بيت مال المسلمين "صندوق" الدولة الذي يُحفظ فيه ما تجمعه من مال من مصادر متنوعة كالزكاة والخراج والجزية والغنيمة والفيء والأوقاف والعشور والغنائم، وكل مال استحقه المسلمون ولم يظهر مالكه. ومنه يُصْرَفُ على مصالح المواطنين (أجور الموظفين وأجهزتهم والجيش وأسلحته وتشييد البنيات التحتية والإنفاق على المؤسسات العامة ودعم الفقراء والمساكين)، وكثيرا ما يُقدم على أنه يجمع بين وزارة المالية والبنك المركزي والمؤسسات الخيرية في التصور الحديث.

التعريف المقدَّمُ أعلاه يبقى عاما، تجنبت فيه التفصيل لعدم تخصصي وابتعادا عن ما قد يأتي بالجدل. واعتمادا عليه، سأطرح تصوري لتحديث هذه المؤسسة الهامة في حياة المسلم بل والذمي كذلك، مع محاولة إبقاءه أقرب للواقع وأبعد عن عالم التنظير المنقطع عن خصوصيات الواقع -وإن كنت أستبعد أن أنجح في ذلك-. وأملي أن يفقه المسلمون أن دينهم لا يحتاج إلى التحديث، وإنما المحتاج إلى ذلك أدوات إقامة شريعته.

بيت المال في التصور الحديث، كما أراه، مؤسسة مستقلة ترأسها إدارة يُختَارُ أعضاؤها من قبل كل من الحاكم ومجلس الشورى، وتضم تحت سلطتها:
- الخزينة العامة: وعملها حفظ المداخيل وتنظيمها اعتمادا على تعليمات الإدارة.
- المفتشية المالية: وعملها حساب المداخيل والتأكد من توزيعها بالشكل الصحيح وتقديم التقارير الأسبوعية والشهرية والسنوية.
- مصلحة الرواتب والمتابعة: ومهمتها إعداد جداول الأداء الخاصة بموظفي الدولة ومؤسساتها ومصالحها.
- مصلحة الاستثمار والتهيئة: ومهمتها وضع الميزانية المناسبة لمشاريع التهيئة العمرانية وبناء البنى التحتية ومتابعتها حتى الإنجاز.
- مصلحة توزيع الأرزاق: ومهمتها توزيع الرزق على كل من لا عائل له.
- مصلحة الدعوة: ومهمتها متابعة تكاليف الحملات العسكرية (جهاد الطلب) والدعوية.
- مصلحة الدعم والاستثمار: مهمتها الاستثمار في الاقتصاد الوطني عبر تقديم قروض دون ربا، لكل من يحتاجها (شرط أن يكون المال مما بقي في الخزينة العامة آخر السنة).

وتنشر كل أسبوع الأرقام المفصلة لنشاطها، ما لم يتربص بها خطر، فيكون لكل مواطن أن يزور إحدى مكاتب التواصل (مكاتب منتشرة في ربوع الدولة، تسمح للمواطن أن يستفسر عن سياسات الدولة ونتائجها) أو أن يتصفح موقعها الرسمي على الأنترنت للاطلاع على عملياتها وانضباطها مع القوانين المعمول بها. وإن ظهر اختلال، أمكن لأي كان أن يرفع رسالة إلى القضاء للبث فيها، وتُنشر الرسالة على الموقع للعموم ما لم يُشكل ذلك خطرا على أمنها.
كما أنها ليست مركزية العمل وإنما لها فرع في كل ولاية؛ وكل منها له استقلالية عن الحكومة المحلية، وتتبع في أمرها الخطوط العامة للإدارة المركزية، إلا أن لها أن تتصرف -ضمن هذه الخطوط- بما يتناسب والمنطقة التي يُغطيها نشاطها. فكلما جمعت من سكان الرقعة الجغرافية، المسؤولة عنها، مداخيل بيت المال، اقتطعت ما يكفيها وأرسلت الباقي للمقر الرئيسي حيث يُحفظ ليُعاد تقسيمه عند الحاجة.

ولضمان دقة النتائج، فلبيت مال المسلمين نظام رقمي مركزي لتسجيل معلومات عن الفقراء قصد تسهيل إمدادهم بالمساعدات المالية عبر البطاقات البنكية الخاصة بهم، وإمدادهم بالمساعدات الغذائية عبر بطاقة أخرى يمكنهم استخدامها فقط في المتاجر للأداء، لضمان حصول كل أسرة على ما يكفيها من الأكل وتفادي تبذير المساعدات على أمور ثانوية. أما العاجزون عن التنقل، فتصلهم المساعدات الغذائية حتى منازلهم.

ولتسهيل عمليات دفع الزكاة والجزية وما شابهها، واستقبال الصدقات والهبات، فالنظام متصل بالبنوك، ويسمح لصاحب الحساب البنكي أن يدفعها وهو جالس في بيته. إلا أن العملية لا تتم بشكل عشوائي وإنما بالاعتماد على نظام محاسبة مركزي يقدم المعلومات جاهزة للإدارة حتى تُقسم مداخيلها بالشكل المناسب وتعرف إن كانت قد نجحت في إعداد ميزانية كافية لقضاء حوائج الفقراء أم أنها ستحتاج إلى طلب مساعدة من الأغنياء لسد الخصاص.

فبيت مال المسلمين، في صيغته الحديثة، يُسهل دعم الفقراء ودفع الحقوق لأصحابها، مع إبقاء سلطة الرقابة في يد الأمة حتى لا يجد درهم أو اثنان طريقا إلى جيب السلطان أو أي من معاونيه.

* أعلم أن هذا التصور يبقى غير مفصل كما يستحق إلا أن الهدف -كالعادة- طرح الأساس الذي يمكن البناء عليه لاحقا، من طرف المختصين.