تلقي الأمس نادي توتنهام هوتسبيرز هزيمة منكرة بنتيجة 3 أهداف لهدف في ديربي العاصمة الإنجليزية لندن وعلي يد غريمه وجاره اللدود أرسنال في قلب ملعب الإمارات.

افتتح التسجيل مبكراً اللاعب ايميل سميث رووي في الدقيقة ال12' وضاعف النتيجة الجابوني بيير أوباميانج في الدقيقة 27' واختتم ثلاثية الجانرز الموهبة الإنجليزية بوكايو ساكا في الدقيقة 34'.. وسجل هدف السبيرز الوحيد سون هيونغ مين قبل نهاية المباراة ب10 دقائق.

لحظة هذا ليس تقرير تفصيلي او تحليلي عن ديربي لندن.. تمهل عزيزي القارئ وانتظر، حتماً ستفهم.

قرأت في احد المواقع مقالاً قديم بعض الشيئ.. نُشر تحديداً في مارس من العام 2007، وبالصدفة البحتة كان يحمل نفس عنوان هذا المقال "صناعة الوهم" رغم أني قرأته بعد كتابة هذه الخاطرة لئلا يتهمني أحد بسرقة العنوان.. هو توارد أفكار كما يحدث دوماً للعباقرة والمفكرين.

وبدون المزيد من الإطالة فإن المقال تحدث عن صناعة الوهم بشكل عام.. وأقتبس منه مقطعاً أجده معبراً للغاية و يوفر عليكم الكثير من الوقت لفهم مضمون ما كتبته لكم.

قال فيه مايلي :

" والمفارقة الفاقعة أن هؤلاء المدلسين موهوبون، ويمتلكون أدوات متطورة تواكب العصر، ويتمتعون بلغة جزلة وشاعرية أحياناً، وبحرفية صحافية عالية، مما يؤهلهم لصناعة وهم يشبه الحقيقة"

هذا كان رأي كاتب المقال، وأنا في خاطرتي هذه اردت التحدث عن صناعة الوهم أيضاً لكن بشكل محدد في مجال كرة القدم.

كرة القدم ملعب الصناعة الأبرز

صناعة الوهم ليس بالأمر الجديد على كرة القدم اللعبة الشعبية الأكبر والأضخم والأغنى في العالم.. كرة القدم حيث الأدوات الإعلامية تتكاتف لترفع من شأن فريق وتخسف بشأن فريق آخر.. وتجزل المدح في لاعب وتغض الطرف متعمدة عن ٱخر، ليخرج لنا وهم كبير عبارة عن تمثال من ورق لا يلبث إلا أن يتهاوى بأيدي من صنعوه.. "الإعلام" !!

وإليكم بعض الأمثلة.

في إحدى المقالات التي كتبتها سابقاً والتي تحمل اسم "الكلاسيكر علي الأبواب" تحدثت فيها عن مباراة بايرن ميونخ وبروسيا دورتموند وكيف أن الإعلام سوق تلك المباراة علي أنها كلاسيكو ألمانيا الأشهر والأكثر انتظاراً من قبل كل جمهور الكرة الألمانية والعالمية.. لكن في الحقيقة لم يكن يُنظر لهذه المباراة بتلك النظرة قبل 15 عاماً !!

الكلاسيكو أو الديربي يصنعه تاريخ طويل من العداء والتنافس والندية.. لكن في حالتنا هذه صنعها الإعلام بشكل كامل لتسليط الضوء على دوري للأسف يُلعب من جانب واحد، لكي يستطيع العامة من جمهور الكرة تصديق أن الدوري الألماني هو أحد أقوى الدوريات الأوروبية !

هناك أيضاً وهم شبيه صنعته الأموال مثل تشيلسي والذي أصبح يُنظر له رفقة السيتي وباريس علي أنهم دائمي الترشح لنيل الألقاب محلياً وقارياً، وفي هذا بعض المنطق لأن كرة القدم في تاريخها الطويل يوجد به العديد من المواقف والأمثلة المشابهة عن صعود أندية وبداية كتابة تاريخ خاص بها، وسقوط أندية في غياهب الفقر والنسيان بعد أن كان اسمها معروفاً لدى جمهور كرة القدم في مشارق الأرض ومغاربها.

لكن ماهو غير منطقي بالنسبة لي هو وضع أندية امثال توتنهام وروما وغيرهم على أنهم من فئة الكبار دون أدنى وجه حق !

لا اقول انها فرق صغيرة او مستحدثة، بل هي أسماء عريقة ولها صولات وجولات في تاريخ الكرة.. ولكنها لم تتخطى مرحلة الفرق المتوسطة.

والعجب العجاب أن تسمع اسمائهم تترشح كل عام لنيل الألقاب، في حين أن آخر لقب حققه احدهم يعود لأكثر من 13 عاماً، ناهيك عن قلة الألقاب نفسها التي تحويها خزانة كل فريق منهم !!

ثم تستعجب لتلك النبرة المنتشرة الٱن بعد تلقي توتنهام خسارة كبيرة في ديربي لندن من أرسنال الذي بدأ بداية سيئة للغاية والان يتفوق بالاهداف علي جاره توتنهام الذي كان مرشحاً -علي أقل تقدير- ان يكون في نهاية المطاف ضمن الأربعة الكبار.

وكذلك السخط المُلقي علي عاتق مورينيو رفقة ناديه الجديد روما بعد خسارة ديربي العاصمة الإيطالية ضد لاتسيو بنتيجة 3-2 في نفس الليلة.

سخط وانتقاد بسبب أن الجماهير تتبعت الإعلام الذي صور لهم أن هاتين الفرقتين مؤهلة لحصد لقب الدوري أو التنافس عليه قبل حتي أن يبدأ السباق.. وزادت واشتدت الفكرة بعد حصد الفريق القليل جدا من الانتصارات في اول مشوار الموسم الكروي !!!

عيوب الصناعة ! 

من عيوب صناعة الوهم أن تلك الفرق المسكينة وأشباهها عديمي الألقاب "والأموال ايضاً" يتم الزج باسمها والتهويل من قيمتها قبيل بداية كل موسم إما بسبب القاعدة الجماهيرية او بسبب عدة مواسم سابقة ظهر فيها الفريق بشكل مميز وقدم مستويات مبهرةحتي ولو لم يحقق أي القاب.. مثل فترة الأرجنتيني بوكيتينو الرائعة رفقة السبيرز.

يستغل الإعلام تلك الفترة من اجل كسب الشعبية التي تمتلكها هذه الأندية، ويضع الفريق عنوة ضمن الكبار والذي لا يلبث أن يسقط تحت مقصلة الضغط الإعلامي والجماهيري، ومن ثم الوقوع في المحظور !

المحظور هو أن يتم الإقتناع والإيمان والتسليم بما يسمي الستة الكبار ومن ثم يتم محاسبة مدرب وإدارة كل فريق من هؤلاء الستة حساباً عسيراً في حالة الخسارة و السقوط والتعثر حتي وإن كان بينهم من لا يتسحق كل ذلك.

 يتم إصدار الأحكام القاسية من قبل نفس الأداة والأشخاص الذين وصفوهم قبل وقت قريب بأنهم منافسين على صدارة جدول الترتيب.. والجمهور يذهب مع الموجة الإعلامية أينما كان اتجاهها، والضحية هو الفريق فقط. 

يتم اتهام المدرب واللاعبين وحتى رئيس النادي بأنهم زمرة فشلة لا يستحقون تأدية مهامهم في حين أن الحقيقة -المغيبة عن النقاد والمشجعين بسبب الإعلام- تقول أن تلك هي مكانتهم الطبيعية والتي يستحقها النادي لما له من تاريخ لا أقول ضعيف بل متوسط إلي حد ما، وحاضر شحيح الإمكانيات في عالم تحكمه المادة لا يؤهلهم بأن يرتقوا من الفئة المتوسطة إلى فئة الكبار.

إن صناعة الوهم قائمة على الكذب والفقاعات الهشة وتصويرها على أنها جواهر حقيقية.. قد نتفق مع بعض تلك الأوهام التي تنقلب إلي حقيقة ولكن يجب الوقوف في طريق البقية التي لا تقدم شيئا سوي تدمير الفرق.

إن كان وراء صناعة هذا الوهم هي الأموال الطائلة ؟ فأنا أستطيع حينها "مرغماً" تقبل ذلك.. ولو كان السبب تاريخ كبير يمتلكه فريق في حالة إحلال وتجديد مثل الريال و برشلونة و الميلان والانتر حالياً ؟ ففي تلك الحالة أتفق أيضاً مع من يصنفهم على أنهم ضمن المنافسين، لأن لديهم حق أصيل "مكتسب" بسبب سنوات وسنوات من الإنجازات والبطولات والأسماء الرنانة التي ارتدت قميصه جعلتهم دائمي التواجد في عضوية نادي الكبار حتى وإن كانوا في اسوأ فترات تاريخهم.

لكن نادي بلا مال ولا تاريخ ولا يحزنون، وتريد أن تقنعني بأن هذا فريق كبير ومن ضمن المرشحين.. بل وكذلك تريد مني المشاركة في محاسبتهم بشكل مبالغ فيه من القسوة والتجني بعد الخسارة والتأخر عن سباق التنافس ؟

لا سامحني لم أصل لهذا المستوى من السُخف بعد.

ان ما فعله فرانشيسكو توتي مع روما، و بوكتينو وكتيبته في توتنهام، ورانييري مع ليستر... تلك انجازات ومعجزات ستظل محفورة في تاريخ كرة القدم نحتفي بها ونأخذ منها العبرة، لا أن نحاسب من يأتي بعدهم على أن ما قدموه كان طبيعيا ويجب على من يخلفهم أن يتفوق عليهم ويحقق أكثر مما حققوه… لا تدار الامور بتلك الطريقة، ارجوكم رفقا بهم.