أنا سلام شابّ بسيط ، متزوج من مدّة قليلة تُقدّر ببضعة أشهر ، وأنا أعترف أنّي وُهبت حبّها ، وُهبت هبة كهبة النيل لمصر كهبة الأقصى لفلسطين ، كهبة الحنان لأمّ ، لم أكن أصلّي ، وهي أخذت بيدي رويدًا رويدًا حتّى استقمت لله في وقفتي ووجّهت وجهي اتّجاه قبلته ستّ مرّات في اليوم .

ستّ ؟!

نعم ستّ ، هي من علّمني أنّ الخمسة فرض والسادسة شكر ، شكر لله على فضله ، فلولاه ما أدّينا الخمسة .

ومع ما نعيشه هذه الأيّام من الفيروس المنتشر والاضطرابات والخوف ، أنا أغسل يديّ فوق العشرين مرّة وأستحمّ مرتين ، فقط لأنّي أخاف عليها ...لو كان الأمر عليّ ما خفت كل هذا الخوف.

وفي أحد تلك الأيّام الصعبة رجعتُ إلى البيت لأتوضّأ وأستحمّ ومن ثمّ أنزلُ لصلاة العشاء كما هي عادتي ، دخلتُ أستحمّ وخرجت وقد انتهى الأذان فوجدتها جالسة على الأرض دموعها تنهمر على وجنتيها ، لم أرها من قبل في تلك الحالة ، خفق قلبي بقوّة واقتربتُ منها لأستعلم : ماذا بك ؟ لا تبكي ..لا تبكي .

لم تستطع التحدث كان نحيبها مذبذبًا لكل خلية في قلبي من شدّته ، أخذتُ أهدّئها وأمسحُ لها دموعها ، وبعد عدّة دقائق ردّت قائلة بصوت متهدّج : قالوا صلّوا في بيوتكم ، أغلقوا المساجد !

لا أعلم كيف تمالكتُ أعصابي ، كيف استطاعت عيناي ابتلاع دموعها مرة أخرى بعدما تكلّفت إخراجها للمقلتين ؟!...حقًا لا أدري .

هدأتها وبحثنا عن الموضوع معًا فوجدناها سنّة عن الرسول صلى الله عليه وسلم وذلك لحمايتنا ، هدأتْ قليلًا ، قالت قبل أن تغفو : لعلّ الله لم يكن يعذّبنا لأجل هذا الصفّ الفقير الذي لا يكتمل في صلاة الفجر .. وهاهو ذهب كلّه .


-ومَا كانَ اللهُ ليُعذّبهم وهُم يَستغْفرُون .


بكت قائلةً : أستغفرُ الله ، أستغفرُ الله .

سمعتُها تردّدها حتّى غفت ، عددتُ كم مرّة قالتها ، تجاوزت الألف ، كما كنتُ أردّدها وراءها .

استيقظتُ قبل الفجر بنصف ساعة كما عوّدتني ، توضّأنا وصلّينا ماشاء الله لنا أن نصلّي ، أذّن الآذان .

الله أكبر ..الله أكبر

الله أكبر ..الله أكبر

حتّى وصل إلى حيّ على الصّلاة ..حيّ على الفلاح .

فتحت الباب ولبست الحذاء وناديتُ عليها : أنا ذاهب لأصلّي .

وقفت أمامي وأشارت لي أن انتظر ، انتهي الآذان ب "صلّوا في بيوتكم "

فبكتْ ، وأنا لم أستطع تلك المرّة ألا أبكي ، فبدأت دموعي بالانهمار ، حاولت ولم أستطع ، لقد نسيت!

حقًّا أن تحكي لي كيف كان الآذان شيء ، وأن أسمعها أنا شيء آخر !


صلّيتُ بها وبعدما انتهينا توجّهتُ بجسدي ونظري لها وقلتُ : تعلمي ، تلك كانت ستكون آخر صلاة لي ليهبني ربّي البراءة من النفاق .

دمعت عيناي وتركتها تستغفر وهي تبكي ، لم أطق ألّا أذهب ، لم أطق أن تفوتني صلاتان وراء بعضهما ، من أنا ؟!...أهذا سلام الذي لم يعرف طريق المسجد طوال حياته ؟!..

وقفتُ أمام باب المسجد المغلق ، اقتربتُ منه ، تذكرتُ نفسي وأنا أتّكئ عليه لألبس حذائي ، تذكرتُ كيف كنتُ عندما دخلته لأصلّي أوّل مرّة ، تذكرتُ يوم سُرق حذائي وعدتُ إلى البيت حافيًا تُدمي قدماي لدخول الزجاج فيها ، رأيتُ نفسي وأنا أستمع لخطبة الجمعة ، ألن أتطيّب وأذهب مبكرًا لأكون في الصفّ الأوّل لأسمعها مجددًا !..لم أستطع تخيّل الأمر ، أخذتُ أطرق عليه ، بكيتُ ، صرختُ : جئتك يا الله ، جئتك ، يالله ارفع غضبك ومقتك عنّا ، يالله أنا لا أتحمّل ، افتحه يالله وأعاهدك ألا أترك صلاة أبدًا ، سأصلّي على الوقت ، أعاهدك ألّا تكون صلاتي كصلاة "ارجع فإنّك لم تصلّي" ، أعاهدك ، فقط افتح .

تعبتُ من البكاء تعبتُ من الطرق ، لمَ الدنيا ضاقت هكذا !

جلستُ واضعًا ظهري على الباب ، وقد بدأ يتبين الخيط الأبيض من الخيط الأسود من الفجر ، رفعتُ يديّ ، صرختُ صرخةً أخيرة : يالله..يالله .

فجاء الصوتُ وكأنّه صدى متكرّر لأصوات كثيرة ، صدى لأصوات ليس فيها صوتي : يالله .. يالله .

النحيب تعالى ، إنّهم أهل قريتنا ، يردّدون الكلمات من نوافذ منازلهم ، يبدو أن القلوب كلّها عطشي ، وأنا كنتُ أحسبُ قلبي فقط هو الذي لم يرتوي .