كانت في مقتبل العمر حين تزوجت وأنجبت ابنها أحمد...

في ذلك الوقت تزوجت بالطريقة التقليدية، ولم تر زوجها إلا ليلة زفافها...لست أدري!...قيل لي أن الزواج في ذلك الوقت كان هكذا...

تزوجت...حملت...أنجبت...وأخيرا طلقت...أحداث كثيرة وقعت في ظرف سنة و نصف تقريباً...

أخذت ابنها و ذهبت إلى بيت أهلها، عائلتها فقيرة جدا، ودخل أخوها الأكبر لا يكاد يغطي احتياجاتها...فاضطرت للعمل في البيوت، تطبخ، و تجلي، و تمسح...

بقيت على هذا الحال سنينا طويلة، كبر خلالها الطفل حتى صار شابا، و طالبا متفوقا بكلية الطب...

بعد أن غطى الشيب شعرها، وملأت التجاعيد وجهها الشاحب، استطاعت أخيرا أن تفرح بنجاح ابنها المبهر...بعدها يفاجئها القدر بأن يتحصل على منحة دراسية لمتابعة تخصصه بكندا.. 

ودعت ابنها أحمد، و قلبها ينط فرحا بنجاحه، و يعتصر ألما لفراقه...كيف لا وهو ابنها الوحيد...

مرت الأيام و الشهور و هي تترقب وصول رسالة أو أي خبر عنه...في آخر الأسبوع جاءها الأستاذ عبد الله، وهو جارها و أستاذ ابنها في المرحلة الثانوية سابقا، مبشرا إياها بأول رسالة وصلتها منه يطمئنها فيها عن حاله...كل حرف قرأه الأستاذ زادها حنينا و شوقا و لهفة لرؤيته، و دموعها رفضت أن تكون سجينة عينيها الواسعتين... فهل سيرأف الزمن بهذه الأم المكافحة؟ أو أنه سيأتي يوم تجف فيه دموعها ويلتئم جرحها؟...

للأسف كانت تلك الرسالة هي الأولى والأخيرة في نفس الوقت...تمر السنة...

و الثانية... والثالثة...والرابعة و قلب الأم موجوع و مشتاق بين أمل و خيبة...قد تزوج الإبن خلالها من امرأة كندية كانت زميلته بالجامعة، و أنجب منها ابنا...

بعد ثلاث سنوات من زواجه، طلبت منه زوجته زيارة بلده و أقاربه...بالطبع كان لا يريد ذلك، فقد أخبرها بأنه يتيم، لأنه أصبح يخجل من أمه التي لا يعلم فعلا إن كانت على قيد الحياة... فكيف لدكتور متفوق مثله أن تكون هذه أمه...بعد إصرار و إلحاح كبيرين منها، قرر أخيرا العودة...

بينما هي جالسة و شاردة تفكر فيه، حتى دخل عليها مع زوجته و ابنه...لا أستطيع وصف المشهد بدقة، لأني فعلا لا أستطيع ذلك...صمت...دهشة...

شوق...ارتمت في حضنه و هي تصرخ بأعلى صوتها وتبكي، حتى أن جدران البيت الخالي تأثرت وأخذت تردد معها: هذا أنت!...ابني الغالي...لقد اشتقت لك و لرائحتك التي استطعت  العيش معها كل تلك السنوات...تارة تحتضنه، وتارة أخرى تقبل يديه...

ظل واقفا باردا، لم يحرك ساكنا، وكأنه لا يعرفها، و زوجته متأثرة بالمشهد لكنها لم تفهم شيئا واحدا...وعندما سألته أجابها بلغتها: إنها جارتنا...

بالطبع لم تفهم الأم لغة الحوار، لكنها استطاعت فهم كل شيء...كل شيء...

 أصبحت جدتنا جميعا...وها نحن نتسابق من أجل الأماكن الأمامية بقربها للاستمتاع بحكاياتها الخرافية الممتعة....

اليوم هي رفات، ولم يبق منها إلا ذكرى دغدغت خاطري فتذكرت تلك الليالي الصيفية، و حكاياتها الخرافية...تمنيت لو أن قلمي كان يكتب حينها...لكن ذاكرتي خانتني كما خان هذا الابن الجاحد أمه و أصله.

كيف_تكتب_رواية_12