هل قرأت رواية " كوابيس بيروت " التي احتلت المركز العاشر في تصنيف أفضل 100 رواية عربية، وهذه القائمة صادرة عن اتحاد الكتاب العرب في عام 2001 م ؟؟  لا شك عزيزي القارئ إن لم تقرأ الرواية فأنت من المؤكد سمعت بها، لكن الأغرب من ذلك ليست الرواية بل صاحبتها الروائية السورية " غادة السمان " التي يظن كثيرون  أنها فارقت الحياة، وذلك لغيابها عن الأوساط الإعلامية، فلا تكاد تلمحها في مقابلة تلفزيونية ولا حتى تراها توقع إصداراتها في معارض الكتب الدولية !  روائية مثيرة للجدل وكاتبة من طراز رفيع يصح أن نقول أنها من كتّاب الزمن الجميل التي لا تزال تنبض إبداعاً حتى يومنا هذا لكن هناك في الكواليس بعيداً عن الأضواء ، فلذلك اخترناها لتكون ضيفة مكتبتنا لهذا الشهر .

من هي غادة السمان ...؟

غادة أحمد السمان أديبة وصحفية سورية ، تأثرت كثيراً بأفكار والدها " أحمد السمان " الذي كان محباً للأدب والعلم بالإضافة لكونه متحصل على دكتوراه في الإقتصاد السياسي من جامعة السوربون وشغل منصب وزير التعليم العالي في سورية ، كل ذلك رسم معالم الطريق أمام هذه الأديبة الشابة التي أعلنت تمردها على المجتمع بعد أن اصطدمت بواقع المجتمع الدمشقي المحافظ والذي كان ينظر للمرأة على أنها قاصر ولا تصلح إلا لتكون زوجة صالحة ومكانها لا يمكن أن يتجاوز حدود المطبخ .

وفاة والدتها " الأديبة سلمى رويحة " ترك أثر بالغاً في نصوصها فهي التي فقدت حنان الأمومة في طفولتها البكر ، فما كانت هذه النكبة إلا مصدر قوة لغادة فشقت طريقها بقلمها و حاولت أن تكون صوتاً صارخاً للمرأة السورية متحدية السلطة الذكورية التي فرضت هيمنتها على المجتمع ، لذلك تعتبر غادة السمان من أوائل الأقلام النسوية في العالم العربي التي جاهدت بالفكرة لتحصل المرأة على حقوقها كاملة غير منقوصة .

الولادة

غادة السمان من مواليد العاصمة السورية "دمشق"  1942م ، لأسرة دمشقية أصيلة، تجمعها صلة قرابة بالشاعر الدمشقي المعروف " نزار قباني " .

وتقول في حوار لها مع مجلة الإعلام والعصر :

" لن أضجر من الإعتراف منذ ربع قرن وأكثر : دمشق مسقط قلبي.

مدينة دمغتني بكل ذكرى عشتها فيها ."

لمحة عن مسيرة الروائية " غادة السمان "

خالفت غادة رغبة والدها في دراسة " الطب البشري " واختارت أن تحجز مقعدها في كلية الآداب في جامعة دمشق ودرست الأدب الانكليزي ، تخرجت من الجامعة بشهادة ليسانس في عام 1962م ، وفي العام نفسه صدر لها أول مجموعة قصصية موسومة  بـ "عيناك قدري " وبعدها انتقلت إلى بيروت تحديداً إلى الجامعة الأمريكية لتتحصل على شهادة ماجستير في تخصص "مسرح اللامعقول " .

وفي عام 1965 نشرت مجموعتها القصصية الثانية التي حملت عنوان " لا بحر في بيروت "

برزت غادة في تلك الفترة بصفتها صحفية، ومارست العمل الصحفي في العديد من الصحف والمجلات وكانت مقالاتها ذات أثر راسخ ، ولعل أبرز مقالاتها جاء تحت عنوان :

" أحمل عاري إلى لندن " الذي كتبته بعد الهزيمة النكراء في حرب 1967 م ، وحذرت السمان من مصطلح " النكسة " المتداول إلى حد اللحظة لأنها كانت ترى أن مفعولَ هذه المصطلحات التي كانت تنتجها السلطات العربية ذو أثر بعيد يهدف إلى تخدير الشعب العربي وإبعاده عن مساره في طلب الحرية والإستقلال .

تعرضت غادة السمان لضغط من السلطة السورية ، وتم إعتقالها في عام 1966م لتقضي خلف قضبان السجن ثلاثة أشهر، وبعد الإفراج عنها غادرت البلاد لتعمل كمراسلة صحفية في العديد من العواصم الأوروبية  نذكر منها باريس التي قضت فيها قرابة عشر سنوات، وبعد ارتحالٍ طويل قررت أن تحط رحالها في بيروت العاصمة التي شكلت جزءاً من إنتاجها الأدبي وكانت تلك المدينة ملهمة لها بكل ما تعنيه الكلمة من معنى ، فقصص كثيرة و روايات وأحداث عاشتها في ظلال بيروت .

قبل أن تنخرط السمان في الكتابة الصحفية عملت في مجال التعليم كمدرسة لمادة اللغة الانكليزية وبعدها عملت كأمينة مكتبة، وكان أول ظهور  لها كصحفية في مجلة الأسبوع العربي ومجموعة من المجلات الأخرى ، وانتقلت إلى الكويت للعمل كمقدمة برامج إذاعية .

زواجها من بشير الداعوق

يقول المقربون من غادة السمان أن زواجها كان بمثابة الصدمة، فشخصيتها المتمردة لا تتناسب أبداً مع شخصية الناشر  بشير الداعوق صاحب دار نشر الطليعة، ولكن دائماً يمتثل الزواج للقسمة والنصيب، فكان حفل زفافها من بشير في أواخر الستينيات وأنجبت منه طفلها الوحيد "حازم " الذي اختارت له هذا الاسم تيمناً باسم أحد أبطالها في مجموعتها القصصية " ليل الغرباء " .

وفي عام 1978 م وبالتعاون مع زوجها دشَّنتْ دار نشر تحمل اسمها حتى تنشر بسلاسة بعيداً عن ضغط الرقابة وبعيداً عن دور النشر التجارية التي كانت تصفها بأنها تستغل الأدباء.

واستمر زواجها مع بشير الداعوق إلى أن وافته المنية في عام 2007 م بعد صراع طويل مع مرض السرطان .

قصة حب غادة السمان والروائي الفلسطيني غسان كنفاني

كثيرة هي القصص والأحداث التي تشكل هالة من الغموض حول علاقة غسان كنفاني وغادة السمان، لكن بدأت القصة في ستينيات القرن الماضي عندما اجتمع كنفاني بغادة في إحدى السهرات في مدينة القاهرة وحظيت بإعجابه الشديد، في ذلك الوقت كانت غادة لا تزال طالبة أما كنفاني فكان متزوجاً من إمرأة كندية وتسمى " آني هوفا ".

بعد ذلك اللقاء كتب كنفاني العديد من الرسائل وبعث بها إلى غادة، كانت علاقة سرية بين تلك الشابة المتمردة وذاك المناضل الرمز الذي اختاره القدر أن يكون ضحية عملية إغتيال نفذها الموساد الإسرائيلي في العاصمة بيروت تحديداً في 8 يوليو 1972 ليخلد اسمه في كتب التاريخ بصفته مناضل نذر نفسه للقضية الفلسطينية وكان صوتاً حراً لم يوقفه إلا الموت .

بعد عشرين سنة تماماً في عام 1992 م وفي الذكرى السنوية لرحيله أصدرت غادة كتابها المعروف "رسائل غسان كنفاني إلى غادة السمان " الذي أفرج عن قصة الحب التي بقيت سجينة الورق طوال تلك السنوات الماضية، وأثار الكتاب ضجة كبيرة في الأوساط النقدية والأدبية والسياسية أيضاً، ولا تزال الكثير من الأسئلة تدور في ذهن قراء الكتاب، هل كان حباً من طرف واحد ...؟ ولماذا لم تنشر غادة رسائلها في هذا الكتاب ...؟ 

غادة السمان والموسيقار بليغ حمدي

لم تكن قصة غادة وغسان هي الوحيدة بل كثرت الإشاعات أيضاً عن قصة حب بينها وبين الموسيقار الراحل بليغ حمدي ، حيث وردت أخبار بأن علاقتهما كان في طريقها لتصبح زواجاً رسمياً إلا أن ظهور الفنانة الراحلة "وردة الجزائرية " في حياة بليغ حمدي جعلته يعدل عن قراره بالزواج من غادة ويتزوج من وردة في عام 1973م، وتجدر الإشارة أن غادة لم تنشر كتاباً يحمل عنوان تلك الرسائل، لكن هذه القصة كشف عنها الصحفي " أيمن الحكيم " في كتابه "رسائل لها تاريخ ...العوالم الخفية للمشاهير " الصادر عن الهيئة العامة لقصور الثقافة .

غادة السمان والشاعر أنسي الحاج

لم تتوقف مفاجآت غادة  فمؤخراً وفي عام 2016 أصدرت كتابها الذي يحمل عنوان "رسائل أنسي الحاج إلى غادة السمان "  الذي صدر عن دار  الطليعة، وتم بيعه في معرض الكتاب الدولي في العاصمة بيروت في العام نفسه، جمعت غادة السمان في هذا الكتاب كل تلك الرسائل الرومانسية التي كتبها " أنسي الحاج " وبعثتها في كتاب، أثار ضجة كبيرة في الأوساط الأدبية وهناك من بدأ يشكك في قصتها حتى مع غسان كنفاني، ورأى جمع من النقاد أن هذه المحاولات ليس هدفها إلا إعادة غادة إلى دائرة الضوء، ولكن رغم الكثير من الإنتقادات التي وجهت لغادة  إلا أن كتبها لا تزال محط اهتمام القراء في العالم العربي، وهي ليست بحاجة لهذه الشهرة أساساً ، لكن السؤال الذي أرق جميع القراء: لماذا لم تنشر غادة السمان رسائلها إلى عشاقها إلى حد اللحظة ...؟ 

وتعقب غادة في لقاء لها مع مجلة الإعلام والعصر الإماراتية على كتاب رسائل غسان كنفاني إلى غادة السمان :

غسان كان ينشر رسائله لي على صفحات الصحف ويقوم بقراءتها على الأصدقاء معلناً حبه، وبالتالي أنا لم أبح بسر، ثم إنني توهمت أن خطوتي هذه ستشجع سوايَ على سد النقص العربي في حق أدب المراسلات والاعتراف ، وللأسف كنت مخطئة، وحدث العكس ولم يجرؤ أحد خلال العقدين الماضيين على مجاراة خطوتي والغضبة ( المضرية ) والحملة الصحافية عليّ أخافت الكثيرين ، لكنها ببساطة لم تُخِفْني ، ولأن أحداً سوايَ لم يتقدم ( لتعليق الجرس) سأقوم أنا بذلك وسأتابع نشر رسائل المبدعين الراحلين لي .

ويعد هذا اللقاء الصحفي مع غادة السمان من اللقاءات النادرة والقليلة جداً ، ويرجع تاريخه إلى حزيران 2012 م، وكانت قد رفضت إجراء أي لقاء تلفزيوني لأنها في احدى المقابلات اكتشفت أن محاورها في ذاك اللقاء لم يقرأ لها أي كتاب ! فقررت الابتعاد عن الأوساط الإعلامية إلى الأبد .

أعمالها

كتبت غادة في شتى الأجناس الأدبية، فبين المقال الأدبي والسياسي والقصة القصيرة والشعر أنتجت غادة السمان كماً هائلاً من المؤلفات والأعمال الإبداعية وتُرجمت أعمالها إلى لغات كثيرة ، حيث حصدت روايتها بيروت 75 " الطبعة الانجليزية " جائزة جامعة تكساس للكتاب المترجم،  والطبعة الإسبانية للرواية نفسها حصدت جائزة أندلوسيا للكتاب المترجم .

ونذكر من أعمالها الروائية :

" بيروت 75 " ...1975

" كوابيس بيروت " ...1976

" ليلة المليار " ...1986

" الرواية المستحيلة ..فسيفساء دمشقية " ...1997

" سهرة تنكرية للموتى " 2001

" يا دمشق وداعاً ...فسيفساء التمرد 2015

" تعرية كاتب تحت المجهر " 2018

أما عن الشعر :

ديوان  "القلب العاري عاشقاً " والذي نسجته بعد رحيل زوجها بشير وصدر في عام 2009

وديوان "عاشقة الحرية" الصادر في 2011 ، وطبعاً كان قد سبق ونشرت قرابة عشر دواوين شعرية .

كلمة أخيرة

الياسمينة الدمشقية غادة السمان كانت ولاتزال تفوح عبقاً في كل ما كتبته وتكتبه نتمنى لها العمر الطويل وننتظر منها المزيد من الإبداع، غادة السمان أديبة اختارت الكفاح بالقلم وكسرت القيد بأفكارها وكانت من أوائل النسوة اللواتي عرفن أن ما أُخذ بالقوة لايسترد إلا بالقوة، كانت في فلسطين ولبنان وسورية وفي كل العواصم التي عرفت طريقها إلى الحرية شاهداً على الحدث توثق كل الحقائق التي حاولوا طمسها وإخفاءَها ، غادة السمان مناضلة زرعت نفسها في كل شبر من هذا الوطن لتكون صوت الحقيقة دائماً .

المصادر :

_______

حوار مع مجلة الإعلام والعصر الإماراتية 

غادة السمان ياسمينة الشام _ الباحثون السوريون _

ويكيبيديا

____________________________________________

المقال بقلم الراقم : أحمد خضر أبو إسماعيل من فريق مكتبة ميم

لقراءة المزيد عن :

نجيب محفوظ

جبران خليل جبران

مصطفى صادق الرافعي