ما بين الخامسة و السابعة ،،

الصمت ضيف يتلون كالحرباء ؛ أحياناً يأتي فيكون سيد الموقف و النظرات تضحي أبلغ من الكلام ، و أحياناً يختفي فتعم الضجة و الغضب و يكسر كل ماهو رقيق ، ضيف ثقيل تارة كجبل علي الصدر يكتم أنفاسك باحكام فلا تقوي لا علي الصراخ أو حتي البكاء ، و تارة أخري يتيح لعقلك مالم تراه عيناك .

كثيراً ما يأتي ضد رغبتك ، يدفعك للجنون تقول " ما بالي لم أعرف أن أرد " تدافع الأفكار و الردود في عقلك كالأنبوب المنفجر و لكن قد فات الأوان و كان للصمت الكلمة الأخيرة و ليس أنت ،نعم أنه قوي و ذو هيبة في كل أحواله و في المرة الأخيرة شكرته علي غير العادة ، شكرته لأنه دفعني لأري ما وراء الضجة ، الضجة الزائفة

مع صمتي و انعزالي أصبح الشباك رفيق يومي و أصبح ثلاثتنا أصدقاء متفاهمين حتي لو لم تصدقوا هذا و نضحي أربعة أصدقاء حين يهدأ العالم ف تهدأ روحي .

أقف مع صديقي شباكي في الخامسة صباحاً في أحد ليالي يناير الباردة المظلمة تداعب خصلات شعري و أنفي نفحة هواء فتصيبني بالقشعريرة اللحظية فتنتشي روحي و تبتسم شفاهي، أري هذا الجد مع مصلية و مسبحة بجلباب بسيط و فوقه بالطو و تحيطه هالة من النور يسبح و يمشي في خطوات ثابتة هادئة ، يأتي آذان الفجر مع صوت المأذن العذب و حفيف الأشجار و صوت الهواء فتصبح السنفونية الأكثر مداوة للروح ، بعدها بقليل تبدأ العصافير رحلة يومها و كأنها تستأنفه بعد أداء فريضة الصلاة هي الآخري و يبدأ الفجر في الانقشاع رويداً رويداً ، تجري السحب في السماء في لوحة غاية في الجمال لا يسعك غير النظر إليها و الاستمتاع و يسير هذا التاكسي القديم مع صوته المميز أثر تحرك الصاج و العجلات مع الشارع الغير مستوي و ينبعث منه صوت القرآن من بعيد و ذلك الرجل علي العجلة بصوت أم كلثوم من المذياع الموجود في الشبكة الأمامية " كان لك معايا أجمل حكاية في العمر كله " ، أطفال يتضاحكون فرحين ببخار الماء الناتج عن أنفاسهم من برودة الجو متأهبين للذهاب للمدرسة في هدوء و براءة و يتناغم كل هؤلاء مع رائحة المخبوزات الطازجة من ذلك المخبز الصغير .

أنه صباح ليس بالمميز و لكن لا يعتريه أي شوائب ، صباح طبيعي هاديء عادي بداية أمل رغم سكونه ، هو بداية حتي في صمته .

في الخامسة مساء حين تعلن الشمس أرهاقها و انسحابها إلي زاويتها بعد بث العالم كل هذا الكم من الطاقة تري شبح نهاية اليوم رغم ضجة العالم التي تشعرك و كأن الدنيا لن تفني أبداً ، هذا و ذاك عائدين من العمل مع حقيبة يد و نظارة طبية و الرأس منكس للأمام قد يصاحبه الصداع و الأرهاق أو قد يصاحبه الخيبة و التخبط ، أولاد و شباب يسيرون في نمط سريع من حيث الشكل و لكن أرواحهم تجري وراء مستقبل يظنون انه يمكن التحكم فيه بدرس خصوصي و بضع ملازم ، الكثير و الكثير من وسائل المواصلات ، الكثير و الكثير من المشادات الكلامية بين بائعي الخضروات و المارة يلاحقون لقمة عيشهم ، بين أصحاب المحلات المتجاورة ، يكسرون صمت أيامهم بضجة زائفة عابرة و كأن ضجة العالم لا تكفيهم .

مع مرور الوقت بين الصباح و المساء ، بين كل بداية و نهاية ، بين كل ظلام يحط علي قلبي و شروق ينير الدنيا ولا ينير داخلي ، تنازع روحي الصمت طالبة الحرية ،لم تصمت أفكاري يوماً ، ليتها تفعل ، و لم تصمت دقات قلبي و لو قليلاً و لكن صمتت روحي و لم أعد أتذكرها إلا كل يوم في ما بين الخامسة و السابعة،،،،