أنهيت عملي على حاسوبي قبل أن أتبعه بروتيني المسائي الذي ينتهي بي ممددا على فراشي البارد منتظرا ملك الموت ليأخذ روحي أو أحلاما وكوابيس لتخرجني من هذا العالم. وعلى غير العادة، لم أحتج إلا لساعة من التأمل قبل أن أجدني في عالم آخر، هل هو كابوس؟ حلم؟ لا أعلم ولا أهتم كثيرا، كل ما أردته أن أفارق العالم لدقائق معدودة دون أن أزعج أحدا. أردت فقط الابتعاد عن صخب الدنيا والمتقاتلين عليها وأخلو بنفسي وضميري.


أين أنا؟ في البداية ذلك ما جال في خاطري قبل أن ألحظ ما خلته للوهلة الأولى بقايا واحد من أقدم مساجد مدينتي ولم أفقه ما يحدث إلا بعد مرور أحد العمال من أمامي وهو يشارك زميله في أمله الصلاة في ساحة هذا البيت المبارك ما أن ينتهي من توسيعه. ما أن سمعت ذلك حتى فطنت إلى أنني عدت إلى الماضي لسبب ما، وسواء كان ذلك حقيقة أو حلما، فلم أكن لأفوت فرصة زيارة والدي الذي فارقني قبل أن أتم السنتين. ولم أحتج للتنقل لمسافة طويلة، فذاك المسجد قرب بيتنا، وفي وقت توسعته كان والدي حيا يُرزق.


نظرت من حولي قبل أن أقف أمام بيتنا القديم الذي بدا أحسن حالا مني. وما أن تجاوزت خمس ثوان واقفا حتى سمعت صوتا من بعيد ينادي: "يا هذا، لماذا تحدق في بيتي؟ ألا تعرف أن للبيوت حرمات؟". لم أحتج أن أنظر إلى صاحب الصوت لأعرف هويته. إنه والدي، أبي، بابا. بدا أنه لم يبلغ السادسة عشرة من عمره حتى، ولكنه كالأسد ينتفض مدافعا عن عرينه. استدرت ببطئ وقد اغرورقت عيناي بالدموع لأجده واقفا أمامي قبل أن يبتسم ويظهر جانبه الآخر الذي سمعت عنه أيضا الكثير. ناولني منديله قبل أن يسألني عن حالي وإن كان المتسبب في دموعي. لم أكن لأخبره بالحقيقة طبعا وإلا توسط لي لدخول مستشفى للأمراض العقلية. اكتفيت بخنق مشاعري وإطالة وضع منديله على وجهي قبل أن أعيده إليه وأشكره، فأخذ بيدي وجرني إلى المقهى المجاور لبيتنا حيث أجلسني على كرسي وأخذ آخر ليقابلني بملامحه التي تجمع بين الحزم واللطف، ثم سألني عما بي.


لم أجد ما أجيب به إلا أن أخبره بأنني فقدت للتو والدي. نظر إلي متحسرا قبل أن يفرغ رئتيه مما فيهما ويعلق: "تنتظرك حياة قاسية يا صاح، تبدو في العشرينات من عمرك، فلعلك استمتعت بسنوات قضيتها معه، وعلى الأقل اكتسبت منه ما راكمه من خبرات ولن تضطر إلى ارتكاب أخطائه". نظرت إليه والدموع تسيل على خدي قبل أن أتذكر أنه أيضا كبر يتيم الأب، بل وكان مسؤولا عن إخوته ووالدته منذ كان طفلا، في مدينة لم يكن له فيها عائلة ولا أصحاب مقربون. لم أعرف ما أرد به فاكتفيت بإنزال بصري احتراما له ليضع يده على كتفي ويضيف: "ممم، هل ترك لك على الأقل ما يغنيك عن التعب والشقاء في هذه الحياة؟ هل تركك وحيدا أم عليك مسؤوليات؟ هل كنت تنظر إلى بيتي طمعا في صدقة؟ لا تخجل، إن احتجت إلى شيء أعلمني فقط. لا أعرفك ولكن أعرف حالتك، فلا تخجل". كان ذلك جانبه الطيب الذي سمعت عنه الكثير أيضا؛ ضيافة الغريب والصديق، إسعاد الحزين والمتألم، نفع للقريب والبعيد. ذاك والدي حقا.


نظرت إليه متأثرا قبل أن أرفض بلطف، ثم أضفت: "لم يغادرنا إلا وقد ترك لنا منزلا يؤوينا، أنا ووالدتي، وتعويضا شهريا يبقي على حيائنا، وعشرات الأصدقاء الذين يوقفونني في الشارع ليحكوا لي قصصهم معه قبل البكاء قليلا ثم احتضاني وإلزامي بزيارتهم إن احتجت إلى أي شيء. مات وقد أوصى أخوالي بالاعتناء بي". ابتسم أبي الصغير قبل أن يعلق: "رد له الجميل إذن؛ ادع له بالرحمة والمغفرة كلما استطعت". صمتنا برهة قبل أن يظهر جانبا آخر، سمعت عنه الكثير من والدتي، نظر إلي نظرة المثقف الذي يلتهم الكتب التهاما ثم قال: "من الصعب على الطفل أن ينشأ دون أب، خاصة الذكر، فمن جهة لا يجد قدوة يتعلم منها صفات الذكورة والرجولة، ومن جهة أخرى يقع في كل ما يمكن الوقوع فيه من أخطاء يتجنبها من لهم آباء، فما كان ليتعلمه من أبيه في طفولته ومراهقته سيضطر إلى تعلمه بالطريقة الصعبة؛ الممارسة، ففي الوقت الذي يستفيد أقرانه من تراكمات تجارب آبائهم، يمر هو من فخ الألغام وحيدا دون من يواسيه، جامعا بين صعوبة الدرس وغياب كتف يستند عليه. فالأب مدرسة، ينهل منها الطفل من تجارب الأب حتى لا يكرر أخطاءه". صمت لوهلة وكأنه يتذكر طفولته دون جدي، قبل أن ينظر إلي مبتسما ويكمل: "الأب يغنيك عن قصص الأبطال الخارقين وأفلامهم لأنك تعيشها معه كل يوم". صمت لثوان مجددا قبل أن يضيف بصوت منكسر: "لست أفضل شخص قد يحدثك عن شعور البنوة ولكنني أفهم ما تمر به، ثم انظر إلى حالك، على الأقل أنت الآن رجل، يمكنك أن تخلف الرجل الذي غادرنا، فكن على قدر المهمة". ابتسمت ثم أومأت برأسي موافقا.


حضر صاحب المقهى ومعه كؤوس شاي، وضعها أمامنا قبل أن يسأل عما نتحدث عنه. نظر إلى والدي ليبصر تلك النظرة الجانبية القاطعة التي عُرف بها، ففهم أن لا مكان له في الطاولة، ومثلما تسرب بيننا، انسحب تاركا شايه واهتمامه بموضوع حديثنا. نظر إلي والدي الصغير مبتسما وقد وضع يده على كتفي مجددا وهو يقول: "يا هذا، أحس أنك تخفي عني شيئا ولكن لا يهمني. ما أريده منك أن تعدني كما تعد أصدقاء والدك رحمه الله، إن احتجت إلى شيء فهذا بيتي، أطرق الباب فقط".


وعدته أن أفعل ثم بدأت في احتساء الشاي ونظراتي لا تفارقه، وكذلك فعل، فإذا به يضرب بيده على الطاولة ويتبعها قائلا: "أعرف آباء هدموا أبناءهم بكثرة الامتثال إلى طلباتهم، وآخرين فعلوا الشيء نفسه لجفائهم وغلظتهم وتضخيمهم لكل خطأ يصدر عن فلذات أكبادهم. يا ليتهم يعلمون ما يزرعون! لا يبدو أن والدك كان منهم، أليس كذلك؟". ابتسمت قليلا قبل أن أجيبه بأن والدي قبل أن يمسكني بين ذراعيه كان مسؤولا عن أسرته في الصغر، ثم انتقل بين المدن عاملا في مجالات متنوعة ليحقق استقلاله المادي أولا ويجد ما يرسله لوالدته وأخته ثانيا. وقبل أن أزيد تفصيلا، تداركت الأمر بعدما شعرت بشكوكه تلفني، لأتوقف لثانية ثم أضيف: "والدي وقف على قدميه وأوقف معه إخوته وأصدقاء له قبل أن يتزوج والدتي حتى. بل وأخذ جدتي لبيت الله الحرام. بعدها فقط أتى بوالدتي لينشئ أسرته". نظر إلي والدي الصغير ثم ابتسم معلقا بأنه كان ليتشرف بصداقة رجل مثل والدي، ثم اعتذر مني ليطرد بائعا متجولا يلقي أوساخه جانب الطريق، ما ذكرني بما حكته لي والدتي عنه؛ فبعد ولادتي، هجر الضجيج حينا، كلما كانت شاحنة تطيل مرورها منه أو يكثر ضجيج المشاة فيه، لا يتوانا عن الخروج لمواجهتهم وطردهم أمام أنظار الجيران الذين يتفادون التدخل، والأقدمون منهم يتذكرون كيف قام والدي في صِغره بجر أحد منهم أمام القاضي مطالبا باسترداد حقه منه ولم يبلغ بعد سن الرشد القانوني.


لم أكد أستمتع بجلستي تلك حتى وإذا بصرخات أطفال حيي توقظني من النوم. فكلما ذهب آباؤهم للعمل، تهرب أمهاتهم للتجول في أسواق المدينة، لينتشر أبناؤهن معيثين فسادا أينما حلوا. لكن هرجهم لم يمنعني من تذكر ما تعلمته من والدي. فرغم وفاته وأنا ابن سنتين عمرا، علمني أن أعتني بعائلتي وألا أدير ظهري للغريب أيضا. تعلمت منه أن الاستقامة في العمل ليست اختيارا وأن للحزم وقته وللهو أيضا وقته. علمني رحمه الله أن عمر الإنسان لا يجب أن يمنعه من المطالبة بحقه. علمني أن الإنسان الصالح وإن غادر عالمنا، يبقى أثره في النفوس ولو على شكل أصدقاء يمدحونه ويثنون عليه قبل الدعاء له بالمغفرة والرحمة. دروس والدي كثيرة استخلصتها من القصص التي سمعتها ممن عاشروه وافتخروا بصداقته، ولعل أفضلها: ألا يرفع الرجل ثقلا لا يستطيع حمله، والأسرة من أثقل ما قد يُحمل.