((أركض..أركض..أركض، من اللامكان إلى اللامكان..

أركض فحسب...

الفجر بعيد جدا و أنا منهكة من الهروب، منهكة من الظلمة...

"يا من صورت لي الدنيا كقصيدة شعر..

و زرعت جراحك في صدري و أخذت الصبر..."

غصّة.

"إن كنت أعز عليك فخذ بيدي...

فأنا مفتون من رأسي حتى قدمي..."

غصّتان..

أكرر طرفي هنا و هناك، ماذا لأفعل يا حافظ؟

أحاول أن أكتب..

تتعثر اسفنجات أصابعي على رؤوس لوحة المفاتيح..هزيلة متعبة، بها زرقة كلّ شتاء، و جليدية كلّ مسافة..متعبة أنا حافظ، و الصمت في عيني لا أستطيع أن أمسحه..هذا الغياب الضارب في القسوة، المسافة التي لا تريد أن تنقص و لو إنشا..الأفق اللا يقترب خطوة..و التوق اللّايخف لثانية..متعبة أنا حافظ ..متعبة جدا..))

أرادت أن تكتب، توقفت لبرهة ، أمسكت وجهها بين كفيها الصغيرتين..أغمضت عينيها، حاولت الهروب من اللحظة،الانسلال بعيدا بروحها لمكان ما، مكان مشرق، لا صخب و لا تعب قلب به، لكنها لم تفلح

صوت ارتطام حبّات المطر بالنافذة يلقنها حزنها واحدة واحدة..تتجرع الثواني..تنتظر الليل يمضي لكنه لا يفعل، يبدو و كأن الثواني تتمدد..تستطيل الظلال حولها لتغرقها فيها..أكثر..

(أغرق..أغرق ..أغرق..)..

قال حافظ بعيدا..فغرقت، فتحت النافذة، الريح الباردة جعلت عضلاتها ترتعش

(( أحاول فهم هذا...

قلبي كصدع فارغ ما زالت الريح تفسرّ أوجاعه عويلا ممزّقا ألمسه عمق صدري، يصمني من الداخل..و مسامي المغلقة حزنا تزيدني اختناقا، لا أفهم هذا..و لكنني أعلم أنني لن أنجو.

مؤلم مؤلم مؤلم...

أحاول التنفس عميقا لبرهة أعتقد أنني ربّما قد أستطيع -لو فعلت ذلك- أن أنتزع هذا الغشاء الثقيل ..الضباب الموجع من داخلي، أن تتنفس رئتاي دون احتراق، أحاول تلمّس النّار في داخلي لكنني لا أراها..كيف يمكنني إطفاء ما لا أراه؟..كيف أوقف نزفا لا تصله يداي أو أقطب جرحا شبحي الألم..سرابي الوجع بحقّ السماء؟..أتلمّس قلبي..أُضَيِّعُ بؤرة الوجع فيّ لكنني أعلم أن قلبي..بطريقة ما..مرتبط بها.

أنظر طويلا للسماء، كأنّ روحي معلقة هناك بين نجماتها، كأنني ضيّعتني هناك..و منذ الأزل أبحث عنّي..هل سأفعل؟..أجدني يوما؟.تهدأ روحي حين نجمة يساري -بين ركامات الغيم الصامتة بعد العاصفة- تلمع مرحة كأنما تناديني..تشدنّي إليها..تقولين شيئا؟..أسأل..لا أريد بذلك جوابا، أقوله فقط..أنظر إليها..أُسْقِطُ قلبي عليها،حياتي،عمري، أحزاني..سعاداتي الصغيرة..أفصلني عنّي فيها للحظة، و أنظر إليّ فيها أسفل منها و بعيدا..أتلك أنا؟..أسألني..محترقة..مرحة بوجع..بعيدة جدا..و وحيدة جدا؟، لكنّها تواصل كأنّما لم أقل شيئا..كأنما ذلك لا يعنيها و لا يصفها، فأنطفئ))

تتوقف الأغنية بعيدا لكن الصغيرة لم تلاحظ ذلك..الهواء حولها لا وزن له، و رائحة العشب المبلل ..لون السماء..الغيوم الممزقة هنا و هناك و شعيعات القمر الخافتة، الواضحة بين الفينة و الفينة، لم تر ذلك كلّه..لم تلاحظه..كانت النجمة الصغيرة هي التفصيل الوحيد الذي شدّها..

(( هكذا يا طفلتي..نحترق بصمت..بيننا ألف ضوء و انطفاء..بيننا أننا لا نموت، و لا نشيخ..نحترق لنضيئ..ثم نتلاشى كأننا لم نكن، في ليلة ماطرة و هادئة كهاته ..قد يحدث دون أن ينتبه العالم حتى، و هذا الألم الذي نقوله و لا أحد يسمعه أو يراه غيرنا ..عمقَهُ نضيئ الدهر، يسافر نورنا بَعْدَنا ليضيئ لمن سيأتي بعدنا الدربَ..لصغيرة أخرى ربّما، ستنظر إليّ فيك و تبكي قلبها مثلما أفعل الحين، أمد-منك-يدّي إليها..لكنّنا لن نصل..و هي لن تفهم..و يستمر هذا العبث الموجع..أليس كذلك؟..فماذا أفعل نجمتي..ماذا أفعل حافظ؟..))

أغلقت النافذة..مخذرة..استلقت و قد تركت على الشباك فتات روحها..ما بقي منه..و نامت.

ما زالت النجمة هناك..

ما زالت الفتاة هناك..

ما زال الوجع موجودا..و النور..

لكنهما لن ينطفأتا..