المكان : الرهوة ( من أرض أرمنية على بعد يومين من ملاذكرد )

الزمان : يوم الاربعاء الخامس والعشرون من ذي القعدة 463 هـ

كان " عثمان " قائد جيوش "ألب أرسلان " شاباً تركياً طويل القامة قوي البنيان ماهراً بالفروسية وفنون القتال، وفوق هذا وذاك شديد الحب والإخلاص لسيده وقائده "ألب أرسلان".

وكان ألب أرسلان يعلم منه هذا الإخلاص بجانب قوته ومهارته في القتال، ولذلك ما أن انتهى المجلس الذي عقده " ألب أرسلان " مع قادته لمناقشة خطة القتال مع جيش الروم حتى انفرد ألب أرسلان بـ عثمان وقال له أريد أن أخطف من جيش أرمانوس هزيمة سريعة خاطفة على حين غِرة تُمَكِنَني من طلب التفاوض، ولهذا فأنا أريدك أن تأخذ قطعة من الجيش تكون طليعة ومقدمة للجيش تنتخبهم من أمهر فرساننا وأسرعهم لعل الله أن يجعل الفتح على أيديكم.

لم يُضع عثمان أي وقت بل بدأ على الفور فانتخب ثلاثة آلاف فارس من أمهر وأسرع الفرسان في الجيش السلجوقي المسلم وبدء التحرك مباشرة في اتجاه جيش الروم. وكان لايهدأ في سيره أبداً تارة تراه أمام الجنود يحثهم على السير السريع والإقدام على العدو وتارة تراه في جنبات الجيش يتجاذب أطراف الحديث مع بعض الجنود ليخفف عنهم تعب المسير، كان يعلم بخبرته العسكرية أنه دخل في مجال الخطر فهو الآن على مسيرة يومين فقط من معسكر جيش الروم وقد تكون مقدمة الجيش تجول في المنطقة هنا أو هناك.

ولذلك فقد كان سيره بمقدمة الجيش على تشكيل القتال، حتى يكون على استعداد دائم لأي مفاجأة فقسَّمَ المقدمة إلى ميمنة وميسرة وقلب، ووضع القائد "مُراد" على ميمنته ووضع القائد "عدنان" على ميسرته وقاد هو القلب بنفسه، حيث لم يكن من هولاء القادة الذين يدعون جنودهم تخوض المعركة ويقف هو يشاهد من مكان بعيد بل كان يُلقي بنفسه على العدو قبل جنوده.

وبينما هو سائر على صهوة جواده في مقدمة الجند إذ جاء " مراد " عن يمينه و " عدنان " عن شماله وكان مُراد هو الذي بدأ الحديث قائلاً : منذ فترة لم تَسر هادئاً في المقدمة.

فتابع عدنان قائلاً : أجل فأنت لا تكف عن التجول في كل أطراف الجيش من أوله إلى آخره.

تبسم عثمان لقولهما ثم رد قائلاً : هذه هي واجبات القيادة، لابد للقائد أن يعتني بكل جنوده على السواء فيوجِّه النشيط ويحفز الكسلان ويعيش معهم حياتهم كما هي، فليس قائداً من انعزل عن جنده وأخذ يُلقي الأوامر فحسب دون أن يدري عن جنوده شيئاً.

رد عدنان : صدقت ، وهذا هو والله دَأْبُك، ولهذا اختارك مولاي "ألب أرسلان "قائداً لجيشه. ابتسم عثمان وخفض رأسه في تواضع .

قال مراد متسائلاً : تُرى أين نحن الآن؟ أدار عثمان بصره في المكان، ثم رد على مُراد في تأنٍ: نحن الآن في مكان يُقال له " الرهوة "، وإن أصاب تقديري فنحن على مسيرة يومين من " ملاذ كرد " حيث يُعسكر جيش " أرمانوس "

ثم يخفض صوته ويلتفت يميناً ويساراً حتى يتأكد أن لا أحد يسمعه غيرهما، ويقول: ولا أخفيكما سراً أنني أشعر ببعض الخطر ، لأننا أصبحنا قريبين جداً من جيش الروم ولابد أن فرقة منهم تحوم حول المكان للاستطلاع ولهذا طلبت منكما أن تسيرا بالجيش على تشكيل القتال حتى نكون على أُهبة الاستعداد لأي هجوم مفاجئ .

قطع كلامه فجاءة وعقد حاجبيه بشدة و حَدَّق في الأفق، ثم رفع يده للأعلى إشارة للجنود أن توقفوا.

سأله مراد مذهولاً وقد اتسعت عيناه : ما الأمر؟! صاح به عثمان وقد أشار بيده إلى الأمام: انظر هناك.

نظر عدنان ومراد إلي حيث يشير عثمان فوجدا دخاناً يتصاعد في الأفق. عقدت المفاجأة ألسنة الجميع، وكان عدنان هو أول من صرخ قائلاً: يا إلهي ما هذا؟! فجاءه رد عثمان سريعاً وحاسماً: لابد أنها مقدمة جيش الروم.

ثم اتبع قائلاً : مراد ، عدنان مُرا الجند أن يتوقفوا هنا ، سأذهب أنا وأنتما لاستطلاع الأمر. دخل مراد وعدنان في صفوف الجنود ليُبَلِّغا أمر عثمان ثم عادا مسرعين و قالآ في نفس واحد نحن جاهزان .

انطلق الثلاثة بخيولهم بسرعة البرق في اتجاه هذا الدخان المتصاعد في الأفق. حتى إذا وصلوا إلى ربوة تخفيهم عن أعين الروم فنزلوا جميعاً وصعدوا على الربوة مترجلين حتى لا يلمحهم أحد من جنود الأعداء.

عثمان: كما توقعت إنها مقدمة جيش الروم.

عدنان: توحي أشكالهم أنهم من الروس.

مراد: تُرى كم يبلغ عددهم.

عثمان: يبدو عددهم حوالي عشرة الآف تقريباً.

مراد: ماذا؟! إنهم ثلاثة أضعاف عددنا الآن.

نظر إليه عثمان ويشرد بذهنه بُرهة صغيرة كمن يفكر في أمر ما، ثم قال: لقد أوحيتَ لي بفكرة!

ثم ينهض ويتحرك نازلاً عن الربوة حانياً ظهره حتى لا يراه أحد من جنود الروم، فيتبعه مراد وعدنان ويفعلان كفعله. 

يمتطي الثلاثة صهوة جيادهم. ثم يقول مُراد لـ عثمان: ما الفكرة التي أوحيتُ إليكَ بها.

فرد عثمان عليه وهو يتحرك مسرعاً باتجاة الجند: سأخبرك لاحقاً.

ما أن وصل الثلاثة إلى مكان الجند حتى قال عدنان: ماذا تنوي يا عثمان.

فأعقب مراد قائلاً: وما الفكرة التي خطرت على بالك.

نظر عثمان إليهما نظرة في منتهى الصارمة وأجاب في حزم: سنهجم عليهم الآن.

رفع كلٌ منهما حاجباه وقالا في دهشة : ماذا؟!

رد عثمان ولم يتخل عن حزمه وصرامته : أجل سنهجم عليهم الآن فإنهم عشرة الآف فقط فإن هزمناهم فَتّ ذلك في عَضُد الجيش المُكَوَّن من مائتي ألف، وأحبط من معنوياتهم، فزادت بذلك فرصتنا في النصر عليهم.

فرد مراد ولم يفق من دهشته بعد: ولكن كيف سنقاتلهم ونحن ثلاثة آلاف وهم عشرة آلاف؟!

ابتسم عثمان ابتسامة ماكرة وقال : هذه هي الفكرة.

قال عدنان متلهفاً : إليَّ بها.

قال عثمان وقد عاد إليه حزمه وصرامته: سنكون نحن أول من يهجم فنستفيد من عنصر المفاجأة ونباغتهم على الحال التي هم عليها من السكون إذ أنهم لم يَلقَوا عدواً منذ أيام.

ينظر عثمان في أعين كل منهما ثم يُتبع قائلاً : ولكننا لن نهجم عليهم هجوماً عادياً.

نظر كلٌ منهما إلى صاحبه باستغراب وقالا: وكيف ذاك؟!

فعاد عثمان إلى ابتسامته الماكرة وقال سأخبركما...