صدّق أو لا تصدق.. هناك بالفعل "سهرة تنكرية للموتى" حدثت - وربما لا زالت تحدث للآن- في لبنان، وقد وصفتها الأديبة غادة السمان

" زمن السهرات التنكرية للأطفال الموتى الذين تم اغتيال طفولتهم بلا رحمة بالحرب أو بالغربة، أو بالسلم المزور.. والنتيجة واحدة" !

القصة:

قبل بداية عام 2000م بأسابيع قليلة، وفي مطار باريس، تجلس أربع نساءٍ  مع شاب في انتظار موعد اقلاع طائرتهم المتجهة إلى بيروت:

"دانا" الشابة الجميلة اللبنانية الأصل الفرنسية الجنسية، التي عاشت معظم حياتها مع أسرتها في فرنسا، وتهدف من زيارتها الآن للبنان ايجادَ وكيل تجاري عربي للشركة التي تعمل بها

ووالدتها "سليمى" السيدة اللبنانية الأرملة الثرية التي تحب التباهي بمظاهر ثرائها.. وتريد الآن تفقد أملاك العائلة في لبنان

والكاتبة المشهورة: "ماريا" التي تعود للمرة الأولى من بعد غياب طال جداً عن لبنان الذي أحبته بجنون بعد أن لجأت إليه من بلدها الأصلي، ولكنها اضطرت للهرب منه أثناء الحرب الأهلية ولم تعد لغاية الآن أي حتى بعد 8 سنوات من انتهاء الحرب!

والطبيبة الشابة الفرنسية "ماري" المفتونة بحكايات ألف ليلة وليلة وسحر الشرق، وقد جاءت في ضيافة صديقتها "دانا" لترى لبنان

ثم الشاب "فواز" اللبناني الأصل الفرنسي الجنسية، والذي عاش معظم حياته في الغربة مع والدَيْه غير مهتمٍّ بلبنان أبداً ، لكنه الآن يهدف لبيع بيت العائلة القديم -ميراثه بعد وفاة أبيه- ليبدأ بثمنه مشروعَه الخاص في فرنسا ولتتمكن والدته من التقاعد والراحة..

ولكلٍّ منهم حنينه..

" حاجتنا لمعانقة أشيائنا المحببة وكتبنا وأوراقنا ولوحاتنا وأركاننا الصغيرة التي عشنا فيها لحظات حارة فتحولت من أماكن إلى أجزاء من روحنا متناثرة من أزمان القلب على جغرافيا البيت والشرفات، كأن العودة إلى بيروت عودة إلى الفردوس المفقود"

وفي نفس الوقت كلهم بلا استثناء ينويها إجازة قصيرة جداً، فلكلٍّ منهم مخاوفه العظيمة من هذه الإجازة! بسبب الصورة المرعبة المتشكلة في أذهانهم عن بيروت أثناء الحرب والمليشيات المسلحة وإختطاف الرهائن والقتل على الهوية و....! 

ولأنهم يتصفحون جريدة لبنانية أثناء الانتظار في المطار يبدأ لبنانيون آخرون بالتقاطر على طاولتهم:

"ناجي نجيب" حامل الجنسية الفرنسية، والذي يعمل نادلاً في مطعم بيروتي شهير في فرنسا..

و"عبد الكريم الخوالقي" الذي يظنونه - من اسمه- ابن رئيس وزراء دولة (قهرستان) المتنفذ الثري جداً، فيستمرئ اللعبة مستغلاً أنهم لا يعرفون عبد الكريم الأصلي!

ثم "وليد الموالحي" الشاب الوسيم.. والذي تقع السيدة سليمى الثرية في حبه رغم أنه أصغر منها بعشرين سنة!

ولكلٍّ منهم حكايته الخاصة، والتي تتعلق جميعها بشكل أو بآخر بلبنان زمن الحرب وما بعد الحرب..

ومع مضيِّ الأيام في بيروت يكتشفون أن ما كان في أذهانهم من صور مرعبة من أيام الحرب قد تلاشى.. فلا خطف ولا قتل على الهوية ولا رهائن ولا تهجير قسري.. لكنهم يكتشفون ما هو أسوأ وأكثر رعباً.. !!

تحول زعماء مليشيات الحرب إلى حيتان اقتصاد  تأكل الأخضر واليابس! كل منهم زعيم مافيا متكاملة!! تقاسموا سراً لبنانَ بأرضه وناسه وخيراته واغتنوا وتضخموا !   هناك طبقة ثرية ومرفهة بشكل لا يُصدّق.. وسُحقت الطبقة الوسطى بينما يملأ الفقراء الشوارع! مشاكل في الكهرباء والماء والنفايات، والشباب يقفون بالطوابير الطويلة أمام سفارات الدول للحصول على أي تأشيرة سفر يبدؤون بها حياتهم!!

بات الوضع في لبنان أسوأ بكثير من أيام الحرب.. ولا زال أمراؤها ذاتهم يقتسمون كعكته!!

"أهذه بيروت أم دمعة متحجرة جفنها البيوت؟ وصرخة مذبوحة الحنجرة تقمصت أجساداً تهرول بين الحواجز اللامرئية والمرئية"

(الرواية تصف حال لبنان ما قبل عام 2000م بقليل.. وها نحن في الـ 2020 ولا زال الوضع كما هو بل أسوأ !! )

وهكذا تتحول اجازة كل واحدٍ منهم لغير ما يريد

" إنها اجازة مع الظواهر الغرائبية في مدينة لا يعود أحدٌ منها كما كان، أو لا يعود أبداً.. مدينة الصراعات الإجتماعية والإقليمية والعالمية، حيث يكاد الإنسان الشريف عاشق الحرية يختنق فيهاجر أو يحلم بالهجرة.. إنها رواية الجوع والتخمة.. رواية القمع والحرية...." 


غادة السمان مع مجموعة من مؤلفاتها الكثيرة 


تحليل رواية "سهرة تنكرية للموتى" لـ غادة السمان:

بالكاد يستغرق السرد  5% من الرواية، والحوار بين الشخصيات 15% أما معظم الرواية (80%) فللمونولوج الداخلي للشخصيات!

كل شخصية تُحدِّث نفسها كثيراً.. ومن خلال هذا الحديث الداخلي تتضح أبعاد كل شخصية ونواياها وذكرياتها وأحلامها وتحولاتها النفسية و هذيانها....!

أستطيع أن أقول أن الهذيان هو الخيط الذي يَنْظُم جميع شخصيات الرواية تقريباً!

فـ "غادة" تلعب على العامل النفسي والهذيان للشخصيات بشكل كبير،

فشخصية "الكاتبة" مثلاً (ويبدو لي أن غادة جعلتها معبرة عنها هي شخصياً) تتخيل شخصيات أبطال رواياتها أحياءً أمامها! بل وتتخيل احدى شخصيات رواياتها وقد كبرت وتغيرت مبادؤها وتلاحقها وترعبها وتخطفها وتهددها بالقتل..!! كما تدمج بين الواقع والذكريات كثيراً فتبقى في حيرة: هل ما رأته قبل ثوانٍ كان حقيقياً أم خيالاً ؟!

وتخاطب أبطال رواياتها:

"صباح الخير يا أحبائي، خذوني إلى قلوبكم فقد جرحتني الغربة ورشّت المطارات ملح الوحشة على جراحي وأنا صامتة ومتماسكة لا أنزف إلا على الورق! خذوني إلى قلوبكم ودللوني! "

أما "عبد الكريم الخوالقي" فيستغل تشابه الأسماء مع ابن رئيس وزراء دولة ( قهرستان) للاحتيال وكسب المال، ويعيش ذكريات حياته في باريس وزوجته الفرنسية التي يعشقها رغم أنها تسخر دوماً من فقره وتطالبه بالمال الكثير.. ثم في النهاية نكتشف أن كل ما عاشه من ذكريات كان وهماً والحقيقة عكس ذلك!

و"ناجي" نادل المطعم، والذي يعايره أهله كلما عاد لزيارتهم أن غيره من المغتربين عادوا بكنوز بينما هو لا زال مجرد نادل مطعم، يصل حاله أيضاً للهذيان، بشخصيتين متناقضتَيْن: (ناجي) البريء الطيب المشتاق لأمه.. و (فهيم) ذو النابين الطويلَيْن كمصاص دماء!

ثم تُصدم -أيها القارئ- غاية الصدمة حين تكتشف أن شخصيّتان كاملتان من شخصيات الرواية ما هما إلا جزءٌ من هذيان إحدى الشخصيات الأخرى للرواية!!

الرسام "سعيد" أيضاً يهذي، فبعد قتله شخصاً بالخطأ، يرى نفسه في أحلامه مرتكباً لجرائم قتل أخرى ثم يجد في اليوم التالي في الصحف صورة القتيل وتفاصيل قتله بالضبط كما رأها في منامه!!

حتى "فواز" -وهي شخصية التي بها بدأت الرواية وبها انتهت- تصل به الأحداث أن يهذي أيضاً، ويرى أشباحاً وموتى، وحفلات تنكرية للموتى في بيته!!


 من رواية  "سهرة تنكرية للموتى" 


لغة الرواية سَلِسَة وعميقة في ذات الآن.

الخَيال وافرٌ جداً، والصور الفنية مذهلة، وهذا من أهم ميزات الروائي الموهوب.

المونولوج الداخي للشخصيات قد يكون مربكاً للقارئ في البداية لكنه سرعان ما يأخذ بإعجابه.

نقد :

يزعجني هؤلاء القومجيين أو البعثيين أو المثقفين أو المتحررين أو التنويريين أو.. بنقطة أصيلة لديهم ومتكررة في غالب أعمالهم الأدبية، وهي في هذه الرواية واضحة جداً، وهي:

تصويرِ حياة أبطال رواياتهم ممتلئةً بالشربِ، والعلاقاتِ الجنسية الكثيرة جداً خارج الزواج، والتي يصفونها في كتاباتهم بكل تفاصيلها أحياناً بأسلوب مباشر فج، وأحياناً -كما في هذه الرواية- بأسلوب الكناية والتورية الأدبية الموحية بالتفاصيل!

والاهتمامِ المبالغ فيه بفنٍ مترفٍ مثل الرسم أو الرقص أو الموسيقى -غالباً على الطريقة الأوروبية أو الروسية-

ناهيك عن كمية هائلة من اللمز بالحجاب والرجال الملتحين والنساء الراضيات بالعيش بسلام في أُسَرٍ عادية

واتهامٍ خفي للأديان بأنها سبب الفُرقة ولا تحقق السلم المجتمعي - ولا يفرقون بين التعايش الإجتماعي السلمي بين أهل الأديان في البلد الواحد، وذوبان الشخص في الأديان الأخرى ومسح دينه!

وربما يضاف أحياناً كثيرة التلميح بفِرية "الإرهاب الإسلامي"!

ثم بعد هذا كله يجعلون أبطالهم هؤلاء محبين للوطن، ومناضلين ضد الفساد والطائفية، ويموتون حزناً على ما آل إليه حال الإنسان في الوطن من فقر وجهل وتعصب!!

وهذا التناقض يصيبني بالذهول!! كيف استطعتم فِعلها؟!!

كيف تقولون أن البطل الذي له هذه الحياة الماجنة وهذه المبادئ المتضادة في رواياتكم يحارب الفساد ويريد انقاذ الوطن ممن يعيث فيه إجراماً وفساداً؟!!

هل تحاربون الفساد المالي وتنسون الفساد الأخلاقي والفكري الذي تدعون إليه بشكل غير مباشر من خلال أبطالكم هؤلاء؟!!

هل تظنون أن القتل والسرقات والرشاوي هي وحدها من يفسد الأوطان ويؤهلها للطوفان القادم؟!!  ماذا أيضاً عن الفساد الأخلاقي للناس؟؟ ماذا عن تمييع الأديان في أذهان القراء وأنتم تظنونها صوفية جميلة أو تعايشاً حامياً من العاصفة؟!! ماذا عن الدعوة المباشرة وغير المباشرة للشرب والجنس وازدراء مظاهر التدين ( ويشمل التدين المسيحي.. وإن كان أكثره موجهاً للإسلام) ؟؟

ثم أين الواقعية في أبطال هذه الشخصيات؟؟

مثلهم موجودٌ في مجتمعاتنا.. نعم.. لكن كم نسبتهم؟؟ كم يمثل هؤلاء المتحررين لهذه الدرجة من مجموع الناس؟!! هؤلاء الذين يجعلون أولويات حياتهم الشربَ والرقص والعلاقات غير الشرعية والسفر والتباهي بمعرفة الرموز الثقافية الأجنبية حتى صارت بالنسبة لهم كشرب الماء أو أسهل؟!!

لماذا تركزون عليهم في كتاباتكم وكأنهم هم المجتمع كله، أو نخبته، أو صالحوه وقدواته؟!!

ولماذا تقدمون شخصيات المتدينين في أعمالكم الأدبية والفنية بنمطٍ لا يخلو من أربعة نماذج سيئة:

فإما المتدين شكلاً ومظهراً الفاسد العربيد الماجن المنافق حقيقةً وجوهراً !

وإما المتدين الذي له ماضٍ سيء ويريد الآن أن يستره بقماشة التدين!

وإما المتدين القاسي على زوجته وإناث أسرته!

وإما -إن ذكرتم المتدين بأسلوب حسن-  المتدين الدرويش الأهبل المجذوب الذي يتحدث بعبارات هلامية مطاطاة -وربما مشوهة- عن معانٍ قلبية للدين وبضعة أذكار.. على طريقة راقصي الصوفية!

غالباً لا نجد في أعمالكم احتراماً للمتدين الواعي الذي يمارس دينه عبادةً وأخلاقاً ومنهج حياة! ولا نجد نقلاً موضوعياً منصفاً للمتدين من حيث هو بشر يخطئ ويصيب وله ايجابيات وله سلبيات، بل تعرضون أخطاء بعضهم وسلوكياتهم السيئة على أنها بسبب الدين نفسه لا بسببهم هم كأشخاص فهموا الدين بشكل خطأً!

ليتكم تعرضون كل نماذج المتدينين في مجتمعاتنا، حَسَنِها وسَيِّئِها، بتوازن وإنصاف!

ليتكم تكفون عن تصوير المثقف أو البطل الثوري المهتم بقضايا الوطن بصورة شَرِهِ التدخين، كثير العلاقات النسائية، مستسهل الشرب، المتيَّم بالفن الأوروبي أو الروسي، والساخر من المتدينين..... ليتكم تتوقفون عن هذه الصورة لأبطال رواياتكم التي باتت نمطية بشكل يثير الغثيان والضحك معاً!!

بغير هذه النقطة فغادة السمان أحسنت في وصفها لكل "سهرة تنكرية للموتى" تُقام الآن في لبنان ما بعد الحرب!


  هذه المقالة بقلم الراقمة: إنعام عبد الفتاح  من فريق مكتبة ميم . 

 وللمزيد  مع غادة السمان أدعوكم لقراءة مراجعة روايتها: "عيناك قدري"   ومراجعة رواية: "ختم الذاكرة بالشمع الأحمر"  ، ولا تنسَ  كتابها في أدب الرحلات:  "شهوة الأجنحة"