" أعاذك الله من سوء الغضب، وعصمك من سرف الهوى، وصرف ما أعارك من القوة إلى حب الإنصاف، ورجح في قلبك ايثار الأناة ".

                                                _الجاحظ.

كتابنا اليوم بعنوان"مجموع رسائل الجاحظ"، يقع في 228 صفحة، حقق لنا نصوصه وقدم لها وعلق عليها الدكتور محمد طه الحاجري.

ويعرض لنا الكتاب تسعة رسائل تحت تسعة عناوين تباين فيها الأسلوب وتعدد الغرض واختلفت الوجهة، غير أنها جميعا تفيض بقدر عظيم من الحس الفني والبراعة الأدبية والحِكم البليغة والكلام الصائب الرشيد.

كما يسبق كل نص من نصوصها فقرة تمهيدية للباحث طه الحاجري يحاول فيها التدقيق على أهم ما جاء في الرسالة من مواضع الإبهام، ويسعى ما أمكن إلى تبيين ملامح ما ورد فيها من المعنى والقصد، ويُحلل ما استطاع من العبارات التي رأى في اقتباسها ما يدعم وجهة رأيه ويبرر غاية شرحه، ويستطرد في حديثه إلى أبعد من حدود مضمون الرسالة حين يتناول نفسية الجاحظ فيها وظروف تأليفها من أخبار التاريخ وبعض حوادثه.

ورأيت أن أجمل رسالتين كتبهما الجاحظ:

"رسالة الجد والهزل" والتي توجه بها إلى ابن زيات، يتنقل فيها ما بين المعاتبة والنصح ممتطيا المزح تارة والجد تارة أخرى لما وقع بينه وبين صاحبه من الغضب والجفوة، فكان من جميل ما قال فيها: "جُعلت فداك، لا تتعرّض لعداوة عقلاء الرواة ولضغينة حُفّاظ المثالب وللسان مَن قد عُرف بالصدق والتوخي وبقلّة الخَطَل والتكسُّب، ولا تعاقب وَادّاً وإن اضطرّك الوادّ، ولا تجعل طول الصُحبة سبباً للتضجُّر "، وقوله: " وخير شُركائك من أعطاك ما صَفا وأخذ لنفسه ما كدُر، وأفضل خُلطائك مَن كَفاك مؤونَته وأحضرك معونَته، وكان كلاله عليه ونشاطه لك ".

أما الرسالة الثانية فهي رسالة " المعاد والمعاش"، كتبها لأبي الوليد بن أبي دؤاد، واضعا فيها له جملة من الآداب وقواعد السلوك الإجتماعي الصائبة التي تقتضيها الطبائع البشرية، وذلك لما ربطه به من الإخاء والمحبة ورغبةً منه في السعي إلى تبصيره وتحصينه، ومن قوله فيها: " فأوّل ما أوصيك به ونفسي تقوى اللّه، فإنه جماع كلّ خير وسببُ كل نجاة ولِقاحُ كل رُشد، هي أحرزُ حِرز وأقوى مُعين وأمنعُ جُنّة، هي الجامعة محبّةَ قلوب العباد والمستقبلةُ بك محبّةَ من لا تجري عليهم نِعمُك."

وقوله: "المنفعة توجب المحبة، والمضرّة توجب البغضاء، والمضادّة توجب العداوة، وخِلاف الهوى يوجب الإستثقال ومتابعتُه توجب الأُلفة، والصدق يوجب الثقة والكذبُ يورث التُهمة والأمانة توجب الطُّمأنينة... ". وقوله كذلك: "والظُنون إنّما تقع في القلوب بالدلائل، فكلما زاد الدليلُ قَويَ الظَنُّ حتى ينتهيَ إلى غايةٍ تزولُ معها الشكوك عن القلوب، وذلك لكثرة الدلائل وترادفها ".

وهذا لا يخالف كون أن بقية الرسائل تتمتع بنفس القيمة وتعتلي نفس المكانة، حيث نلمس فيها دائما شيئا جديدا وذوقا مميزا، كرسالتي : "رثاء وتأبين" و"فصول في الهجاء"، وهما من أول النصوص النثرية التي حققها الجاحظ في الرثاء والهجاء بعدما كان الأمر مقتصرا فيهما عند العرب على الشعر فقط، أو رسالة "فصل ما بين العداوة والحسد "، وهي رسالة أخرى يصعب إنكار مدى الروعة بين جوانحها، فصَل فيها الجاحظ بين مفهوم الحسد والعداوة وما لقيه من عناء في مواجهة حسّاده، جاء فيها: " فكلّ حاسدٍ عدوٌّ وليس كل عدوّ بحاسد "، وأيضا: " والحسد أخو الكذب يَجريان في مضمارٍ واحد، فهما أليفان لا يفترقان وضجيعانِ لا يتباينان"، وقوله: " والعداوةُ وإن كانت تقبِّح الحسن فهي دون الحسد ... والحاسدُ لا يزولُ عن طريقته إلاّ بزوال المحسود عليه عندَه، والعداوةُ تحدثُ لعلّةٍ، فإذا زالت العلّةُ زالت معها، والحسد تركيب لعله يحسد عليه، فهو لا يزول إلا بزواله".

ختاما، لقد تمكن الجاحظ بما حققه من ذخيرة كتابية أن يَقلب مسار الأدب ويُحدث نقلة عظيمة لم يسبقه إليها أحد، فألّف ما لم يخطر على أديب ودرس ما لم يجرأ عليه مفكر، ونظّم الشعر وإن تألق في النثر ..

تستطيع أن تقول أنه أحد المنعرجات الهامة  في التاريخ الأدبي العربي النادرة الوقوع..إنه الأسطورة !

_______________________

بقلم: سهام بن دادة.