داء مُتأصّل


....٢...


انتظرتُ قدومه في اشتياق فقد جهّزتُ بحث شامل عن أيّ داء أصاب البشر على مرّ العصور وتسبّب في بتر الساق، بالتأكيد لن يخرج مرضه عن هذا البحث المُطوّل الذي عكفتُ على جمع كلماته أسبوعًا كاملًا ، قال أنّه مُتأصّل أي أنّه عتيق الوجود ، وهذا ما يسلبُ عقلي منّي.


ولكنّه قَدم في تلك المرّة وعلى وجهه الفزع ، لا يستطيع التكلّم من سرعة نبضه ولولا أنّه كان على كُرسيّه لسألتُه عن مركزه في الماراثون الذي أنهاهُ لتوّه.

طلب منّي أدوية لأزمات القلب وأخبرني سريعًا أنّه سيعود إلى فَلسطين فالجيران قد اتّصلوا وأخبروه أنّ أمّه مريضة وتطلب لقاءه على عجل، نبرة صوتهم أوحَت له أنّ الأزمة في هذه المرّة غير كلّ المرّات، أخذ منّي الدواء على عجل ، وقبل أن يمضي جذب المفتاح المُعانق لرقبته ووضعه في قبضة يدي وابتسم قائلًا:

لم أخلعه في حياتي قَط ، ولا أدري لماذا أخلعهُ الآن، ولكن هذا ما أملاهُ علىّ حُلم أمس ، أمانةٌ عندك حتّى أرجع ، فلتحفظهُ بقلبك فقد عهِد الإقامة به. 


ثمّ غادر سريعًا ... لم يُعطني فرصة توديعه، ولا أخذه بين عضديّ ، ولم يطلب منّي إيصاله ، ولا حتّى انتظرَ أن أضحك عليه لأنّي قد عرفتُ سبب الكرسيّ فهو لن يخرج أبدًا عن هذا البحث الذي استنفذتُ فيه معلومات جوجل كلّها.

مرّ يومان .. ثلاثة .. أربعة حتّى عجزتُ عن العدّ ، ولا خبر ، هاتفهُ لا يُجيب وأصدقاؤه لا يعرفون عنه شيئًا ، أُمضي الليل أنظرُ للمفتاح أحدّثه أحاديثًا كنتُ أتحادثها مع صاحبه ، بدأ الخوف ينهشُ قلبي ، وبعد شهر مضى على رحيله قرّرتُ الذهاب إليه ، أنا ممتنٌّ لتلك الجلسة التي أخبرني فيها عن عنوان بيته ، وممتنٌّ لعقلي الذي احتفظ به بين ثناياه.


لن أتكلّم عن معاناة السفر ولا عن ما كابدته جرّاء قراري هذا ، دعني أختصر لك وأبدأ عند عبوري للمعبر وملامسة قدمي لترابها ، عندها وددتُ لو أنّي خلعتُ ما بقدمي فأنّى لثراها أن يكون تحت حذائي ، فاضت دموعي دون أن أشعر ، أخذتُ قبضةً من ترابها ووضعتُه في حقيبتي ، أحسستُ أنّي أسرقها ، ولكن أنا أريدُ أن أعيش بها وأتنفسّها أيضًا ، أريدها أن تكون معي وإن كنتُ أنا لستُ بها.

وصلتُ بعد طريق طويل يمتلئ بعناق عينيّ لكلّ ما هو خاصّ بها ، دلّني أحد سكّان الحيّ وهو يبكي على البيت ، عندما رأيته وودتُ لو أنّي لم أسأله عن المكان بلفظ " بيت" فكلّ ما تبقّى هو جدار عليه برواز ومقعد مُبطّن فقد أحشائه.

نظرتُ بإشفاق وعيون مِلؤها الدمع للرجل ، فهمَ منّي أنّي أطلبُ منه نفي ما تبادر لذهني فبكى أكثر وربّت على كتفي وهزّ رأسه مُؤكّدًا وانصرف ، تركني أشلاء مُبعثرة كلّ شِلو يتذكّر جزءًا من الضياء الذي حضرني ومرّ عليّ كلمسات الضوء في وَضح النّهار خفيفة رقيقة .


تأمّلتُ كثيرًا تلك الابتسامة التي غمرت البرواز ، كان يحتضنُ أمّه وتنظر هي لهُ بحنان يغمر أهل الأرض جميعًا ، كم افتقدتُ تلك الابتسامة ، كان يضع شريط الحداد على البرواز ، وضعه وهو في الصورة! ... لم يكُن أسود اللون كما هو المُتعارف ، وإنّما كان جزءًا منها ، تجمّل بتلك الألوان البديعة التي اكتسبت جمالها فقط عندما ضمّها العلم الفلسطينيّ.

كان البرواز مائلًا وكأنّه حزين على غياب الوَضح ، سمعتُه يبكيه لكنّه لم يكن هنا لكي أُخبره وأطلب منه أن يبقى هذا سرًّا بيننا.

منحتُ البرواز استقامة لم يكن ليرجوها منّي فاعتذرتُ له عن هذا ، فوقع دفتر صغير خُبّئ وراءه.

أمسكتُه بين يديّ ، كان مُعفّرًا باليًا وكأنّه قد سئمَ تكاليف الحياة بعدما عُمّر للثمانين.

كان فارغًا إلّا من ورقتين قرأهما دمعي ، ومازالتا في حفظ القلب خشية أن يخونهما زهايمر العقل ، جاء بهما:


لم يمُت أبي باختناق بالغاز ، ولم تمُت يافا برصاصة جعلت من جسدها الضعيف هدفًا ، لم أفقد قدمي بقنّاصة مُترصّدة، ولا ماتت أمّي بسبب أزمة قلبيّة ، لم يكن تأخّر الدواء على المعبر لخمسة أيّام هو السبب ، كيف لقلبها أن يتوقّف وهو معي!

لم يكن عدم رؤيتي هو سبب انفطار قلبها قبل الرحيل ، لم يكن تأخّري بسبب تلك الاجراءات اللعينة التي مررتُ بها ، قد بعتُ الهاتف حتّى أُحضر لها الدواء لأجعلها تسمع صوتي في الحقيقة ، فلا هي عاشت حتّى تأخذ الدواء ولا أنا منحتها دفء صوتي .

أقولُ لكَ أمرًا ، حتّى فلسطين لا تُغتصب لأنّها مُحتلّة !

ها هو القصف قد بدأ ، أءخاف؟!

حتّى لو متّ تحت الأنقاض لن يكون القصفُ هو من قتلني أيضًا !

لا الغاز ولا الرصاص ولا المرض ولا حتّى تلك القذائف التي أسمعُ رنينها في أذني تقتل!

لا يتمّ قتلنا هنا إلّا بداءٍ متأصّل قد تملّك القلوب حتّى باتت تكتب عن إسرائيل ككيان وتضع نُقطة على الخريطة وتخطّ بجانبها اسم "دولة إسرائيل" .

لا يتمّ سلبُ أرواحنا هنا إلا بداء عرفناه نحن باسم "اذهبْ أنتَ وربّك فقاتلا إنّا ها هُنا مُتفرّجون"...


تمّت بحمد الله


#منارة_الانتصار

#داء_مُتأصّل