جمهورية أيسلندا… هي جزيرة أوروبية تقع في شمال المحيط الأطلسي، وتبلغ مساحتها حوالي 103,000 كم2، ويبلغ عدد سكانها نحو ال 320,000 نسمة وعاصمتها ريكيافيك أكبر مدن الجزيرة الأيسلندية.

تأسس إتحاد الكرة الأيسلندي في عام 1947 وانضم للفيفا في نفس العام، يرجع تاريخ الدوري الأيسلندي إلي عام 1912.. ويقام كل عام بمشاركة 12 نادياً بنظام المجموعة الواحدة ومن دورين "ذهاب وعودة" ويبدأ الموسم هناك في بداية السنة الميلادية تقريبا من شهر مارس وينتهي في أكتوبر.

أبرز إنجازات المنتخب الأيسلندي كانت الصعود أولاً لبطولة أمم أوروبا 2016 لأول مرة في تاريخ البلد الصغير.. وخطف حينها الأيسلنديون الأنظار لما تأهلو من المجموعة السادسة في المركز الثاني، بالتساوي في النقاط خلف المتصدر منتخب المجر.. جدير بالذكر ان نفس المجموعة كانت تضم منتخب البرتغال بطل تلك النسخة.

نتائج أيسلندا في تلك البطولة لم ترتقي إلى مستوى الإبهار حتى بتعادلها مع المجر والبرتغال وفوزها على النمسا، إلي أن اتت لحظة لقائهم منتخب إنجلترا في دور ال16 والصدمة التي عمت القارة العجوز بعد أن استطاع منتخب الفتية إقصاء الأسود الثلاثة بنتيجة هدفين لهدف !

صحيح أن منتخب أيسلندا خرج من دور الثمانية على يد فرنسا بنتيجة ثقيلة 5-2، لكن الأيسلنديون استمروا في التألق. واستطاعوا أن يكونوا أصغر بلد تسجل تأهل إلى نهائيات كأس العالم 2018.. وفي أول ظهور لهم خرجوا بتعادل إيجابي من براثن المنتخب الأرجنتيني بقيادة أفضل لاعب في العالم ليو ميسي في افتتاح مباريات المجموعة الأولى، هذا قبل أن يودعوا البطولة من دور المجموعات بعد الخسارة من نيجيريا وكرواتيا.

ماذا بعد ؟


اكيد يتسائل احدكم الان بعد قراءة تلك المقدمة المملة.. ماذا بعد ؟ هل جئت تقص علينا ما قدموه ؟

ليس ما فعلوه هو ما جعلني أكتب هذا المقال.. بل الضجة الإعلامية الكبيرة الي تحدثت عن كون هذا المنتخب الذي يقارع الكبار يحوي في صفوفه لاعبين ذوي وظائف اخري غير كرة القدم.

علي سبيل المثال… حارس المرمى هالدرسون يعمل مخرج أفلام، ويوهان جودمونسون هو بطل ألعاب الكترونية.

ويعمل كارى أرانسون قلب دفاع أيسلندا عازف للموسيقى.، والحارس الثانى أوجمونديرو كريستينسون يعمل كمحامي.

ولاعب خط الوسط ونجم الفريق الأول جيلفى سيجوردسون يعمل في مجال العقارات.. وتتمثل وظيفة مدرب أيسلندا هيمير هالجريمسون كطبيب أسنان. وسبق له وأن درب 3 أندية للسيدات ونادى للرجال ثم تولى مهمة تدريب منتخب أيسلندا.

بالإضافة إلي احتواء منتخب أيسلندا بين صفوف لاعبيه علي 5 أطباء بشريين.. ضاربين أروع الأمثلة في ان التميز في كرة القدم لا يشترط التفرغ الكامل لها.

الوجه الآخر لكرة القدم 


إن ما يطلق عليه "الإحتراف في كرة القدم" لهو آفة تضر ولا تفيد.

الإحتراف هو الذي لم يقدم شئ للبشرية سوى إنتاج لاعبين بلا قيمة مجتمعية.. أي لا يوجد لديهم أي مردود ذا نفع على حياة البشر والحضارة الإنسانية، ورغم ذلك فهم يتلقون رواتب خيالية لا يتقاضاها أي طبيب أو مهندس أو عالم !

قد يخرج البعض قائلين لي عن أن تلك الدول التي تحوي فرقاً بها لاعبون يتقاضون مرتبات خيالية، هي بلاد تكافئ العالم وتهتم بالأطباء والمهندسين وباقي المهن وتهتم بمجال التعليم والتكنولوجيا والبحث العلمي.. وفي هذا بعض من المنطقية، ولكنه ليس وازعا أو ذريعة تبرر ما حدث وما يحدث من سماع أسعار جنونية في حق أشخاص هم في الحقيقة يركضون خلف كرة مدورة !

أما عن اللامعقول فهو ما يحدث في بعض بلادنا العربية التي أصبح من الطبيعي أن تسمع فيها نفس ما يحدث في أوروبا من ارتفاع غريب لأسعار انتقالات ورواتب اللاعبين والمدربين.. ناهيك عن ما يتم تقديمه للمدرب "الأجنبي" في ظل أن البلد نفسها تعاني من فقر مدقع !!

الأوروبيون -رغم اعتراضي على المبدأ- لكنهم يقدمون محتوى يليق بكرة القدم وقد يستخق في بعض الأحيان ما يتم دفعه، كذلك لا ننسي أنه يتم معاملته هناك علي أنه منتج ترفيهي مربح وصاحب عائدات كبيرة تفيد الدولة نفسها كذلك. 

 أما هنا فلدينا أندية تستمر في ابرام الصفقات ذات الأسعار المرعبة وهي بلا مصادر دخل.. لا حضور جماهيري او بيع للمنتجات بشكل يغطي ثمن الصفقات كما يحدث في أوروبا.

وإن كانت تلك الأندية لها عذر وسبب لما يفعلوه بأنها ذات ملكية خاصة لرجل أعمال او مستثمر، فماذا عن عقود مدربين المنتخبات العربية ؟ والتي يتم دفعها من خزينة الإتحاد المحلي التي ليس لها مصدر إلا موارد الدولة ؟

قدوة تستحق التكريم 


إن ما قدمه الأيسلنديون لهو ما يجب تطبيقه في عالم كرة القدم بشكل عام.. وفي بلادنا النامية بشكل خاص وضروري.

يجب إرساء قواعد وثقافة أن الطبيب والمعلم والمهندس والعازف والكاتب وبقية المهن التي تعبر عن العلم الحقيقي والذي له مردود ظاهر وملموس على أرض الواقع انها هي الأساس وأنها هي ما يجب أن تكون بغية أطفالنا.

في صغرنا كنا نقول لمن يسألنا عما ماذا نتمنى أن نكون في المستقبل، اريد ان اكون طبيب او مهندس او ضابط… اما حاليا إجابات الجيل الصغير هي ان اصبح مشهورا فقط، بغض النظر عما يجعلني كذلك !

كرة القدم لها صدي كبير.. وهي الرياضة الأكثر انتشارا، وعليه فإني اتمني واحلم بان يكون عناصرها قدوة ليس فقط على مستوى الرياضة والأخلاق ولكن أيضا على مستوى الإسهام المجتمعي وإبراز أن دور الشخص في مجتمعه هو الهدف الذي نتطلع إليه جميعا.