جاءني اليوم أحد الأصدقاء، وقد على الهم كتفه، وانطفأ نور وجهه، فبادرت بالسؤال عما ألم به وقض مضجعه وأحزنه حتى لكأن صدره ضيقا حرجا كأنما يصعد في السماء.

فأجاب قائلا: ابنة عمي الصغيرة خرجت من العشاء ولم تعد حتى الآن، وقد أوشك الليل أن ينتصف، وقد قطعت كل سبيل إليها ولم تخبر أحداً عن وجهتها، حتى أنها تركت الهاتف في البيت.

فقلت: إنا لله وإنا إليه راجعون، عسى الكرب الذي أمسيت فيه يكون وراءه فرجٌ قريب.

أسألتم صويحباتها علهن يعرفن من خبرها شيء.

قال: فعلنا ذلك، فعلمنا أن آخر عهدها وخبرها عند إحداهن، وقد اقترضت منها مبلغ من المال فأقرضتها، وذهبت دون أن تُعلم من أمرها شيء.

جلست بجواره وقد اغتم أمري، وضاقت عليَّ الأرض بما رحبت، فبتُ متحسراً تارةً على صاحبي وتارة على ابنة السبعة عشر سنة، وحال صاحبي كأنما هوة عليه صخرة من أعالي الجبال، فكأنه هائم في دنيا غير الدنيا كمن فقد عقله، أو كمن غرق في بحرٍ من الخمر فهو كالمخمور يهذي!!

ثم قذف الله في رأسي فكرة لمعت لمعان شرارة البرق في الليلة الظلماء،وتذكرة قول صاحبي أنها تركت الهاتف في البيت، فقلت في نفسي علنا نستدل به على مكان الظبي الذي شرد، ونقتفي الآثار لنصل إلى غايتنا.

فهممت به أن يحضر الهاتف ففعل.

وصاحبي هذا من القلائل الذين منَّ الله عليهم بالجهل بأسباب التكنولوجيا الإنتر نت، وقد يكون هذا منة في بعض الأحيان!!!

وما إن اتصل الهاتف بالنت حتى انهالت الرسائل منه، فارتعتُ لما رأيت، فخيل إلىَّ أنها إحدى المومسات، وقد كنت أراها بالأمس القريب طفلة لم تبلغ الحلم بعد.

يا الله!!!

ما هذا؟ وما أوصلها إلى ذلك؟

رسالة من أحدهم يريد التعرف، ومن آخر بُسط الحديث بينهما كما بُسط بين المرء وزوجه، وآخر يتوعدها على خيانتها له مع أصحابه وأنه سيفضحها وينشر رقمها في أسواق الرجال الذين لا يعرفون من الأخلاق والمروءة أكثر مما تعرف البهائم.

أخبرت صاحبي بما رأيت،أنَّى لي أن أكتمه ما يستحي المرء أن يحدث به نفسه!!

اغتم صاحبي على غمِّه وارتخى جسده كمن حقن بمخدر نزع سلتطه على جسده  وأفقده القدرة على الحركة.

بعد فترة وجيزة أخذ في الحديث فأبان عن أمرها فقال:

سمعت أُمها المطلقة وأمي يتهامسان أنها تعرف شبابا وتحدثهم غير خاطبها! ويتشاورون ماذا يصنعون في أمرها، فما كان مني أول أمري إلا أن عمدت إليها وأخذت الهاتف منها لأقطع وسيلتها إلى عالم لم أعرف أنها غرقت فيه حتى الموت، ثم ذهبت لصلاة العشاء على أن أعود فأنظر في شأنها.

عدت من الصلاة وسألت عنها، فأُجبت أنها خرجت ولا نعلم أي وجهة ولَّت وجهها، وأخبروني أنها قد تشاجرة مع أمها لأجل أنها أخبرتني بأمرها وهي لم تفعل !

وقال: أنا في حالتي هذه مذ ذلك الوقت ولا علم لي ماذا أصنع.

فسألته عن حالهم معها.

فقال: كلٌ في حاله لا أحد منشغل بغير نفسه،أمها لا تعرفها ولا تعرف عنها أكثر مما يعرف الغريب عابر السبيل، وعندما طلقها زوجها تزوجت غيره وتركت ابنتها مع جدتها وبعد سنوات انقضت طُلقت مرة أخرى وعادت إلى البيت ولكنها لا تعرف من أمر كريمتها شيء ولا يتحدثون الشهور الطوال، وأبوها متزوج وله بيته لا يشغل باله بها، ولا أحد لها إلا جدتها الطاعنة في السن!

فقلت له: أفسدها أهلها!!!!!!!!!!!

فقال: كيف ذلك.....

فقلت: إن كانت أجرمة فشريكها في الجريمة أبوها، لأنه لم يتعهدها بالتربية في صغرها،ورماها وأمها وهي طفلة، فهي لم تجد الكلمة الطيبة منه فبحثة عنها عند غيره، ولم تجد حنانه وغنَجه ودلاله فبحثت عنه عند غيره، وكلاب القوم تحوم حول الحمى،تنتظر الشارد من القطيع لتنفرد به، وقد اتخذت من معسول الكلام وحلوه دروباً يتوه فيه من مثلها... ونسجت من جميل الكلام وزائفه شبكاً يلتقط صغار السمك، فهوت مخدوعةً في شباكهم واستحسنت أمرهم وألفته ووجدت ما لا يوجد في بيتها مما تطوق إليه نفسها ومن مثلها!

وحفظ الله شيخي حين قال: علموا نساءكم الشعر العربي والغزل، وتعهدوهم بطيب الكلام ولينه، فلا تسقط في رذائل الأفعال، فإنهن لو وجد هذا في بيوتهن ما بحثن عنه خارجه.

شريكتها في جرمها أمها، أليست هى سرها وخدرها التي تأوي إليه، إن لم تكن كذلك فمن يكون؟

بالله أخبرني من كان بجانبها يوم سقطت في أول رذيلة؟

وأول الرذائل أصعبها على المرء والتالي منها عيال على الأُولى .

كلكم شركاء في جرمها، ولو كنت قاضيا لأعطيتكم من العقوبة كلٌ على قدر سهمه، ولجعلت سخطي على حالها قسمةٌ بينكم.

فيا أيتها البغي المظلومة، ردك الله سالمةً وعفا عنك.