في حياة كلٍّ منا بطل، بطل حقيقي أو وهم نبتدعه..  كما أن لكل حقبة زمنية أبطال.. ولكن ظهور البطل وعملية الاعتراف به لا تخلو من الحيرة، والمعارك، والجدال!  ليظهر أناس يدعون أنهم هم الأبطال الحقيقيون المؤثرون.. وقد يختفي من الصورة بطل حقيقي عفت نفسه عن الأدعياء وأراد أن تتكلم أعماله عنه.. ومن هؤلاء الأبطال " مصطفى صادق الرافعي"! 

وكتابه"كلمة وكليمة" عبارة عن مقالات قد نشرت سابقاً في مجلة الرسالة إلا أنها لم تجمع مع مقالات "وحي القلم".. وهي تدور حول الرافعي سواء عن حياته أو بعد وفاته، وكيف أثرت كتاباته على الأدب العربيّ.. وكيف كانت حياة هذا البطل؟؟

مضمون الكتاب:

كما أوضح بسام عبدالوهاب الجابي الذي قد جمع ونسق الكتاب.. بداية الكتاب بأقوال العظماء في الرافعي مثل محمد عبده، ومصطفى كامل، وسعد زغلول وشكيب أرسلان.. أتبع ذلك بثلاث مقالات لمحمد سعيد العُريان.. ثم رثاء أحمد حسن الزيات للرافعي.. بعد ذلك كلام للرافعي عن الموت.. ثم نص الكتاب وهو "كلمة وكليمة"، وأخيراً كلام محمود شاكر عن الرافعي!

أي كما ترى، فمعظم الكتاب ليس من كلام الرافعي، ولنتجاوز  ذلك بالوقوف على أن كل الكتاب متصل بالرافعي بطريقة ما!

أقوال العظماء في الرافعي:

فعلى سبيل المثال، ما قاله مصطفى كامل عنه: " سيأتي يوم إذا ذكر فيه الرافعي قال الناس: هو الحكمة العالية مصوغة في أجمل قالب من البيان"

وهذا مثال على بعض ما جاء في هذه المقدمة، والتي تنوعت بين مدح كتابات الرافعي وشخصه، وبين التنبؤ له بمستقبل أدبي مميز. أما عن مقالات العريان والتي تستمر إلى صفحة 56، فأراها تتسم بتبجيلٍ خاص جداً لشخص مصطفى صادق الرافعي، فهو يعتبره في المقام الأول تلميذه ثم صديقه! لذلك نرى تواضعاً وإجلالاً عظيمين في مقالاته، لكن للعلم، لقد توفي الرافعي وبينه وبين العريان مغاضبة.. ولكنها كانت بعد الطبعة الأولى من كتاب "وحي القلم".. لكن هذه المقالات التي ستراها في الكتاب كانت قبل ذلك الوقت وبحسب وصف "بسام عبدالوهاب" لم يستنكر الرافعي أياً من هذه المقالات ولم يعترض على أي شيء مما جاء فيها.

وفي المقال الأول، تكلم العريان عن بداية معرفته بالرافعي والتي اقترنت بنشيد  "اسلمي يا مصر" ومدى تأثره بكتاباته وبشكل خاص "رسائل الأحزان!" ثم عن نشأته، وصحح أيضاً مفاهيم عن الرافعي وحياته.. لذلك أرى هذا الجزء من الكتاب اختيار ممتاز لمن أراد  أن يعرف عن الرافعي أكثر  ممن عايشه بصورة تدريجية - العريان- فلقد كتب عن شعره، ونشأته، ونبوءات الأدباء للرافعي بمنزلة أدبية رفيعة كحافظ إبراهيم.. ورأيه في المرأة والنقد ووطنيته وطريقته في الكتابة.. أي أنه يعتبر تشريحاً نفسياً وتحليلاً مختصراً لاتجاهات الرافعي.

ومنها كلام اليازجي عن ديوانه الذي قد كتبه الرافعي وهو لم يبلغ بعد 23 سنة قائلاً كما في الصورة:

كلام اليازجي عن ديوان الرافعي

- أما في "كلمة وكليمة" فتظهر بعض آراء الرافعي  بصورة واضحة ومباشرة في صورة مقتطفات عن الموت، الحب، الإسلام والأنظمة الاجتماعية الأخرى، الزواج، الكتابة، النسوية، وغير ذلك الكثير من نظرياته في التشعبات الاجتماعية القائمة حوله.. 

 منها على سبيل المثال:

- أربعة آلاف كلمة في الثرثرة، أقل من أربع كلمات في الحكمة! (جميلة؟ أليس كذلك؟!)

- يموت الحي شيئاً فشيئاً، وحين لا يبقى فيه ما يموت، يقال: مات! ( يا الله، معبرة!)

اقتباس من كلمة وكليمة للرافعي. 

-

- أضيع الأمم أمة يختلف أبناؤها، فكيف بمن يختلفون حتى في كيف يختلفون!


النقد:

-في جزء رثاء الزيات له، شعرت بحزن شديد.. ربما لأنه ذكرني بالموت، وكيف أن الرافعي لآخر لحظاته كان يأمل كتابة المزيد. صحيح أننا نعيش بالأمل.. ولكننا قد نموت أيضاً بأمل! وهذا شيء محزن أو عادي، لا أعلم!

 يقول الزيات: " الرافعي هو أمة وحده، لها وجودها المستقل، وعالمها المنفرد، ومزاجها الخاص، وأكثر الذين كرهوه هم الذين جهلوه"

-لم يعجبني أن الكتاب يعتبر سيرة ذاتية! ليس عن الرافعي فحسب، ولكن بسام عبدالوهاب أرفق ترجمة عن العريان في عدة صفحات من الكتاب وكذلك لأحمد حسن الزيات ومحمود شاكر!

-كما لم يعجبني مدافعة العريان عن الرافعي في جزئية الجديد والقديم أو اعتباره عدم مراجعة الرافعي لآرائه دليل على إيمانه العميق الصحيح قائلا: ( منذ كان إلى اليوم، لم يرجع عن رأي رآه!!) لأنني أرى أن من طبيعة الإنسان التغير ومن سنن الحياة التقلب والتبدل.. لذلك دائماً تكون آراء الإنسان متغيرة تبعاً لنضج عقله وسعة معرفته وإحاطته بالظروف.. لكن ثبات الإنسان على رأي طيلة حياته لا يدل عندي على شيء غير التعنت والمغالاة!

- أعجبني عنوان مقال الرافعي " بعد الموت، ماذا أريد أن يقال عني؟!" وهو عنوان كما ترى يتميز بالجرأة والمباشرة.. ولا يقل أبداً أبداً جمالاً وصدقاً وبلاغة عن مضمون المقال الذي قرأته أكثر من مرة.. ولو أردت إرفاق ما أعجبني من تعبيرات، لأوشكت على كتابة كامل المقال! ولكنني سأتركك تسافر بعيداً مع كلمات المقال في رحلتك الخاصة..

- لم أفهم بعض تلميحاته بخصوص المرأة، منها: 

-أنا مستيقن أن العلم سينتهي إلى إثبات هذه القضية: إن المرأة مريضة بأنها أنثى. 

ما الذي يعنيه بمرض المرأة بأنها أنثى؟؟! هل العلاج سيكون بعبورها لجنس الرجال؟ لا أعلم! 

نرى هذا أيضًا في: 

اقتباس من كلمة وكليمة للرافعي

ما أعجب كلام الرجال عن المرأة التي لا تتكلم!

ويقول أيضاً: المرأة التي لا زوج لها منفيّة وإن كانت في دارها، لأن وطن قلبها الرجل!

نعم نعم، أما الرجل فهو وطن بحد ذاته!

عموماً كالعادة، لا تعجبني آراء الرافعي المتعلقة بالمرأة وهذا يتضح من مراجعتي لكتاب "الجمال البائس" ولكن هذا لن يمنعني من الاعتراف بما قدمه للأدب العربي من كتب جليلة هامة! بالإضافة إلى أسلوب الرافعي البليغ والسلس والمتمكن! وكتاب كلمة وكليمة رحلة قصيرة تأخذك في عالم الرافعي وسيذهب بك بعيداً مع تحليلات العريان أو رثاء الزيات ومحمود شاكر.. ستشعر  بقبضات قويّة لفقدنا لهذا الأديب.. إلا أنك لا تملك غير شكره على ما قدمه! 

لأخذ رحلة إضافية مع كتابات الرافعي يمكنك قراءة ما كتبناه على مكتبة ميم هذا الشهر عن الرافعي، منها: 

رواية "حسام الدين الأندلسي"للرافعي.

-وحي القلم.

-كتاب "على السفود" للرافعي 

-رسائل الأحزان.

_______ 

كتب هذه المراجعة الراقم/ أحمد عبدالوهاب من فريق مكتبة ميم.