" هذه حكاية حارتنا، أو حكايات حارتنا وهو الأصدق. لم أشهد من واقعها إلا طوره الأخير الذي عاصرته، ولكنّي سجلتها جميعاً كما يرويها الرواة وما أكثرهم. جميع أبناء حارتنا يروون هذه الحكايات (...) وما أكثر المناسبات التي تدعو إلى ترديد الحكايات! كلما ضاق أحد بحاله، أو ناء بظلم أو سوء معاملة، أشار إلى البيت الكبير على رأس الحارة من ناصيتها المتصلة بالصحراء وقال في حسرة: "هذا بيت جدّنا، جميعنا من صلبه، ونحن مستحقو أوقافه، فلماذا نجوع؟ وكيف نضام؟!"

هكذا افتتح نجيب محفوظ روايته الأكثر جدلاً في تاريخ الروايات العربية ملخصاً الكثير من مضمونها العام، تلك الرواية الجريئة التي أثقلها الكثير من النقاد بالمعاني والدلالات، ولم تسلم الرواية من الآراء حتى ممن لم يقرأها. 


مضمون الرواية:

بهذا التمهيد نتابع حكاية مجتمع منحط، يعبث فيه الفُتوّات متى أرادوا، أما العامة، فهم مجموعة من الأغبياء الذين تقودهم العصا والسوط ويهوون الذل والعبودية، وغابت عنهم الأخلاق والهمم، ومهما فعل المصلحون، لا يلبث أن يصير التحسن هباءً منثوراً ، لا فرق إن استخدموا القوة كـ "جبل" و"قاسم"  أو اللين كـ "رفاعة" ! ويعود الشعراء في المقاهي يرددون تاريخ الحارة باستياء.

وحتى مع "عرفة" لم تتغير الأمور  بل ساءت، لتضيع الحارة من جديد في عالم الفتوات والقهر والحكايات.

وعلى الرغم من أن هذه الحكايات تتردد باستمرار إلا أنها لا تزيد العامة إلا إذعاناً وهواناً! ما يتناقض مع رسالتها بوضوح! ويعرف الفتوات جيداً تأثيرها، فبها يخمدون أي صوت يعارضهم، كأنه يخبرنا ببساطة عن حال المجتمع الحديث وسط الرقابة ووسائل الإعلام.

هكذا تحدثت الرواية عن التاريخ الإنساني عبر عصوره المختلفة، مستخدِمةً رموز الديانات الرئيسية الثلاث في مواجهة استبداد السلطة [1].

من رواية أولاد حارتنا لنجيب محفوظ 


طريقة عرض الرواية:

اعتمد نجيب محفوظ في روايته "أولاد حارتنا" على الرمز، فلم تصرّح الرواية بأن لها علاقة بالدين، بل تعتمد على فَهم القارئ ومعرفته بالأمور الدينية، لكن لن يتطلب الأمر وقتاً كثيراً حتى تستنتج أن:

"الجبلاوي": وهو صاحب البيت الكبير، والذي بسببه تدور أحداث الرواية في جو مشحون بالفتونة والدم، يرمز للذات الإلهية! لكن نجيب محفوظ أعلن في حوار له أنه رمز "للدين" وهذا غير منطقي بالنسبة لي طيلة أحداث الرواية باستثناء آخر جزأَيْن.

و"أدهم" : هو رمز النبيّ آدم.
و"جبل" : هو رمز للنبي موسى.

و"رفاعة": رمز للمسيح.

و"قاسم": رمز للنبي محمد.
أما "عرفة": فهو رمز للعلم.
و"إدريس": رمز لإبليس. وغيرهم من الرموز الثانوية...

حتى الحبكة ذاتها مرتكزة كلياً على القصص الدينية، باختلاف بعض المتغيرات التي أضافها نجيب محفوظ ليناسب مناخ الحارة المصرية، و"يمنطق" مسار الأحداث بصورة لا تخرج عن طور الرواية، فلِتَمْصير المكان أضفى عليه الطابع الشعبي من المقاهي، والغُرَز، والنبابيت، وباعَة البطاطا.

ولفت نظري أن عدد أجزاء الرواية هو 114 جزءاً، ما يتوافق مع عدد سور القرآن الكريم!

بسبب هذا النهج الرمزي، اختلف النقاد على مقصد نجيب محفوظ من روايته وما الرسالة التي يحاول إيصالها؟ يقول البعض أن مقصده الحقيقي هو رموز ثورة يوليو 1952، بعدما أَمِلَ الجميع في حياة أفضل لم يجدوها، وخاب ظن نجيب محفوظ، ليحركه عدم رضاه عن المجتمع إلى كتابة هذه الرواية، كأنه يسأل هل تريدون طريق الأنبياء أم الفتوات؟ 

 الجدير بالذكر أن ما يعطي الرواية خصوصيتها هي قدسية رموزها، وليس لقوتها الفنية.

فالعمل الفني قائم على استطاعة نجيب محفوظ اختصار تاريخ البشرية -إن صح التعبير- في جو حارة مصرية في صحراء المقطم، دلالة على بدء الخلق وليس أكثر من هذا.

أما عن الزمن فهو غير محدد إلا أنه ليس ببعيد، وأعتبر أن هذه نقطة قوة، كأنه يقول أنه لا يهم الزمان، فالحكاية ستستمر وستناسب كل عصر، لأن آفة الإنسان النسيان!  لكنها لم تكن مفيدة من ناحية اكتمال تخيل القارئ للمشاهد، فتفاصيل كالملابس والطابع الهندسيّ للأحياء لم يعرها أي اهتمام، وهذا أمر مربك.

مدخل الرواية جيد جداً والأسلوب غير ممل باستثناء بعض التفاصيل الزائدة والمربكة عن أوصاف الحارة التي تحتاج تركيزاً قد يكون غير ضروريٍّ.

وخاتمة الرواية تستحق الإعجاب، على الرغم من كآبتها وعدم حلها للصراع إلا أنها نهاية لبداية معركة فكرية تشتعل في دماغ القارئ، لأن كاتبها كان في صراع نفسي متواصل لم يحسم قراره أصلاً.

الحوار واحد من أكثر العوامل قوةً في "أولاد حارتنا" فهو مفعم بالجدال والإسقاطات، غير أن "النمط المميز لكل فترة زمنية" غائب تقريباً على الرغم من اختلاف الشخصيات، والأحياء، والعصر، وقد تعتبر هذه نقطة ضعف أكثر من كونها نقطة قوة (إذا اعتبرنا أن المضمون العام والرسالة نفسها لم تتغير) لذلك كان تسلسل الأحداث غير مقنع بسبب هذا التداخل الزمني.

يعترض الكثير من الناس على الرواية لأنهم حاولوا بكل جهدهم تطبيق حذافير المرموز إليه بالرمز تماماً، وهو بالتأكيد ما سيتعارض مع المعتقدات الدينية، لكني أرى أن هذه العملية في حد ذاتها تصبغ الرواية بما لا يليق بها كروايةٍ رمزية واقعية، فإذا كان الرمز سيوافق المسار التاريخي والعقائدي التام لسيرة الأنبياء فلن نكون بحاجة إلى الرمز أصلاً وسنكون أمام كتاب!


نجيب محفوظ

أما من ناحية أفضل الفصول، فالفصل الأول والأخير هما الأفضل من حيث التركيبة الأساسية، على الرغم من عدم منطقية الجزء الأخير والذي يطرح الكثير من التساؤلات: هل صراع العلم والدين يناسب المجتمعات العربية بشكل خاص؟ هل يتحتم ظهور صراع بين العلم والدين أم بين الأفكار البدائية المتمثلة في تحجيم الحريات وقلة مستوى المعيشة والفساد والاستبداد؟ هل سيخسر العلم؟ وهل تطرف العلم أكثر خطورة من تطرف الدين؟ هل سينتصر العلم ويميت الدين ثم يندم ويسارع في إحيائه؟

ولعل واحداً من أكثر الأسئلة المحورية الجدلية التي طرحها نجيب محفوظ والتي رددها كثيراً في روايته هو "لماذا لا يقوم الجبلاوي بتنفيذ وصاياه بنفسه؟ لماذا لا يحقق العدل بنفسه؟" فالمتتبع لمسار الرواية سيرى أن النزاعات كان من الممكن أن تحل بسهولة، فقط إذا أراد الجبلاوي! ولكن هذا ينقلني إلى سؤال آخر، كيف سيحقق الجبلاوي العدل بنفسه؟ يعني ما هي الصورة التي تخيلها نجيب محفوظ لإقامة هذا العدل؟

ربما لم يجب نجيب محفوظ على معظم الأسئلة التي يطرحها في روايته، بل حاول في هذا الطرح أن يعرض القضايا المحورية التي تؤرقه، لذلك، من الجيد أن نقرأ "أولاد حارتنا" كرواية لا غير، فالرواية تستوعب الخيال والدراما والرمز.

يقول محفوظ " مشكلة أولاد حارتنا منذ البداية أنني كتبتها "كرواية"، وقرأها بعض الناس "كتاباً" ! والرواية تركيب أدبي فيه الحقيقة وفيه الرمز، وفيه الواقع وفيه الخيال.. ولا بأس بهذا أبداً.. ولا يجوز أن تحاكم "الرواية" إلى حقائق التاريخ التي يؤمن الكاتب بها، لأن كاتبها باختيار هذه الصيغة الأدبية لم يلزم نفسه بهذا أصلاً وهو يعبر عن رأيه في رواية..."

كما أضاف أنه: لم يسلك منهجاً جديداً، فكتاب "كليلة ودمنة" رمز إلى الحاكم باعتباره أسداً ويؤطر الحكاية كلها في "الغابة"!.

لكن هل كان على نجيب محفوظ التعبير عن أفكاره بصورة أخرى؟ أعتقد أنه شعر بذلك فكانت “اللص والكلاب" إعادة كتابة لأولاد حارتنا!

حوار مع نجيب محفوظ عن أولاد حارتنا  (تبدأ من الدقيقة 10:40)  


أجمل اقتباس:

"الموت الذي يقتل الحياة بالخوف حتى قبل أن يجيء لو رد إلى الحياة لصاح بكل رجل... لا تخف.. الخوف لا يمنع من الموت ولكنه يمنع من الحياة! ولستم يا أهل حارتنا أحياء ولن تتاح لكم الحياة ما دمتم تخافون الموت." 

 
 من رواية أولاد حارتنا  


بعض الحقائق عن الرواية:

- نُشر العمل الأصلي عام 1959 كمقالات على جريدة الأهرام، جُمعت ونُشرت في كتاب واحد لأول مرة عام 1962 ببيروت (دار الآداب) وظلت ممنوعة في مصر إلى أن نشرتها دار الشروق عام 2006.

- عدد الصفحات: 581 صفحة.

تأثير الرواية:

- حصل محفوظ على جائزة نوبل بعد نشر الرواية بـ 29 سنة، وكانت في المرتبة الخامسة على الرغم من شهرتها وبأنها أكثر أعماله جدلاً. كما لم تقتصر الجائزة على هذه الرواية كما يعتقد البعض بل كانت تقييماً لأعماله التي بلغت الـ55 عملاً.

المعارضة:

- عارض الأزهر الرواية، واعتبرها بعض الشيوخ خروجاً عن الملة، وأحل بعضهم دم نجيب محفوظ، وهو ما استجاب له بعد خمس سنوات شاب لم يقرأ لمحفوظ حرفاً ليحاول اغتياله في يوم الجمعة 14 أكتوبر 1994.

لكن فشلت عملية الاغتيال، وبعد أسابيع قليلة اتهم نجيب محفوظ بازدراء الأديان وإضافة اسم جديد إلى أسماء الله الحسنى (الجبلاوي)، ما يستوجب الحبس والغرامة والتفريق بينه وبين زوجته في القضية (رقم 1787 لعام 1995 جنايات المنصورة)

وكالمتوقع، لم يقرأ المحامي "أولاد حارتنا" مثله مثل من حاول الاغتيال قائلاً في التحقيق: ”حاشا لله أن أقرأها لما تنطوي عليه من خروج!"


 الكاتب "يوسف القعيد"  يتكلم عن الأحداث التي رافقت "أولاد حارتنا"

_________________

في النهاية، أولاد حارتنا رسالة تذكير للإنسان بما ينساه دوماً، بأنه يبني الأصنام ويقدسها، وينسى دعوات الأنبياء والمصلحين الذين حققوا لهم العدل ونادوا بالقيم، وأن العلم قد يستخدمه البشر بطريقة خاطئة كأي أداة أخرى، ولكن لا يمكن أن يكون مبغوضاً عند الله لأنه يعتبره نبي الإنسانية الجديد.

أراها صراع الناس مع الرقابة والسلطة، رمزاً لمعركة ثقافية /اجتماعية قبل أن تكون دينية/ علمية، أشارت إلى انعدام الأخلاقيات والضمير في حياة الإنسان المعاصر برمزها إلى "موت الجبلاوي" ليشترك مع "نيتشه" في إعلان موت الإله [2]  وليس بالضرورة الموت الحقيقي، وإنما الموت الأخلاقي، فلم يعد الإله أو الدين مصدراً للأحكام، كأنه يخبرنا بأننا نسير في طريق قتل "الإله" ولكن هل يقدر الإنسان على أخذ دور الإله؟ هل يقدر العلم على أخذ دور الدين؟ هل نحن كأفراد مستعدون لهذه المهمة؟

كأنه يقول " يا أهل الحارة، لا رفعة لكم بدون الدين والعلم، كلاهما مقدسان، كلاهما مترافقان، كلاهما أساسيان، ولن تتاح لكم الحياة بسبيل آخر".


مراجعة أحمد البحيري لرواية أولاد حارتنا 


الهوامش:

[1] هذا ما أكَّده جورج طرابيشي في كتابه "الله في رحلة نجيب محفوظ الرمزية" دار الطليعة، بيروت، لبنان، الطبعة الثالثة نوفمبر 1988م.

[2] طرح نيتشه فكرة موت الإله عبر كتابه (العلم المَرِح) الذي نُشِر عام 1882، حيث قال: (لقد مات الإله، ونحن الذين قتلناه) ليصبح الإنسان هو المسؤول عن أفعاله ومن هنا جاء مفهوم السوبرمان (الرجل الخارق) 

 *بقلم الراقم المبدع: أحمد عبد الوهاب