لمَّا تحدَّثت الخيبات عن نفسها وأجادت، وعلمتُ أنها نتيجة للأمل، انتهيت إلى تجريم الأمل، وحمّلتهُ وزرَ الخيبات والهموم، فأغلب الآمال قتّالة،وقليل ما تحقق أمل، وكثير ماخابت الآمال.

سمع الأمل مقالتي فقال: اسمع أيها الجاحدُ لفضلي ،إنه مني وإنه بسم اللّه الرحمن الرحيم...

فإنه لعجيب أمرك ، كيف تَتهم الأمل،و أنا رفيق من يعانون البرد في الشتاء، وقمر العاشقين في المساء، ولا تغرب شمسي، إلا وطلع قمري.

وإن الإنسان بلا أمل، كيان أجوف ليس منه نفع، وهو كالقتيل ولكنه يتنفس، فأنا الحياة، أنا النور في آخر النفق، حتى وإن لم يروا نوراً قالوا: هي تلك الظلمة قبل الفجر، وبعد قليل يطلع الفجر، بعد قليل يبزغ الأمل...

وإن اللَّه حرم القنوط، وقبل توبة العبد مادام حياً لم يمت، ولازال الإنسان راغباً في رحمة ربه، طامعاً في عفوه، ولا يزال ربُّه قابلاً منه ومستجيباً له،ولا يتوب الإنسان عمَّا اقترف إلا ويملك الأمل، والآمال أرزاق فادع اللَّه إن يرزقك الأمل، ولو انقطعت كل الآمال فالأمل في اللّه ورحمته باقٍ لا ينقطع.

وإن من مداخل الشيطان إلى الإنسان اليأس، ولا يقتل القاتل إلّا وهو يائس من تحقق ما يريد بدون الدماء، ولا يسرق السارق إلّاوهو يائس من السعي خلف الرزق، ولما طرد اللَّه آدم من الجنة علّمه كلماتٍ ليتوب عليه، وماأنزله إلى الأرض،إلّا وأنزلني معه، فأنا من يومها معكم يابني آدم إلى أن تخرج الشمس من مغربها.

إني -واللّه- أعجب من تبدل الحال ونسيانكم فضل الآمال،فانظر إلى الطفل بعدت عنه لُعبَتُهُ وهو لم يمش بعد فتراه يزحف نحوها، ويحاول أن يمد يداه لكي ينالها، ولا يزال يحاول ويحاول، فسبحان من جعلني رفيقاً حتى للأطفال.

َأعلَمُ أن بعضَ الآمالِ كاذبة، ولا يقع اللوم عليها بل على من لم يعمل لتحقيق آماله، وتعلق بالحبل الضعيف، في اليوم العاصف، أو بالجبل في وسط الطُوفان وقال هو عاصمٌ لي، فكان من المغرقين في طوفان اليأس، وحينها بحث عمن يلوم، فلام الخيبات، وبعدها لام الآمال، ولا يُلامُ إلا هو.

وإني -رغم ذلك- أُكفّر عن الخيبات فآتي من جديد -بعد كل خيبة-، أنا الأمل الثاني الوليد، يراني بعضهم قريباً ويراني الآخرون بعيد،ألا تراني؟!

فيا صديق استعذ باللّه من اليأس والضيق، وادع اللَّه أن يرزقك الأمل، وأن يكون معه العمل، وأكمل الطريق، فالطريق طويلة، والزاد يسير، ومن ضمن زادك الأمل، فلا ترم به في وسط الصحراء، وإن صادفتك المتاعب لا تجزع، فإن من يرد صعود الجبل، غاص في مستنقع الخيبة أمامه، ومن أراد القمة تحمل وعورة الطريق إليها،فلا حياة بلا أمل، أكمل ولا تكن على عجل، وتعلم من خيباتك وآمالك، واعلم أنني إن قتلتك مرة فقد أحييتك ألف مرة...

والسلام.

إلى هنا انتهى قول الأمل، وإني لأراه الآن أوضح من قبل، وإني لأعرف شكله وهيئته، فإنه كان الرفيق على الدوام، وما كان لومي له إلا كمن يلوم حبيبه ويعلم أنه لا يعيش بدونه، أنا لا أستطيع العيش بلا أمل.

ولا يزال أمل يراودني مرة ومرة، ولا زالت الخيبة تأتيني، أعرفهما خير معرفة، وليس أمامي إلا قبول الخيبة، والتعلم منها، والتمسك بالأمل.

إن اللّهَ لايُسأل عن حِكَمه، وهو العليم بما في الصدور، وما في عقولنا يدور، ويعلم الغيب، يرسل الخيبات ليرانا نصبر أم نجزع، وجعل جنته لمن صَبَر، ويرسل مع كل خيبة أمل جديد، فسبحان من أسعد عباده بالأمل، وأدَّبهم بالخيبة، وقد فاز من في الخيبة صَبَر، وعند الأمل وتحقيقهُ شَكر.

فاللّهم ارزقنا الأمل...

بقلم: محمد سيد

٢٠٢٠/٦/٢٩