بينما كنتُ طفلًا لم يتَعَدَّ الحَول الخامس من عُمُره  ، وكنتُ ألهو في قبو بيتنا ، دخل عليَّ أبي وفي صحبتهِ رجلٌ شديدُ الوضاءةِ وبَهِيّ المنظر.

لم أكترث حينها بدخولهِ في البداية ، فكثيرًا ما يأتي أبي وبرفقتهِ العديد من الأصدقاء الذين سرعان ما أنعتُ أحدهم بـ «عمو» فيما بعد ، ولكنَّ عمو هذا رأيتُهُ مختلفًا نوعًا ما ؛ فقد اقترب مني ثم انحنى لي بعد أن كان مصلوب الطول بمحاذاة أبي ليتمكن من محاذاتي وقت أن كان طولي بضعة عشرات من السنتيمترات ليسألني عما ألهو به..

فأجبتُهُ بتلقائية وقلتُ «نافورة».

وكانت النافورة تلك عبارة عن بوقٍ بلاستيكيٍّ مقلوبٍ غَرَزْتُهُ في الرمالِ ثم أحطتُهُ بالماءِ بعد أن بذرتُ فيه بعض البذور المتساقطة من شجرة جارنا بما يوحي لعقلي الصغير حينها أن تلك تشبه النافورة.

فلما سألني «عمو» عن طبيعةِ هذا الشيء وقلتُ «نافورة» ، رأيتُهُ ضَحِك حتى بانت لي نواجِزُهُ وقال شيئًا طريفًا لا أذكرُهُ بالتحديد ، ولكن ما أذكرُهُ هو ضحكه واهتمامه للحدِّ الذي جعلهُ ينحني لأجلي ويُداعبني.

مرَّت الأيام وتعاقَبَت الشهور وحالَ ما يزيدُ عن الحَوْل ، والتحقتُ بالمدرسة ، وصار يتردَّدُ على مسامعي مصطلح «الدرس» أي دروس التقوية التي يتلقاها الطلاب إلى جانب التعليم المدرسي.

ونظرًا لأني قد وُفِّقتُ لتعلُّم القراءةِ والكتابةِ قُبَيل التحاقي بالمدرسة على يد الشيخ الذي كان يأتيني ليُحَفِّظني القرآن ، وكذلك بفضل تلك الحقبة القاسية التي قضيتُها مُستمِعًا في معهد قريتنا الأزهري ؛ لم يكن ضروريًا أن ألتحق بالدروس المقوية وأنا بالصف الأول الابتدائي ، حتى صرتُ على مشارف الصف الثاني صار يتردَّدُ على لسان أبي أن سوف أُرسلك إلى صديقي الأستاذ «علي أبو نصار» لتتقوَّى سليقتُك وتتحسَّن قريحَتُك.

الأستاذ «علي أبو نصار»!!!!

كأنني كثيرًا ما أسمع هذا الاسم على ألسنةِ الناس الذين لم يكن لهم إلا أن يذكروهُ على رأس كل سيرةٍ تختصُّ بالتعليم ، مما أدَّى لأن يمتزج ذلك الاسم بوجداني ويُثير حفيظتي ويُفجَّر لهفتي للتعرف على صاحبه.

فلما جائتني تلك الفرصة على لسان أبي ، لم أجد بُدًّا حينها لأن أقتحم تلك الصورة الخيالية وأستشِفّها بنفسي..

فمن هو الأستاذ «علي أبو نصار»؟!.

تواصل والدي مع الأستاذ وأخذ لي منهُ الميعاد المُحدد للصف الثاني ، حتى إذا جاء ذلك اليوم الذي كنت أنتظره بفارغ الصبر للتعرف على صاحب ذلك الصيت الكاسح ؛ رأيتني أسير على طريق بيتهِ الذي وصفهُ لي أبي وقلبي يكاد أن يطير شوقًا لرؤية ذلك المعلم.

فلما وصلتُ رأيتُ جموعًا لا بأس بها من الطلاب يجلسون في حجرةٍ واحدة ، ورأيتُ أن تلك الجموع لم تكن تقتصر على الصف الثاني الذي أتيتُ لأجلهِ فحسب ، بل كانت مزيجًا من الصف الثاني والثالث والرابع والخامس ، ولم يكن الصف السادس موجودًا بعدُ حينها في نطاق التعليم.

رأيتهم يجلسون في مجموعاتٍ مُتراصةٍ إلى جانب بعضها في انتظامٍ تام ، فالكل يأخذ حيِّزَهُ المُحَدَّد له ُ في نطاق الحجرةِ دون أن تبغي فيهم مجموعة على حيّز الأخرى ؛ فالصف الخامس يليه الصف الرابع ثم الثالث وهكذا ، حتى لكأنني شَبَّهتُ ذلك فيما بعدُ بقوله تعالى " مَرَج البحرين يلتقيان بينهما برزخ لا يبغيان ".

وإن كان قدرٌ من عظمة الله قد تجسد في البحرين فجعل بينهما برزخٌ لا يبغيان من خلاله ، فلستُ أرى شبيه ذلك إلا جزءًا من عظمة المعلم حينما نجح في جعل تلك المجموعات لا تحيد عن حيِّزها المخصص لها إلى ما سواها في نطاق تلك الغرفة المحدودة.

وبينما كنت أتأمل ذلك النظام كانت عيني تبحث بين زملائي الذين كانوا يدعونني للجلوس في حيز الصف الثاني وترك الوقوف هكذا  ، كانت عيني تبحث عن المعلم ، ذلك المعلم الذين اقترنت سيرته بين الناس بالمعاني السامية كالتربية والعطف والتعليم ، وكذلك المعاني الحازمة كالهيبة والقوة والتأثير ؛ فأيُّما اقترانٍ بين تلك المعاني على ألسنة الناس فثم «الأستاذ علي» ، ولكن أيناهُ يا تُرى؟! 

لم يَدُم الوضع هكذا طويلًا حتى لمحتُ أحدهم يرتدي جلبابًا ويجلس على كرسيٍّ في نهاية الغرفةِ وقد أحاط بهِ بعض التلاميذ وهم يحملون القراطيس ليُصححها ، فعلمتُ أنه المعلم ، ولكن لم أستطع رؤيتهُ جيدًا في ظل تلك الإحاطة.

فجلستُ ريثما ينتهي وعيني لا تكادُ تترك ذلك الركن الذي يجلس فيهِ بُغيةَ أن أراهُ في خلسَةٍ من بين تلك القراطيس.

فلما انتهى من التصحيح والتَفَتَ عنهُ الطلابُ إلى أماكنهم ، بدأَت تظهر لي ملامحهُ رُوَيْدًا حتى تكشَّفَ لي عن كامل هيئته لتكون هنالك المفاجأة التي لم أكن أتوقعها.

إنّ المعلم الذي أجلسُ أمامه الآن هو ذاته «عمو» الذي أتى إلى بيتنا برفقة أبي منذ ما يقارب العامين  ، أي قبل التحاقي بالمدرسة أصلًا ، وهذا يعني أن ذاك الشخص العطوف الذي احتوى عقلي بعذوبةِ ابتسامتهِ وخِفَّةِ ظله يوم أن كان عندنا ، هو ذاته الأستاذ «علي أبو نصار» الذي امتزجَت سيرتُه بوجداني وأثارت حفيظتي وفجَّرَت لهفتي للتعرف عليه من جَرَّاء ذلك الصيت الكاسح.

وما هي إلا لحظات حتى رآني الأستاذُ فأشار إليَّ بالذهاب إليه ، فحيَّاني وسألني عن حالي وحال والدي ثم عُدتُ إلى مكاني.

وبعد أن فَرغ الأستاذ من الشرح للصفوف التي تسبقنا وجاء دور الصف الثاني ؛ كان ثمة أول موقف جاد يجمعني بهِ على الإطلاق ، فهو لم يكد يطرح علينا سؤالًا حتى سارعتُ بالإجابة عنه دون استئذان ، فرأيتُهُ جائني وهو يبتسم فأمرني بالوقوف ثم حضنني إليهِ وهو يُربتُ على ظهري ويمسح عليه بعطف ويقول «أنت ابوك حبيبي ومش عايزك تزعل مني ، لو عايز تجاوب بعد كده ارفع إيدك الأول».

وليت شعري ، وَدِدْتُ لو أنهُ لا يتركني حتى أرتوي من عطفِه ما استطعتُ ولكنه سُرعان ما زادَ في مسحتهِ الحانية على ظهري تمهيدًا لانتهاء ذلك الحضن ويقول «ماشي؟!» فأومِؤ لهُ برأسي كنايةً عن رضوخيُ لأقول «ماشي».

ولو أن أحدهم وَلَجَ قلبي حينها لسمعني أقول «ماشي يا عمو» كما هو الحال في اللقاء القديم ،  ولكنها الهيبة والتقديس حينما يكسوانِ المعلم فينقلانهِ من الصورةِ النمطيةِ للرجل الحاني إلى الرجل الحاني والمعلم في الوقت ذاته.

وبالمناسبة ، كلمة «نمط» هذه تعلمتُها من الأستاذ علي ، تعلمتُها حينما كان يشرح لنا ذلك السؤال المشهور في مادة الحساب وهو «أكمل بنفس التسلسل» حيث كان كثيرًا ما يُعَقِّب عليه قائلًا «أو أكمل بنفس النمط» في إشارةٍ منهُ إلى أن كليهما يحمل نفس المعنى رغم عدم وجود تلك الأخيرة في الكتاب ، ولكنها الحصيلة اللغوية التي يَوَدُّ إثرائها عند طلابه.

وبعد تلك الواقعة الحانيةِ التي تحمل بين ثناياها معنًى هامًّا من معاني التربية التي تَحُثُّ على تحري الاستئذان واحترام حق الآخَرين في الإبانةِ عما في نفوسهم ؛ بدَأَت ترتسم في ذهني ملامح شخصية الأستاذ علي ، وأول ما رأيتُ فيها أنهُ شخصٌ عطوفٌ يُحبُّ النظام.

إن إرساء النظام وعدم التهاون في إرساءهِ لهو من أجلِّ الخصال التي رأيتُها في شخصية «الأستاذ علي» للحدِّ الذي جعلني أراهُ -فيما بعد- يُعاقب على اختراقه أكثر من عقابة على البلادة في التعليم.

على كُلٍّ مَرَّت تلك الحصة ليأتي بعدها -في الحصة التالية- مشهد آخر لا زلتُ أحيا بفضله حتى الآن ، فقد دعاني الأستاذ إلى السبورة لإملائي بعض الجمل ، وكما هو معلومٌ أني لم أكن-بفضل الله- أعاني من مشكلة في القراءة والكتابة ، فكتبتُ ما يُملَى عَلَيَّ حتى أنهيتُ أول جملة ، وقبل أن يشرع الأستاذُ في إملائي الجملة التالية ؛ أراد أن يفصل بين الجملتين فقال «فاصلة» ، أي ضع فاصلة ، فاضّطَرَبْتُ هُنَيْهَةً من غرابة ما سَمِعْت ، فابَتَدَرَني مرةً أخرى من الخلف وقال «فاصلة» ، فاجتهَدْتُ على قدر فكري للخروج من هذا الموقف المحرج وكتبتُ «شارطة«—»» على أنها ربما تكون هي الفاصلة التي يقصدها الأستاذ ، فوجدْتُهُ قام من مقامه حتى جائني فتناول مني الطبشورة وقال «لا يا بابا دي مش فاصلة ، دي اسمها شارطة ، إنما الفاصلة كده» ثم كتب وهو يقول «الفاصلة زي الواو بس مقلوبة لفوق« ، »»

ومنذ تلك اللحظة وأنا  بدأتُ أحذو حذوًا سليمًا للكتابة بعد أن كنتُ مقتصرًا على رَصِّ الكلمات على السطور دون سَبْكِها بعلامات الترقيم التي من شأنها إزالة الإيهام عن القارئ ، بل بلغَت أهمية هذا المشهد في حياتي مبلغًا عظيمًا حينما صِرتُ -فيما بعد- أهوى الكتابة والتدوين للحدِّ الذي جعلهم ينعتونني بـ «أديب الدفعة» في الجامعة ؛ ولا شَكَّ حينئذٍ أن تلك المقالات التي أنشرها والأبحاث التي شاركتُ في تقديمها تحملُ فضلًا كبيرًا من أفضال «الأستاذ علي» 

لم تدم فترة أخذي لدروس التقوية عند «الأستاذ علي» طويلًا ، فبعد أن بدأَت الدراسة فعليًّا في المدارس  ، ترائى لأهلي أن أتلقى دروسي في المنزل بعد أن كنتُ أُفني وقتًا كبيرًا بالخارج للجمع بين المدرسة التي كانت في منطقة ، ودرس «الأستاذ علي» الذي كان في منطقةٍ أخرى.

ومع ذلك فإن أفضال «الأستاذ علي» لم تتوقف عن غَمري وإثرائي ؛ وإن كنتُ قد أنهيتُ حقبةً مميزةً إلى جواره في الدرس ، فإن ثمة حقبة أخرى سوف تبدأ إلى جواره في المدرسة.

تلك الحقبة التي تعلمتُ فيها ما لم أجد بُدًّا من إفرادِهِ في مقالٍ آخَر ، إذ لم يَتَّسِع لهُ هذا المقال الذي طالَ مني رُغمًا عني.

تلك الحقبة التي أدركتُ فيها البنية الفكرية الإسلامية التي كان يستندُ عليها في شرحه ، وكيف كان موسوعيًّا في الاستشهاد بالتاريخ والتراث.

كيف كان «الأستاذ علي» حازمًا في إحقاق كل ما ينبغي لهُ أن يكون حقًّا ، وكيف لم يكن مصقولًا بتوافِه العامَّةِ وعاداتهم.

كيف كان يُعطينا النصائح التي لا زلتُ أسير على خطاها ما استطعتُ حتى الآن ، وكيف اجتمعت كل تلك النصائح والعواطف في بالي وقت أن ودَّعنا جَسَدَهُ الطاهر.

كيف كان «الأستاذ علي» معلِّمًا تقيًّا نقيًّا عِصامِيًّا مُكافِحًا وَرِعًا؟! 

أما والله  ،  إني وحينما أدعو لأستاذي هذا فلستُ أزيدُ عن قولي " اللهم ارحم عبدك ومعلمي «علي أبو نصار» رحمةً واسعة "، ثم أُبادر في نفس اللحظة وأقول  "وإني لأحسبُ أنك قد رَحِمتَهُ يا رب ، ولا أُزَكِّيهِ عليك ".

أقول " وأحسبُ أنك قد رحِمتَه " لأني أُحسنُ الظن بربي وأعرفهُ جيدًا ؛ أعرفه برحمتهِ ولُطفِه وإحسانِهِ وسائر أسماءِهِ الحسنى.. 

وكذلك أعرف معلمي جيدًا  ؛  أعرفه بتقواه وإخلاصه وعطفه وسائر أفعاله الحسنى.

فألا بإذن الله رَبِحَ البَيْعُ أبا يَحيى..

ألا بإذن الله رَبِحَ البَيْعُ أبا يَحيى..

وللحديث بقيةٌ  إن شاء الله لعدم احتمال المقال أكثر من ذلك.