قرأت في إحدى المواقع عنوان موضوع، تساءل صاحبه عن البنوك الإسلامية وخدماتها أو تفصيل يخصها. لا أخفيكم أنني نسيت سؤاله إلا أنني تذكرت مسودة موضوع قديم، مخزنة في مكان ما في دماغي حول الموضوع نفسه. وهذه المسودة ما سأشارككموه مضيفا إليها ومنهيا ما طرحته فيها من أفكار، ومتمنيا أن تُفيد من قد يحتاجها.

التصور الذي سأطرحه للبنك الإسلامي سيكون هدفه الرئيسي تجنب الخوض في المتشابهات التي فرقت المسلمين بين من يعتبر البنوك "الإسلامية" الحالية وخدماتها متوافقة مع الشريعة وبين من يعتبرها نسخة جديدة من البنوك الربوية ذات خدمات موجهة للمسلمين، لكن بغطاء ديني. وقد يُفيد أن أوضح أن تصوري للبنك الإسلامي أقرب لمفهوم الوقف منه إلى شركة خاصة هدفها الربح بالدرجة الأولى.

ولنبدأ بأول صعوبة تواجه أي بنك، وهي إيجاده مداخيل تكفيه كي يسد بها حاجاته بما فيها أجور العاملين فيه، فماذا لو كانت هنالك طريقة أخرى غير الربا الذي يعتمد عليه؟ أو بالأحرى، ماذا لو وجد البنك مصدر دخل آخر يُنفق منه ويسد حاجته إلى إقراض الناس بالربا؟ ألن يكون هذا أفضل وأقرب للعدل؟ هذا، طبعا، إن تجاهلنا أن البنوك تعتمد على الإقراض بالربا لتحقيق الربح وليس لتمويل أنشطتها فقط، ففي هذه الحالة نتحدث عن شركة تعمل في الحرام بالحرام، من أجل الحرام.

وعلى كل حال، دعوني أقدم لكم تصوري لبنك إسلامي، أعتبره مشتغلا خارج منطقة الشبهات.

يجب أن يسبق إنشاء البنك الإسلامي استثمار آمن يأتي بضعف ما يخطط لصرفه للاضطلاع بأنشطته، فلنقل مثلا، استثمار في مجال العقار، فيمتلك عمارة أو اثنتين في حي راق، تمكنانه من الحصول على دخل يكفيه للقيام بمهامه دون الحاجة إلى مداخيل أخرى. لكن مهلا! فلتجنب ضغط طلبات القروض، فسيكون عمله محددا برقعة جغرافية محددة كمدينة أو إقليم أو جهة، فلا يقبل التعامل إلا مع القاطنين فيها، وبهذا إن أخفق في الوفاء بالتزاماته، لن يُسقط معه دولة أو دولا، وإنما جهة أو مدينة أو ولاية، ما سيُسهل تطويق الوضع ومعالجته.

البنك الإسلامي الذي أتخيله، له أربعة وظائف رئيسية:
- الادخار (يُحدد العميل النسبة التي يسمح بإقراضها من طرف البنك ونوع القرض هل تمويل تجارة أم قرض على شكل مساعدة مالية ...، أما إن كانت النسبة صفرا فسيتعين عليه أن يؤدي مقابل الحفاظ على ماله).
- الاستثمار ذو العوائد التي تقسم على من قبلوا باستثمار أموالهم، مع اقتطاع عمولة البنك.
- تنمية المجتمع.
- التوعية بمفهوم المال وكيفية الاستفادة منه والإفادة به.

ففي تصوري، هذه المؤسسة تخدم المجتمع قبل أن تخدم مصلحتها الخاصة، وهدفها تحقيق التنمية وتوفير خدمات مالية ضرورية كإرسال واستقبال الدفعات المالية وتسهيل حركة الأموال للنهوض بالقوة الاقتصادية للمجتمع، وفي تحقيقها لهذا الهدف، استفادة لها أيضا.

ولأن من الضروري أن تكون له مداخيل إضافية يحقق منها ربحا، فله أن يستثمر في مجالات ذات خطورة متدنية، شرط أن يشارك أرباحه مع أصحاب هذه الأموال التي يدخرها، والذين قبلوا استخدامها للاستثمار. بالإضافة إلى اقتطاعه رسوما مقابل خدماته البنكية. وله أن يدخل كشريك في تأسيس الشركات، شرط أن تكون أسهمه متاحة للشراء من طرف شركاءه ما أن يستطيعوا ذلك. أما التجارة فلا يدخلها كفاعل، ولو عن طريق المرابحة، حتى لا يزاحم التجار الصغار، وإنما له أن يساعدهم على شراء السلع مقابل اقتسام الربح، فيساهم بماله فيما يقدم التاجر طاقته ومعرفته، وهو ما يُعرف في الشريعة الإسلامية بالمضاربة.

أما أنواع القروض التي يمنحها فشرطها الأساسي أن تحقق التنمية ولا تجر عليه نفعا، فله مثلا أن يقدم قروضا لشراء آلات وسلع لمن يأمن قدرتهم على ردها، أو أن يساعد على إنشاء شركات صغيرة مقابل امتلاك جزء منها فيكون كالمستثمر، إلا أنه فور استرداد القرض الذي قدمه، أمكن لأصحاب الشركة شراء أسهمه إن استطاعوا، وإلا قُدمت الأرباح الزائدة للمدخرين المستثمرين، مع اقطاع عمولة البنك، أو على شكل قروض واستثمارات تُوجه أرباحها إلى حسابات المستثمرين وخزائن الجمعيات الخيرية.

ولأن البنك الإسلامي مختلف عن البقية، فلا ضرر عليه أن يقدم خدمات استثنائية كتنمية الوعي المالي لدى الناس ومساعدة المساكين عبر خدمة تسمح لأصحاب الودائع بالتبرع بنسبة من أموالهم كل سنة (شرط غياب جهة رسمية تقوم بجمع الزكاة) أو تمويل أنشطة الجمعيات الخيرية من الأرباح التي لا يُسْتَحَلُّ أن تدخل خزائنه.

البنك الإسلامي كما أتخيله، أقرب لوقف إسلامي وأبعد ما يكون عن شركة، وإن زعمت تقديمها خدمات تماشي أحكام الشريعة، ولربما كان في اختلاف العلماء حول شرعيتها أبلغ جواب على إمكانية تقبلها من طرف المسلمين كافة.

* من الضروري التنويه إلى أن تصوري هذا مرتبط بوضع الأمة حاليا فقط، ولو أن أمرها كان في يدها، لزدت على هذا التصور أن تكون تعاملاته بالذهب والفضة.

* وأعتذر عن أي ثغرة في هذا التصور، فالغاية منه وضع أرضية يمكن البناء فوقها مع تغيير ما يحتاج إلى تغيير مستقبلا، إن شاء الله.

* مما عرضته من أفكار في هذا الموضوع، ما يُعْمَلُ به حاليا، إلا أنني غيرت منه قليلا، فلا أزعم أنني صاحبها.