الكتاب الذي يطيل مدة مكثه لديك/تطيل مكثك لديه تجد أن خيوط ألفة رفيعة تمتد بينكما دون وعي.. ذلك ما حدث لي مع كتاب (إمبرطور المآسي: سيرة السرطان لسيدهارتا موكرجي)، الكتاب الذي رافقني لأكثر من شهر وجدتني في عجز أمام فكرة تلخيصه أو ضغط أفكاره الأساسية في مقال..

فأنا الآن على بعد دهشة من الفراغ منه أحاول أن أحدد بالضبط ما الذي تناوله الكاتب العبقري في تحفته العلمية الذي عالجها بلغة يفهمها القارئ الغير متخصص: هل كانت سيرة ذاتية لمرض السرطان، الكائن الغير محبوب والذي في طريقه إلى إفناء جسد مضيفه ومنافسته في آلية الحياة، يفنى معه! تبدو هذه الفكرة غريبة ومربكة حقا! أن يكون مرض السرطان على خلاف جميع الأوبئة في العالم يشبه في آلية استيطانه آلية الحياة بحد ذاتها! وكأنه بصدره المتسع يقف في وجه الحياة داخل الكائن الحي متحديا لها، وبأدواتها الخاصة!

لم تكن هذه هي الدهشة الوحيدة التي اعترتني وأنا أقرأ لسيدهارتا وهو يفلسف السرطان بهذه الطريقة القريبة (والمخيفة) فالكتاب يحتوي على العديد من المحطات التي جعلتني أعتدل جالسة بعدما كنت مستلقية.. أفرك رأسي، ثم أشده في فكرة غير منتهية..

الكتاب يصف الملحمة، الحرب، الأسلحة والمعدات التي شحذها أجيال من الأطباء، الباحثين، والمرضى قبل أي أحد لإبطال هذا التحدي الذي رفعه هذا الكائن المخاتل المتسلل..

وأنت تقرأ ستجد نفسك تنتقل ما بين مخابر الكيميائيين، مشارح الأطباء، أوراق الباحثين.. المؤتمرات الضخمة، المزارع.. الفئران المسكينة.. والأوجه الشاحبة لمرضى تلقوا خبر إصابتهم للتو.. آخرون تبدت لديهم أولى أعراض النكس للمرض.. وأسرة تحمل أرواحا دفعها العدو الذي هو بعض منها للاستسلام..

وأحيانا أخرى ترى كيف تلاعب السياسيون وأصحاب رؤوس الأموال بقدر الأبحاث الذي كانت توجه رصاصتها للمرض.. لكن وكأن الكاتب فضل أن يوارب هذا الشق..

ستشعر وأنت تقرأ الكتاب بالخوف أحيانا أن تكون النتوءات الصغيرة في عنقك إنذارا لسرطان هودجكن، تتحسس من أعراض الزكام، الغثيان الذي تعاني منه منذ أيام.. وتتساءل إن كان الصداع الذي يراوحك أحيانا صفارة إنذار لشيء ما!

وستشعر أيضا بالفخر والفرح للانتصارات العلمية، وستغروق عيناك بالدموع لأجل الناس الذين شفوا من مرضهم تماما، وافتكوا منه حياة جديدة.. وستتأثر وأنت تسمع عن جندي أمريكي في الثمانينات اقتطع من مرتبه الضئيل ليساهم في صندوق جيمي لدعم أبحاث السرطان وفاء لذكرى أمه التي ماتت بذات المرض..

وأخيرا ستشعر بالامتنان العميق لكثيرين أثناء رحلتك في الكتاب وأول هؤلاء سيدهارتا الذي أضاء بكاتبه زاوية عتمة طغت عليها الخرافات والمعلومات المغلوطة حول مرض أصبح مظهرا من مظاهر حياتنا العامة..