.)

إذا في نسخة الكتاب، هناك ثلاث مقدمات، الأولى بقلم عباس محمود العقاد (تستغرب؟! كتاب ينتقد العقاد ويبدأ بمقدمة له! هذا جزء من براعة الرافعي في قلب الطاولة!) الثانية بقلم إسماعيل مظهر والذي سمح بنشر مقالات "على السفود" في "العصور".. والمقدمة الثالثة للرافعي.. بعد ذلك في الفصول القادمة، يحاول الرافعي "تحطيم" صفات العقاد.. الشاعر الفيلسوف، لتستنتج بعد الانتهاء من " على السفود" ما أراد الرافعي الوصول إليه وهو أن العقاد متشاعر ومتفلسف!!

الاتهامات:

- اتهم الرافعي العقاد في كثير من الأمور منها:

1- لغته حيث قال: أما اللغة فهو من أجهل الناس بها وبعلومها.

كذلك قوله في شعره - شخصيا لا يعجبني معظم شعر العقاد-  ولكن تحامل الرافعي في هذه النقطة على العقاد كثيرا، مقسما أبياته إلى أبيات حسنة قليلة، وألوف من الأبيات السخيفة.. واستنتج من ذلك أن الأبيات الحسنة مسروقة بسبب قلتها! وأنه مهما بلغ من منزلة لن تتعدى  إلا أن يكون كاتبَ جرائد يحسن صنعته أو مترجماً لا يعترف بسرقته أو مجرد كاتب سياسي!


نموذج من شعر العقاد

ونرى في الكتاب، مقارنات كثيرة بين شعر العقاد والأقدمين.. يحاول الرافعي بعرضها إثبات ركاكة أسلوب العقاد وضعف بلاغته.. ولم أشكل رأي نهائي في هذا الموضوع، نظراً لعدة أسباب:

أولا: ينقصني الاطلاع الكافي على الحالة الاجتماعية والثقافية آنذاك مما يمنعني من النظر إلى تلك المشاحنات نظرةً سليمة ومنطقية..

ثانياً: كانت هناك حرب أدبية - إن صح التعبير- بين العقاد وأعوانه والرافعي وأعوانه.. وأنا لم أقرأ حتى الآن إلا لجانب واحد.

ثالثاً: بعض الأمور في هذا الكتاب مقنعة! ولكنها "بعض".. فأسلوب الرافعي تهكمي وتحامليّ بامتياز.. ولم تقتصر انتقاداته على كتابات العقاد بل تخطت تلك الحدود ووصلت إلى انتقاد شخصيته وإهانته وإهانة بيئته بطبقية وتكبر لا يقلان بشاعةً عما يحاول الرافعي إثباته!

رابعاً: لذلك يحتاج الرد أو الاقتناع برأي ما إلى اطلاع شبه شامل وواسع بهذه المجريات بالإضافة إلى أساسيات النحو والصرف والعروض، ضف على ذلك التفرغ التام لمدة من الوقت ليست بالقليلة حتى تعطي الأمور حجمها!

نعود لنقطة الاتهامات:

2- سرقته الأدبية: قائلاً: أحسن ما يكتبه هو أحسن ما يسرقه! ويتبين هذا في فصول الكتاب ويدلل على ذلك بالأمثلة الكثيرة.

3- شخصيته، حيث حلل شخصية العقاد من كتاباته، مستنتجاً بذلك أنه شخص حقود لئيم، وسفّه من شخصيته في كل مواضع الكتاب تقريبا.. مدللاً على ذلك بكلمات العقاد التي كان يوجهها لأدباء محنكين مثل الدكتور هيكل، والأستاذ خليل ثابت، (والذي يتضح إعجاب الرافعي بهما)، وسعد زغلول.. ويلقبه بالمراحيضي في فصولٍ كثيرة.

4- فلسفته، حيث يرى أنه متفلسف صغير الفكر ضعيف النظر.

_____________

النقد:

- ادَّعى أنه ليس من العبقرية في شيء تلخيص الكتب - معلنا أن هذه ما يفعله العقاد- ولكني أختلف معه كثيرا في هذه النقطة، فمثلا تلخيص الكتب وإن لم يكن عملًا إبداعيا أصيلا، فهو يقوم بمقام تبسيط العلوم بطريقة جذابة ومعلوماتية.. وهناك مسابقة مشهورة اسمها (FAMELAB) وهي مسابقة عالمية، تعتمد على تلخيص النظريات العلمية في دقائق معدودة بطرق إبداعية ومبتكرة.. وأيا ما كان، تلخيص كتب  أم نظريات علمية، فالملخصات تكشف قدرة الشخص الإبداعية على التركيز على ما يهم فعلا، وزيادة وعي العامة بما يلخصه.. ثم إنني أرفض أن أعتبر التلخيص سرقة كما اعتبرها الرافعي وأكدّ على هذا مرارا وتكرارا.

____

- من الأمور التي انتقد الرافعي فيها العقاد هي استخدامه العامية في بعض الأبيات، وللمفارقة، نرى الرافعي يستخدم العامية بكثرة في هذا الكتاب خاصة حين يعرب عن تعجبه!

____

- رأى العقاد أن كثرة الاستعارات دليل على فقر الكاتب، لكن الرافعي "هوَّل" هذا الرأي وأخذه إلى مناطق خالية من الصحة  -من وجهة نظري- تستطيع الاطلاع على ذلك في صــ 44، و45، و46.

_____

على السفود طبعة عصير الكتب


الأسلوب:

ساخر، تحليلي ومهتم بالتفاصيل الأدبية خاصة القواعد النحوية.. وهي نقطة ارتكز عليها ارتكازا محكما، وحاول تضخيم أخطاء العقاد وخلطه للمعاني في شعره..

لكن بعيداً عن هذا، أضحكني بأسلوبه الساخر في فصوله المختلفة! والكتاب جيد  إذا كنت تريد التعرف عن قرب على هفوات العقاد أو شطحاته من وجهة نظر الرافعي.. وهو بمثابة معركة أدبية مثيرة، حوربت فيها أبيات العقاد..  ( ومازال هناك الكثير من كتابات العقاد التي لم يلتفت إليها الرافعي.. فلقد ارتكز الكتاب بشكل رئيسي على الشعر)

عموماً  الكتاب مُسلٍّ وظريف، لم أمل إلا قليلا (بسبب التفاصيل الأدبية الزائدة)، أتمنى لكم قراءة ممتعة.

_______

عن الكتاب:

تأليف: الرافعي.

عدد الصفحات: 120ص.

دار النشر: مؤسسة هنداوي.

_______

للاطلاع على مقالات الفريق السابقة:

- حديث القمر.. 

- تحت راية القرآن.

-السحاب الأحمر

- الجمال البائس 

-المساكين 

-أوراق الورد

كتب هذه المراجعة: أحمد عبدالوهاب من فريق مكتبة ميم.