بشكل عام، يمكن تقسيم المسلسلات إلى 3 أنواع: التي تركز على الشخصيات كمحركة للقصة، التي تركز على الأحداث للغاية ذاتها، التي تزاوج بين الإثنين. مسلسل sherlock أخفق في تبني أي من الأنواع الثلاثة. طوال مواسم المسلسل يظهر جليا ضياع المنتجين الذين وُضع في خدمتهم كل ما قد يحلم به أقرانهم لإنتاج عمل يرقى لتوقعات الجمهور، ولكنهم أخفقوا أيما إخفاق، وهذه 6 أسباب أعتقد أنها كافية لتجنب مشاهدة المسلسل:


1 - المسلسل عن الشخصية الرئيسية لا القضايا التي يحلها

لابد لمسلسلات الجريمة والتحقيقات أن تركز على الأحداث وإلا كانت مسلسلات درامية عادية. فالغاية: إشراك المتابع في أحداثها ليساعد في حلها. مسلسل sherlock من جهته يركز على الشخصية الرئيسية لا الأحداث، ما يجعله مناسبا لمن يريد مشاهدة ممثل جيد يضيع أكثر من ساعة في إظهار النرجيسية والتكبر على من حوله، كما يُظهرها كتاب الحلقات على الجمهور. فمن سبق له قراءة روايات شرلوك سيلاحظ تميز الشخصية عمن حولها، لكن ليس لدرجة الانتقاص من كل من يصادفه.

المسلسل ضعيف البناء من حيث تقديم القضايا، ويخدع المتابع بملاحظات ذكية مموضعة بين حلقات كل موسم. ولو قارناه مثلا بالمسلسل الأمريكي Monk لظهر الفرق جليا؛ الأمريكي تميز في المزاوجة بين عرض القضايا للمشاهد وإشراكه في حلها من جهة، وتقديم شخصية المحقق Monk بكل تعقيداتها من جهة أخرى. وفي نهاية كل حلقة يكون المشاهد قد استمتع بالإثنين معا، وهو ما لن تجده في مسلسل sherlock.


2 - لا وجود لقصة رئيسية متينة

يبدو أن كتاب المسلسل يحضرون كل يوم للكتابة وأمامهم مهمة واحدة: كيفية تكييف كل شيء في القصة لإظهار شرلوك كعبقري زمانه، وإن كُسرت قواعد المنطق السليم أو ملأت القصة بالثغرات. ففي كل جزء بل وفي كل حلقة تتكاثرالأسئلة في ذهن المتابع دون أن يجد لها أجوبة مقنعة. وحتى بعدما كثرت على الأنترنت مجموعات انكبت على دراسة قصة كل حلقة، خرج فريق العمل في أولى حلقات الموسم الثالث من المسلسل للسخرية منهم.

حاول المنتجون تدارك ذلك بحشو شخصية "موريارتي" وتقديمه كعدو لشرلوك، لكن هذا العدو يريد فقط العبث مع المحقق المشهور. وكل اختياراته وقراراته عبثية ولا منطق لها إلا إزعاج شرلوك، ولعل أسوأها انتحار "موريارتي" فوق سطح إحدى المنازل أثناء نقاشه مع "شرلوك"، لماذا انتحر؟ ليعبث مع شرلوك طبعا. والأمر لا يتوقف عند هذا الحد؛ كل شرير في المسلسل يعمل مع "موريارتي" وكل هؤلاء الأشرار يختبرون قدرات "شرلوك" فقط. لماذا يختبرونها؟ لا يهم، كل ما يريد منك المنتجون أن تتذكر أن شرلوك ذكي وأن الجميع أغبياء.


3 - بناء الشخصيات سيء

أيا كان موضوع القصة التي تكتبها، لابد أن تتضمن شخصية واحدة على الأقل. ومن الضروري أن تُعطى لها مساحة كافية لتقديم نفسها. لكن يبدو أن كتاب المسلسل نسوا ذلك الدرس،

فالمشترك بين الشخصيات التي كتبوها أن وظيفتها الأولى: إظهار ذكاء شرلوك. حتى الخصم اللدود: موريارتي. أستاذ الرياضيات العبقري، المخطط الماهر. لم يسلم من تحطيم شخصيته وإظهاره كفتى غبي في جسد رجل بالغ، ليس لديه هدف واضح ولا ثبات على مواقفه. ظهر ذلك جليا منذ تقديمه عندما انتقل مترددا بين قتل شرلوك وإبقائه حيا. بل وظهوره إلى العلن أصلا، ففي الروايات الأصلية لم يظهر موريارتي إلا مرتين -ربما- آخرها ليموت. وحتى لو سلمنا بأن الكتاب أعادوا كتابة الشخصية فكيف لمخطط بارع يريد تحدي منافسه (شرلوك) أن يظهر له في ثاني لقاء بينهما ليخبره بما يخطط له؟ أليس منطقيا أكثر أن يبقي هويته سرية ليرى إن استطاع المحقق الذكي اكتشافها؟

وما يقال عن "موريارتي" يقال عن بقية الشخصيات التي تصلح فقط لإظهار ذكاء "شرلوك" أو لصنع وضعيات حيث يضطر "شرلوك" لإنقاذها أو يُدفع بها لتبرير سبب فشل "شرلوك" في القبض على "موريارتي" أو أحد رجاله.


4 - شرلوك دون هولمز

أفضل ميزة لدى شخصية هولمز كانت قدرته على بناء استنتاجات منطقية منطلقا مما يجمعه من أدلة وملاحظات. وهذا بالضبط ما لن تجده في هذا المسلسل. ليس هذا فقط بل وستجد أن شرلوك في كل حلقة يقدم استنتاجات ضخمة دون أن ينطلق من أساس قوي لينتهي إلى افتراض يصيب فيه بفضل اختيارات الكتاب. فمثلا إن سألتك أيها القارئ عن تفسيرك لوجود خدوش على منفذ الشحن في هاتف شخص ما، أتوقع منك تقديم عشرات التفسيرات الممكنة، ثم استبعاد الواحد بعد الآخر اعتمادا على المعلومات التي تجمعها عن صاحب الهاتف. في مسلسل شرلوك، الأمر مختلف؛ رأى خدوشا مشابهة على هاتف زميله فاستنتج أنها لأخيه الذي يكثر من شرب الخمر. كيف وصل إلى استنتاج مماثل؟ لا يهم، إنه شرلوك، ولا يجب عليك أن تشكك فيه.


5 - تُحل القضايا بعيدا عن المشاهد

تتسارع الأحداث تارة وتتباطئ تارة أخرى، ويبدو أن الغاية الوحيدة من ذلك أن يُظهر كتاب الحلقات شرلوك على بقية الشخصيات؛ قد تبدأ معه في حل قضية فتستثمر فيها وقتك وجهدك ليخرج بالحل موضحا أنه حلها أثناء الغذاء معتمدا على أدلة لم ترها كمشاهد أو أسندها إلى شخصية أخرى لا نعرف حتى بوجودها. وياليته حدث في حلقة واحدة فقط! في كل الحلقات تقريبا، يحل شرلوك القضايا معتمدا على ما لم يره المشاهد أو على معلومات لا يُعرف من أين حصل عليها أو مستندا على استنتاجات لا أساس لها.


6 - حلقات كاملة لا فائدة منها ونهايات معلقة.

تفنن المنتجون في إنتاج حلقات لا فائدة منها كزفاف واتسون وحلقة السخرية ممن يحاولون فهم المسلسل وسد ثغراته. وكلما آتتهم الفرصة ينتجون حلقات ذات نهاية معلقة أو غير مشروحة كنجاة شرلوك من الموت مثلا. هل يمدون المشاهد بمعلومات كافية ليفهم الأحداث ويُكملها بنفسه؟ طبعا لا.


عادة ما تحتوي مسلسلات التحقيقات على ثلاثة عناصر رئيسية: قضية غامضة، أدلة وشهادات، شرح نهائي يربط بين الأدلة والشهادات للخروج برواية منطقية وواضحة تزيل غموض القضية. وهذه العناصر دائما ما يُخفى أحدها جزئيا أو كليا (خاصة الثاني) عن مشاهدي مسلسل sherlock. وقد تكون أول حلقة في المسلسل أفضل ما قُدم في المسلسل. وكمشاهد إن أردت مشاهدة شخص بغيض لأكثر من ساعة، فهذا المسلسل مناسب لك، أما إن أردت تحدي نفسك في حل القضايا بالاستنتاج المنطقي وبناء الفرضيات فابق بعيدا عن هذا المسلسل.