لحظة في النعيم..

قد أسميها هكذا...

أجلس تحت الشجرة..كرسي مظلل و أغصان متشابكة و أوراق تعرف في خطوط صفرتها الرفيعة حواليها أن الخريف اقترب حقا..لا أعرفها و لا تعرفني ..لكننا كلانا هنا و الآن جالستان ..نستمع لفيروز، نكاد لا نراها الشمس ..لا نرى أحدا..وحدنا و الهوى ، وحدنا و الذكريات، وحدنا و الزمن و النسيان..هل سأنسى؟..أسألها..فتصمت..وحدها فيروز تحيط صمتنا ذاك بدفء صوتها..تنادي على الهوى..و دار الهوى..(راجعين...)..أبتسم بحرقة حين تكرر المقطع..أنعود حقا؟ أسألها..أهمس للشجرة..لكنها لا تجيبني مجددا فينزعج الحزن بي..أرفع الصوت و أستلقي على جذعها..أرى الظلال و الأشجار..الأوراق الساقطة للأبد..السماء الزرقاء الرمادية المجنونة..غيوم بعيدة تنسل ببطئ إلينا ..أشعة الشمس الدافئة تلمع كالزجاج و تنعكس من على سطح الأوراق و جذوع الأشجار حولي..أغيب أغيب وسط الظلال الملتوية و الأضواء الهاربة هنا و هناك..دوار لطيف يتجاوزني كالطيف، أستعذبه..أغمض عيني و أسمح لشجن الأغنية بتلبسي لحظتها..أخفّ كريشة..أرتفع و أسقط..لا وزن لي لا حس..طيف خفيف لطيف إن لمسته ذاب و تلاشى..أكون لهنيهة..أتحسس قلبي، النبضات الضعيفة و البعيدة ذاتها..سؤال واحد..شيئ واحد يملؤني من الداخل، إلى أين روحي؟..

لكن لا إجابة..

وحدها وعود فيروز الرقيقة بالعودة تلون لحظتي بأشياء احتفظت بها مذ زمن طويل، زمن كانت الأشياء فيه أسهل، أرّق و ألطف..هناك..للعطر لغة، للألوان طعم..للموسيقى لون..و لكل النجمات اسم، زمن علمت-فرط حاجتي إليه-أنه كالظل..ينفلت سريعا..و لو ركضت خلفه عمرك كله لن تمسكه..خشيت ذلك دائما، ألّا أصل..و نسيت أن القصة منتهية من البداية..هناك رحلات لا نصل فيها ..هناك بدايات لا نهاية لها و قصص لا خاتمة لها..لا يمكننا فحسب أن نضع نقطة أو خط وصول أو نهاية..لن أصل، لن نصل فقط،هكذا، اليوم كالأمس كالذّي قبلهما كليهما..أتمسك باللّحظات القليلة التّي كنت فيها أشبهني ..أتمسك بها لأتنفس، لأرى، لأعيد لقلبي نبضاته المسكوبة ..هل أنسى؟..هل أعود؟..هل أصل؟..لم أجد إجابة يوما..و لا أعتقد أنني سأجدها، ثم ما المغزى من ذلك..أن أبحث عنها،اكتفيت ..أحتاج لحظة هدوء بعيدا عن كلّ هذا..وحده الضوء..وحده الصمت..وحده قلبي المتعب و أنا..أريد ذلك..ألا أعرف غير نبضاتي..أن أسميها واحدة واحدة..أن أغنيها و أعطي لروحي فرصة لإفراغ كلّ أثقالها..كلّ الأوحال التي تجعل السير إلى الغد متعبا و صعبا..أريد أن أتحرر..ما عاد يهمني أن يأتي الغد، صلواتنا الصغيرة عن السعادة و العيش طويلا..عن الحبّ..عن تلامس الأرواح و اشتعالها للأبد..كل ذاك ما عاد يهمني..لأنه غير موجود.غير موجود فحسب، و لأن لحياة-الحياة نفسها ليست قصة سعيدة..لا نهايات هنا..هناك ركض فارغ المعنى فقط، هناك تعب و شقاء و تلاش ..وحدهم الفارغة قلوبهم منها يصلون..وحدهم يعيشون زهرتها، لسنا هنا لنجد السعادة على أيّ حال، هنا نحن لنجدنا و نجد أرواحنا..إن كنا محظوظين كفاية سنجد لها شقائق تجعل الرحلة المتعبة نزهة رقيقة..لكن الأمر ليس سهلا أيضا، أن تعلق نجماتك بسماء غيرك..و أنا..أختار الوحدة..الوحدة الرفيقة أسهل من كلّ أوجاع القلب هاته و تعقيداته...

إلى أين روحي..؟..

لا إجابة بعد..

أفتح عيني..الحديقة اللطيفة ما زالت كما كانت..لطيفة، و الجذع الدافئ خلفي ما زال دافئا..أحب اللحظة، تصمت فيروز في الطرف الآخر من القصة، أنزع سماعاتي، يصلني صخب العالم..أشعر بالظل الممتد إليّ (قريبا..ستختفين)يهمس الظل لي، يعجبني الخاطر..(أختفي)..ألملم أشيائي..أبحث عن وجه أختي بعيدا، تأخذ لنفسها صورا تذكارية و للمكان الجميل الذي قد لن نزوره مجددا..أنادي عليها..تقترب ( سأغفو قليلا)..أقول فتضحك..( تغفين؟)..( أجل، لا تبتعدي..فقط..)..و أغمض عيني، أشعر بابتسامتها خلف جفني فأبتسم..هو قلبي من سيغفو لا أنا..أنا سأنطفئ لأحرس نبضاته المتعبة لهنيهة فحسب..

روحي الغائبة..

لن أجد لها إجابة أبدا..وحده قلبي من أعرف نبضاته، وحده من أتعبه و يتحمل مراهقاتي..يستحق أن أطفئ العالم لأجله لهنيهة و أصمت..

من يهتم للإجابات على أي حال؟..

سأعيش..أليس كذلك؟.

سنعيش.

-2-